الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا} (171)

قوله تعالى : " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم " نهى عن الغلو . والغلو التجاوز في الحد ، ومنه غلا السعر يغلو غلاء ؛ وغلا الرجل في الأمر غلوا ، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها{[5159]} ، ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم ، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا ، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر ؛ ولذلك قال مطرف بن عبدالله : الحسنة بين سيئتين ، وقال الشاعر :

وأوفِ ولا تَسْتَوْفِ حَقَّكَ كله *** وصافح فلم يستوفِ قَطُّ كَرِيمُ

ولا تغلُ في شيء من الأمر *** واقتصد كِلاَ طَرَفَيْ قَصْدِ الأمورِ ذميمُ وقال آخر :

عليك بأوساط الأمور فإنها نجاة *** ولا تركب ذلولا ولا صعبا

وفي صحيح البخاري عنه عليه السلام : ( لا تطروني{[5160]} كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبدالله ورسوله ) .

قوله تعالى : " ولا تقولوا على الله إلا الحق " أي لا تقولوا إن له شريكا أو ابنا . ثم بين تعالى حال عيسى عليه السلام وصفته فقال : " إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته "

وفيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " إنما المسيح " المسيح رفع بالابتداء ؛ و " عيسى " بدل منه وكذا " ابن مريم " . ويجوز أن يكون خبر الابتداء ويكون المعنى : إنما المسيح ابن مريم . ودل بقوله : " عيسى ابن مريم " على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها ، وحق الإله أن يكون قديما لا محدثا . ويكون " رسول الله " خبرا بعد خبر .

الثانية : لم يذكر الله عز وجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران ، فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ ، فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملأ ، ولا يبتذلون أسماءهن ، بل يكنون عن الزوجة بالعرس والأهل والعيال ونحو ذلك ، فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها ، فلما قالت النصارى في مريم ما قالت ، وفي ابنها صرح الله باسمها ، ولم يكن عنها بالأموة والعبودية التي هي صفة لها ، وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها .

الثالثة : اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب ، فإذا تكرر اسمه{[5161]} منسوبا للام استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه ، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله . والله أعلم .

قوله تعالى : " وكلمته ألقاها إلى مريم " أي هو مكون بكلمة " كن " فكان بشرا من غير أب ، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان صادرا عنه . وقيل : " كلمته " بشارة الله تعالى مريم عليها السلام ، ورسالته إليها على لسان جبريل عليه السلام{[5162]} ؛ وذلك قوله : " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه " {[5163]} [ آل عمران : 45 ] . وقيل : " الكلمة " ههنا بمعنى الآية ، قال الله تعالى : " وصدقت بكلمات ربها{[5164]} " [ التحريم : 12 ] و " ما نفدت كلمات الله{[5165]} " [ لقمان : 27 ] . وكان لعيسى أربعة أسماء : المسيح وعيسى وكلمة وروح ، وقيل غير هذا مما ليس في القرآن . ومعنى " ألقاها إلى مريم " أمر بها مريم{[5166]} .

قوله تعالى : " وروح منه " هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال ، فقالوا : عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا ، وعنه أجوبة ثمانية : الأول : قال أبي بن كعب : خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ، ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام ، فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم ، فكان منه عيسى عليه السلام ، فلهذا قال : " وروح منه " . وقيل : هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه ، وهذا كقوله : " وطهر بيتي للطائفين " {[5167]} [ الحج : 26 ] ، وقيل : قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ، وتضاف إلى الله تعالى فيقال : هذا روح من الله أي من خلقه ، كما يقال في النعمة إنها من الله . وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم . وقيل : يسمى روحا بسبب نفخة جبريل عليه السلام ، ويسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح يخرج من الروح . قال الشاعر - هو ذو الرمة :

فقلت له ارفَعْها إليك وأَحْيِها *** بروحك{[5168]} واقْتَتْهُ لها قيتَةً قَدْرَا

وقد ورد أن جبريل نفخ في درع مريم فحملت منه بإذن الله ، وعلى هذا يكون " وروح منه " معطوفا على المضمر الذي هو اسم الله في " ألقاها " التقدير : ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم . وقيل : " روح منه " {[5169]} أي من خلقه ؛ كما قال : " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه " [ الجاثية : 13 ] أي من خلقه . وقيل : " روح منه " أي رحمة منه ؛ فكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه ، ومنه قوله تعالى : " وأيدهم بروح منه " {[5170]} [ المجادلة : 22 ] أي برحمة ، وقرئ : " فروح وريحان " {[5171]} . وقيل : " وروح منه " وبرهان منه ؛ وكان عيسى برهانا وحجة على قومه صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى : " فآمنوا بالله ورسله " أي آمنوا بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسله ، وآمنوا برسله ومنهم عيسى فلا تجعلوه إلها . " ولا تقولوا " آلهتنا " ثلاثة " عن الزجاج . قال ابن عباس : يريد بالتثليث الله تعالى وصاحبته وابنه . وقال الفراء وأبو عبيد : أي لا تقولوا هم ثلاثة ، كقوله تعالى : " سيقولون ثلاثة " {[5172]} [ الكهف : 22 ] . قال{[5173]} أبو علي : التقدير ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة ؛ فحذف المبتدأ والمضاف . والنصارى مع فرقهم مجمعون على التثليث ويقولون : إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم ، فيجعلون كل أقنوم إلها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم ، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس ؛ فيعنون بالأب الوجود ، وبالروح الحياة ، وبالابن المسيح ، في كلام لهم فيه تخبط بيانه في أصول الدين .

