" يوم " منصوب متصل بقوله : " ويحذركم الله نفسه . يوم تجد " . وقيل : هو متصل بقوله : " وإلى الله المصير . يوم تجد " . وقيل : هو متصل بقوله :
" والله على كل شيء قدير . يوم تجد " ويجوز أن يكون منقطعا على إضمار اذكر ، ومثله قوله : " إن الله عزيز ذو انتقام . يوم تبدل الأرض " {[2997]} [ إبراهيم :47 ، 48 ] . و " محضرا " حال من الضمير المحذوف من صلة " ما " تقديره يوم تجد كل نفس ما عملته من خير محضرا . هذا على أن يكون " تجد " من وجدان الضالة . و " ما " من قوله " وما عملت من سوء " عطف على " ما " الأولى . و " تود " في موضع الحال من " ما " الثانية . وإن جعلت " تجد " بمعنى تعلم كان " محضرا " المفعول الثاني ، وكذلك تكون " تود " في موضع المفعول الثاني ، تقديره يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت محضرا . ويجوز أن تكون " ما " الثانية رفعا بالابتداء ، و " تود " في موضع رفع على أنه خبر الابتداء ، ولا يصح أن تكون " ما " بمعنى الجزاء ؛ لأن " تود " مرفوع ، ولو كان ماضيا لجاز أن يكون جزاء ، وكان يكون معنى الكلام : وما عملت من سوء ودت لو أن{[2998]} بينها وبينه أمدا بعيدا ، أي كما بين المشرق والمغرب . ولا يكون المستقبل إذا جعلت " ما " للشرط إلا مجزوما ، إلا أن تحمله على تقدير حذف الفاء ، على تقدير : وما عملت من سوء فهي تود . أبو علي : هو قياس قول الفراء عندي ؛ لأنه قال في قوله تعالى : " وإن أطعتموهم إنكم لمشركون " {[2999]} [ الأنعام : 121 ] : إنه على حذف الفاء . والأمد : الغاية ، وجمعه آماد . ويقال : استولى على الأمد ، أي غلب سابقا . قال النابغة :
إلا لمثلك أو من أنت سابقُه *** سِبْقَ الجواد إذا استولى على الأَمَدِ
والأمد : الغضب . يقال : أمِد أمَداً ، إذا غضب غضبا{[3000]} .
ولما تم الوصف بالعلم والقدرة بعد التحذير من سطواته ذكر يوم المصير المحذر منه ، المحصى فيه كل كبير وصغير ، المعامل{[16164]} فيه{[16165]} كل عامل بما يليق به ، الذي يتم فيه انكشاف الأوصاف لكل ذكي وغبي{[16166]} فقال تعالى : { يوم } وهو معمول لعامل{[16167]} من معنى " يحذر " { تجد كل نفس } والذي يرشد إلى تعيين{[16168]} تقدير هذا العامل - إذا جعل العامل مقدراً - قوله سبحانه وتعالى { ويحذركم الله نفسه } [ آل عمران : 28 ] سابقاً لها ولا حقاً ، ويجوز أن يكون بدلاً من يوم في قوله{[16169]}{ ليوم لا ريب فيه }[ آل عمران : 9 ] وتكون فتحته للبناء لإضافته إلى الجملة - والله سبحانه وتعالى أعلم ، والمراد بالنفس - والله سبحانه وتعالى أعلم - المكلفة{[16170]} { ما عملت من خير محضراً } أي لا نقص فيه ولا زيادة ، بأمر القاهر القادر على كل شيء { وما عملت من سوء } حاضراً ملازماً ، فما عملت من خير تود أنها لا تفارقه ولا ينقص منه شيء [ وما عملت من سوء { تود }{[16171]} أي تحب حباً شديداً { ولو أن بينها وبينه } أي ذلك العمل السوء { أمداً } أي زماناً . قال الحرالي : وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري ، فهو مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه{[16172]} { بعيداً } من البعد ، وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى . فالآية من الاحتباك : ذكر إحضار الخير دلالة على حضور السوء{[16173]} ، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير .
