الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (120)

قوله تعالى : " إن تمسسكم حسنة تسؤهم " قرأ السلمي بالياء والباقون بالتاء . واللفظ عام في كل ما يحسن ويسوء . وما ذكره المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم إلى غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس باختلاف . والمعنى في الآية : أن من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على{[3401]} المؤمنين ، لم يكن أهلا لأن يتخذ بطانة ، لا سيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو مِلاك الدنيا والآخرة ، ولقد أحسن القائل في قوله :

كل العداوة قد تُرجَى إفاقتها *** إلا عداوةَ من عاداك من حسد

" وإن تصبروا " أي على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين . " وتتقوا لا يضركم{[3402]} كيدهم شيئا " يقال : ضاره يضوره ويضيره ضيرا وضورا ، فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى ، فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم .

قلت{[3403]} : قرأ الحرميان وأبو عمرو " لا يضركم " من ضار يضير كما ذكرنا ، ومنه قوله " لا ضير " ، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين ؛ لأنك لما حذفت الضمة من الراء بقيت الراء ساكنة والياء ساكنة فحذفت الياء ، وكانت أولى بالحذف ؛ لأن قبلها ما يدل عليها . وحكى الكسائي أنه سمع " ضارَه يضورُه " وأجاز " لا يَضُرْكم " وزعم أن في قراءة أبي بن كعب " لا يضْرُرْكم " {[3404]} . قرأ الكوفيون : " لا يضركم " بضم الراء وتشديدها من ضر يضُر{[3405]} . ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير إضمار الفاء ، والمعنى : فلا يضركم ، ومنه قول الشاعر :{[3406]}

من يفعل الحسنات اللهُ يشكرها

هذا قول الكسائي والفراء ، أو يكون مرفوعا على نية التقديم ، وأنشد سيبويه :

إنك إن يُصرع أخوك تُصْرَعُ{[3407]}

أي لا يضركم أن تصبروا وتتقوا . ويجوز أن يكون مجزوما ، وضمت الراء لالتقاء الساكنين على إتباع الضم . وكذلك قراءة من فتح الراء على أن الفعل مجزوم ، وفتح " يضركم " لالتقاء الساكنين لخفة الفتح ؛ رواه أبو زيد عن المفضل عن عاصم ، حكاه المهدوي . وحكى النحاس : وزعم المفضل الضبي عن عاصم " لا يضرِّكم " بكسر الراء لالتقاء الساكنين .


[3401]:- في د وب وهـ: بالمؤمنين.
[3402]:- قراءة نافع.
[3403]:- كذا في د، وفي ب و ا: قراآت قرأ، وفي ز و جـ: قرأ.
[3404]:- في د وهـ: يضور والتصحيح من البحر قال: بفك الإدغام وهي لغة أهل الحجاز.
[3405]:- الزيادة من ب و د هـ.
[3406]:- هو حسان بن ثابت رضي الله عنه. وتمامه: * والشر بالشر عند الله سيان*
[3407]:- هذا عجز بيت لجرير بن عبد الله. وصدره: * يا أقرع بن حابس يا أقرع*
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (120)

ولما كان ما أخبرت به هذه الجمل من بغضهم وشدة عداوتهم محتاجاً ليصل إلى المشاهدة إلى بيان دل عليه بقوله : { إن تمسسكم } أي مجرد مس { حسنة تسؤهم } ولما كان هذا دليلاً شهودياً ولكنه ليس صريحاً أتبعه الصريح بقوله : { وإن تصبكم } أي بقوة مرها{[18795]} وشدة{[18796]} وقعها وضرها { سيئة يفرحوا بها } ولما كان هذا أمراً{[18797]} مبكتاً{[18798]} غائظاً مؤلماً داواهم{[18799]} بالإشارة إلى النصر مشروطاً{[18800]} بشرط التقوى والصبر فقال : { وإن تصبروا وتتقوا } أي تكونوا من أهل الصبر والتقوى { لا يضركم كيدهم شيئاً } ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي ذا{[18801]} الجلال والإكرام { بما يعملون{[18802]} محيط * } أي فهو يعد لكل كيد ما يبطله ، والمعنى على قراءة الخطاب : بعملكم{[18803]} كله ، فمن صبر واتقى ظفرته ، ومن عمل على{[18804]} غير ذلك انتقمت منه .


[18795]:في ظ: برها.
[18796]:في ظ ومد: وشديد.
[18797]:من ظ ومد، وفي الأصل: الأمر.
[18798]:في الأصل: ممكما، وفي مد وظ: منكيا.
[18799]:من مد،وفي الأصل وظ: دواهم.
[18800]:زيد من مد.
[18801]:في ظ: ذي.
[18802]:في ظ: تعلمون ـ كما قرأ الحسن وأبو حاتم بالتاء الفوقانية.
[18803]:من ظ، وفي الأصل: يعلمكم، وفي مد: يعفكم.
[18804]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (120)

قوله : ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ) هذه واحدة من الأوصاف الذميمة للمنافقين . هؤلاء الذين يتربصون بالإسلام والمسلمين الدوائر ويرجون لهم كل وجوه الشر والضر ، كالهموم والمنون والمضانكة إلى غير ذلك من ألوان الكرب والضيق والفقر والمرض والهزيمة ، لكنهم يستاءون لما يصيب المسلمين من وجوه الخير والبركة ما بين نصر الإسلام وعلو شأنه ومكانته . وما يكتبه الله للمسلمين من الاستعلاء والائتلاف والعافية والخصب ، وكثرة الأموال والثمرات وازدياد الأنفس والجموع المؤمنة .

قوله : ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ) يعني إن تصبروا على طاعة الله وعن معصيته فتجتنبوا نواهيه ولا تتخذوا لكم بطانة من الكافرين والمنافقين فسوف لا يضركم كيدهم شيئا . والمراد بالكيد المكر والخبث وما يبتغيه لكم هؤلاء من غوائل ومفاسد وشرور . و ( شيئا ) نائب مفعول مطلق محذوف .

قوله : ( إن الله بما يعملون محيط ) ذلك من مجاز الله . والمقصود بالإحاطة أنه عالم بما يعمله هؤلاء الكافرين في المسلمين من فساد وصد عن سبيل الله ، وهو تعالى حافظ لكل ما يجري من قول أو فعل ولا يعزب عنه شيء من ذلك{[574]} . وفي ذلك من إيقاظ للحس والخيال ، وتنشيط للذهن والقلب ما يجعل المرء دائب الوعي والتبصر والرهافة ، ذلكم الإنسان البصير الذي يعي حقيقة الإحاطة الربانية لكل ما حواه الوجود من شيء وموجود .


[574]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 216- 222 وتفسير الطبري جـ 4 ص 37- 45 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 177- 185 والقاموس المحيط جـ 1 ص 346.