دليل على نبوتها كما تقدم . " وإذ " متعلقة ب " يختصمون " . ويجوز أن تكون متعلقة بقوله : " وما كنت لديهم " . " بكلمة منه " وقرأ أبو السمان " بكلمة منه " ، وقد تقدم . " اسمه المسيح " ولم يقل اسمها لأن معنى كلمة معنى ولد . والمسيح لقب لعيسى ومعناه الصديق . قاله إبراهيم النخعي . وهو فيما يقال معرب وأصله الشين وهو مشترك . وقال ابن فارس : والمسيح العرق ، والمسيح الصديق ، والمسيح الدرهم الأطلس{[3094]} لا نقش فيه والمَسْح الجماع ، يقال مسحها{[3095]} . والأمسح : المكان الأملس . والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا است لها . وبفلان مسحة من جمال . والمسائح قِسِي جياد ، واحدتها مسيحة . قال :
لها مسائحُ زورٌ في مراكضها *** لينٌ وليس بها وَهْنٌ ولا رَقَقُ{[3096]}
واختلف في المسيح ابن مريم مما ذا أخذ ، فقيل : لأنه مسح الأرض ، أي ذهب فيها فلم يستَكِنَّ بِكِنٍّ . وروي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء ، فكأنه سمي مسيحا لذلك ، فهو على هذا فعيل بمعنى فاعل . وقيل : لأنه ممسوح بدهن البركة ، كانت الأنبياء تمسح به ، طيب الرائحة ، فإذا مسح به علم أنه نبي . وقيل : لأنه كان ممسوح الأخمصين . وقيل : لأن الجمال مسحه ، أي أصابه وظهر عليه . وقيل : إنما سمي بذلك لأنه مسح بالطهر{[3097]} من الذنوب . وقال أبو الهيثم : المسيح ضد المسيخ ، يقال : مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا ، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا . وقال ابن الأعرابي : المسيح الصِّدِّيق ، والمسيخ الأعور ، وبه سمي الدجال . وقال أبو عبيد : المسيح أصله بالعبرانية مشيحا بالشين فعرب كما عرب موشى بموسى . وأما الدجال فسمي مسيحا{[3098]} لأنه ممسوح إحدى العينين . وقد قيل في الدجال مسيح بكسر الميم وشد السين . وبعضهم يقول كذلك بالخاء المنقوطة . وبعضهم يقول مسيخ بفتح الميم وبالخاء والتخفيف ، والأول أشهر وعليه الأكثر . سمي به لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس ، فهو فعيل بمعنى فاعل ، فالدجال يمسح الأرض محنة ، وابن مريم يمسحها منحة . وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول . وقال الشاعر :
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ) الحديث . ووقع في حديث عبدالله بن عمرو ( إلا الكعبة وبيت المقدس ) ذكره أبو جعفر الطبري . وزاد أبو جعفر الطحاوي ( ومسجد الطور ) ، رواه من حديث جنادة بن أبي أمية عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم ( وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس ) . وذكر الحديث . وفي صحيح مسلم : ( فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين{[3099]} واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفعه تحدر منه جمان{[3100]} كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات ، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طَرْفه فيطلبه حتى يدركه بباب لُدّ{[3101]} فيقتله ) الحديث{[3102]} بطوله . وقد قيل : إن المسيح اسم لعيسى غير مشتق سماه الله به . فعلى هذا يكون عيسى بدلا من المسيح من البدل الذي هو هو . وعيسى اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وإن جعلته عربيا لم ينصرف في معرفة ولا نكرة ؛ لأن فيه ألف تأنيث . ويكون مشتقا من عاسه يُعوسه إذا ساسه وقام عليه . " وجيها " أي شريفا ذا جاه وقدر وانتصب على الحال ، قاله الأخفش . " ومن المقربين " عند الله تعالى وهو معطوف على " وجيها " أي ومقربا ، قاله الأخفش . وجمع وجيه وجهاء ووجهاء .