{[16174]}ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال : فاتقوه فإن الله يحذركموه { ويحذركم الله } أي{[16175]} الذي له العظمة التي لا يحاط بها { نفسه } فالله سبحانه وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد{[16176]} ، قال الحرالي : أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت ، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة ، بل{[16177]} الذي ينبغي أن يبرىء العبد من نفسه تبرئته من أن يكون له إرادة ، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية{[16178]} ظاهره وباطنه{[16179]} وظاهر الكون وباطنه - انتهى .
ولما كان تكرير{[16180]} التحذير قد ينفر{[16181]} بين أن تحذيره للاستعطاف ، فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين ، فهو{[16182]} من رأفته بالمحذرين{[16183]} فقال بانياً{[16184]} على ما تقديره : ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرأفته بكم : { والله } أي والحال أن{[16185]} الذي له وحده{[16186]} الجلال والإكرام
{ رؤوف بالعباد * } قال الحرالي : فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائياً ، والتحذير السابق انتهائياً ، فكان هذا رأفة سابقة ، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيراً لاحقاً متصلاً بالمصير إلى الله ، وهذا الخاتم مبتدأً بالرأفة من الله .
والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق{[16187]} الرحمة ، والذي يفصح عن المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، فمن تحقق أن الأمر لله سبحانه وتعالى وجد رفقه{[16188]} وفضله ورحمته عليه لما برئ{[16189]} من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه ، فأحبه لذلك ، قيل لأعرابي : إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله ؟ فقال : أتهددونني{[16190]} بمن لم أر الخير قط إلا منه . فلذلك{[16191]} إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحّده{[16192]} وبما{[16193]} وجده في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى .
وقد علم أن الآية من الاحتباك : التحذير أولاً دال{[16194]} على الوعد بالخير ثانياً{[16195]} ، والرأفة ثانياً دالة على الانتقام أولاً - والله سبحانه وتعالى الموفق .
قوله : ( يوم تجد كل نفس ما علمت من خير محضرا وما علمت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) ذلك تحذير من الله بالغ لكي يخافه المسلمون فيتجنبوا مناهيه ، وينأوا بأنفسهم عن إضمار المودة للكافرين على حساب المسلمين . يحذرهم الله من الخسران والسقوط في الأذلين يوم القيامة . وإذ ذاك يجد الإنسان ما قدمت يداه من خير ومن شر بعد أن يطلعه الله على كتاب أعماله بين يديه منشورا لا جرم أن الموقف إذ ذاك رهيب ومرعب ، وأن ساعة الحساب مريعة ومذهلة تتزلزل منها القلوب والأبدان ، وتضطرب لهولها الأعصاب والمشاعر . موقف عسير ومذل وبالغ الترعيب يأخذ بالقلوب أخذا لتظل واجفة مذعورة .
وفي هذه الساعة المخوفة من الإياس المطبق تتشبث النفس المشدوهة المذعورة بكل ما تظنه منجاة لها من الخسران والثبور . فإذا أيقنت أن لا منجاة حينئذ ولا مجير غشيتها الأماني الواهمة الخادعة أن لو كان بينها وبين هذا المصير الخاسر أمدا بعيدا من الزمان أو المكان . يعبر عن ذلك أكمل تعبير قوله تعالى : ( تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) .
وقوله : ( ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ) ذلك تأكيد منه للوعيد الذي خاطب به المسيئين المستنكفين عن أوامر الله ميلا يحل عليهم سخط الله وغضبه . ومع ذلك كله فإن رحمة الله الواسعة مرجوة للعباد ، ولهم من المتسع الرحيب ما يبلغ بهم رحاب النجاة والخلاص . يستفاد ذلك من العبارة القرآنية المجيدة التي تتندى منها شآبيب فياضة من الرحمة ، وتتدفق من ظواهر أحرفها الشفيفة ما يسكب في النفس الأمن والراحة والشرح .