واستمر في إكمال المقال{[17045]} على ذلك الأسلوب الحكيم حتى تمت الحجة واستقامت المحجة فقال تعالى مبدلاً من إذ{[17046]} الأولى إيذاناً{[17047]} بأن ما بينهما اعتراض لما نبه عليه من شريف الأغراض{[17048]} : { إذ قالت الملائكة يا مريم } ولما كانت هذه السورة{[17049]} سورة التوحيد المقتضي للتفرد{[17050]} بالعظمة عبر بما صدرت به من اسم الذات الجامع لجميع الصفات فقال : { إن الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ، فلا راد لأمره { يبشرك } وكرر هذا الاسم الشريف في هذا المقام زيادة في إيضاح هذا المرام بخلاف ما يأتي في سورة مريم عليها السلام ، وقوله : { بكلمة } أي مبتدئة { منه } من غير واسطة أب هو{[17051]} من تسمية المسبب باسم السبب ، والتعبير بها أوفق لمقصود السورة وأنفى{[17052]} لما يدعيه المجادلون في{[17053]} أمره ، ثم بين أنه ليس المراد بالكلمة{[17054]} حقيقتها ، بل ما يكون عنها ويكون فعالاًَ بها{[17055]} فقال مذكراً للضمير : { اسمه } أي{[17056]} الذي يتميز به عمن سواه مجموع{[17057]} ثلاثة أشياء : { المسيح } أصل{[17058]} هذا الوصف أنه كان في شريعتهم : من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهراً{[17059]} متأهلاً للملك والعلم والمزايا{[17060]} الفاضلة مباركاً ، فدل سبحانه وتعالى على أن عيسى عليه الصلاة والسلام ملازم للبركة الناشئة عن المسح وإن لم يُمسَح ؛ وأما وصف الدجال{[17061]} بذلك فإما أن يكون لما كان هلاكه على يد{[17062]} عيسى عليه الصلاة والسلام وصف بوصفه - من باب التسمية بالضد ، وإما أن يكون إشارة إلى أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك - ولو مسح - عن{[17063]} الاحتياج إلى التطهير{[17064]} بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ومن كان به برص ونحوه فيبرأ - والله سبحانه وتعالى أعلم .
ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال { عيسى } وبين أنه{[17065]} يكون منها وحدها{[17066]} من غير ذكر بقوله موضع ابنك : { ابن مريم } وذلك أنفى لما ضل به من ضل{[17067]} في أمره{[17068]} ، وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس الكلمة وبإبهامه{[17069]} أولاً ثم تفسيره ، وقوله : { اسمه{[17070]} } تعظيم لقدره{[17071]} وبيان لفضله على يحيى عليهما{[17072]} السلام حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا الذكر ، ثم أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالاً دالة{[17073]} على أنه يظهر اتصافه بها حال{[17074]} الولادة تحقيقاً لظهور أثر الكلمة عليه فقال : { وجيهاً } قال الحرالي : صيغة مبالغة مما منه الوجاهة ، وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ المحترم{[17075]} بعلو ظاهر فيه - انتهى . { في الدنيا } ولما كان ذلك قد لا يلازم الوجاهة بعد الموت قال : { والآخرة } ولما كانت الوجاهة ثمَّ مختلفة ذكر أعلاها عاطفاً{[17076]} بالواو إشارة إلى تمكنه في الصفات فقال : { ومن المقربين * } أي عند الله .
قوله تعالى : ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ) التبشير إخبار المرء بما يسره من خير .
وقوله : ( بكلمة منه ) أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله ، أي يقول له " كن " فيكون . وهو قول أكثر المفسرين . وقيل : بكلمة منه ، أي برسالة من الله وخبر من عنده . وهو من قول القائل : ألقى إليّ فلان كلمة سرني بها ، بمعنى أخبرني خبرا فرحت به . كما قال تعالى : ( وكلماته ألقاها إلى مريم ) يعني بشرى الله مريم بعيسى ألقاها إليها . وقيل : بكلمة منه هي اسم لعيسى سماه الله بها . وهو قول ابن عباس وهي أن الكلمة هي عيسى المسيح .
أما كلمة ( المسيح ) فهي اسم مشتق في قول الأكثرين من العلماء وأهل اللغة . وثمة وجوه ذكرها العلماء في سبب تسمية عيسى بالمسيح منها :
أولا : لكثرة سياحته ، إذ كان يمسح الأرض أي يقطعها .
ثانيا : لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص لهما ، أي أنه كان ممسوح الأخمصين . والأخمص هو ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض{[469]} .
ثالثا : لأنه كان إذا مسح أحدا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى .
رابعا : لأنه مسح من الأوزار والآثام .
خامسا : لأنه كان ممسوحا بذهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء لا يمسح به غيرهم . وقيل غير ذلك{[470]} .
قوله : ( وجيها في الدنيا والآخرة ) أي ذا وجاهة وشرف ومكانة عالية عند الله في الدنيا بفضل النبوة وما كتب الله له من مزايا وخصائص مميزة كخلقة من غير أب وكلامه وهو في المهد ونحو ذلك . وهو في الآخر من أولي العزم من الرسل ( ومن المقربين ) .