ومحصول كلامهم يؤول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته ؛ وقالوا : قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر ، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهية ، فيقال لهم : لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته ، وليس كذلك ، فإن اعترفت النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلا به ، وإن لم يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضا ؛ لأنهم معارضون بموسى عليه السلام ، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام ، مثل قلب العصا ثعبانا ، وفلق البحر واليد البيضاء والمن والسلوى ، وغير ذلك ، وكذلك ما جرى على يد الأنبياء ، فإن أنكروا ذلك فننكر ما يدعونه هم أيضا من ظهوره على يد عيسى عليه السلام ، فلا يمكنهم إثبات شيء من ذلك لعيسى ، فإن طريق إثباته عندنا نصوص القرآن وهم ينكرون القرآن ، ويكذبون من أتى به ، فلا يمكنهم إثبات ذلك بأخبار التواتر . وقد قيل : إن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى ، يصلون إلى القبلة ، ويصومون شهر رمضان ، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له : بولس ، قتل جماعة من أصحاب عيسى فقال : إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا ، ونحن مغبونون{[5174]} إن دخلوا الجنة ودخلنا النار ، وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون النار ، وكان له فرس يقال لها : العقاب ، فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب وقال للنصارى : أنا بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن تتنصر ، فأدخلوه في الكنيسة بيتا فأقام فيه سنة لا يخرج ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل ، فخرج وقال : نوديت من السماء أن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطورا وأعلمه أن عيسى ابن مريم إله ، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال : لم يكن عيسى بإنس فتأنس ولا بجسم فتجسم ولكنه ابن الله . وعلم رجلا يقال له يعقوب ذلك ، ثم دعا رجلا يقال له الملك{[5175]} فقال له : إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا وقال له : أنت خالصتي ولقد رأيت المسيح في النوم ورضي عني ، وقال لكل واحد منهم : إني غدا أذبح نفسي وأتقرب بها ، فادع الناس إلى نحلتك ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته ، فتبع كل واحد منهم طائفة ، فاقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا ، فجميع النصارى من الفرق الثلاث ، فهذا كان سبب شركهم فيما يقال ، والله أعلم . وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى : " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " [ المائدة : 14 ] وسيأتي{[5176]} إن شاء الله تعالى .

قوله تعالى : " انتهوا خيرا لكم " " خيرا " منصوب عند سيبويه بإضمار فعل ؛ كأنه قال : ائتوا خيرا لكم ؛ لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم . قال سيبويه : ومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره " انتهوا خيرا لكم " لأنك إذا قلت : انته فأنت تخرجه من أمر وتدخله في أخر ، وأنشد :

فواعديه سَرْحتي{[5177]} مالك *** أو الرُّبَا بينهما أسهلا

ومذهب أبي عبيدة : انتهوا يكن خيرا لكم . قال محمد بن يزيد : هذا خطأ ؛ لأنه يضمر الشرط وجوابه{[5178]} ، وهذا لا يوجد في كلام العرب . ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف ؛ قال علي بن سليمان : هذا خطأ فاحش ؛ لأنه يكون المعنى : انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم .

قوله تعالى : " إنما الله إله واحد " هذا ابتداء وخبر ؛ و " واحد " نعت له . ويجوز أن يكون " إله " بدلا من اسم الله عز وجل و " واحد " خبره ؛ التقدير إنما المعبود واحد . " سبحانه أن يكون له ولد " أي تنزيها{[5179]} عن أن يكون له ولد ، فلما سقط " عن " كان " أن " في محل النصب بنزع الخافض ، أي كيف يكون له ولد ؟ وولد الرجل مشبه له ، ولا شبيه لله عز وجل . " له ما في السماوات وما في الأرض " فلا شريك له ، وعيسى ومريم{[5180]} من جملة ما في السموات وما في الأرض ، وما فيهما مخلوق ، فكيف يكون عيسى إلها وهو مخلوق ! وإن جاز ولد فليجز أولاد حتى يكون كل من ظهرت عليه معجزة ولدا له . " وكفى بالله وكيلا " أي لأوليائه ، وقد تقدم .


[5159]:اللدات (جمع لدة كعدة): الترب، وهو الذي ولد معك وتربى.
[5160]:الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه.
[5161]:في ج: ذكره.
[5162]:من ك.
[5163]:راجع ج 4 ص 88.
[5164]:راجع ج 18 ص 203.
[5165]:راجع ج 14 ص 76.
[5166]:في البحر: ألقاها إلى مريم أوجد هذا الحادث في مريم وحصله فيها.
[5167]:راجع ج 2 ص 110.
[5168]:بروحك: بنفخك. "واقتته لها قيتة" يأمره بالرفق والنفخ القليل في النار. وأن يطعمها حطبا قليلا قليلا.
[5169]:راجع ج 16 ص 160.
[5170]:راجع ج 17 ص 308، ص 232.
[5171]:راجع ج 17 ص 308، ص 232.
[5172]:راجع ج 10 ص 322.
[5173]:من ك.
[5174]:في ج و ز مفتونون.
[5175]:كذا في الأصول: والذي في كتاب "الملل والنحل" الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر ببلاد الروم واستولى عليها. في (صبح الأعشى) الملكانية هم أتباع ملكان الذي ظهر ببلاد الروم، فهو ملكا أو ملكان. وسيأتي ذكر الملكانية ص 118.
[5176]:راجع ص 116 من هذا الجزء.
[5177]:البيت لعمر بن أبي ربيعة و "سرحتا مالك" : موضع بعينه، والسرحتان شجرتان شهر الموضع بهما، والربا: جمع ربوة وهي المشرف من الأرض.
[5178]:في السمين: لأن التقدير إن تؤمنوا يكن الإيمان خيرا لكم.
[5179]:في ك تنزيه.
[5180]:من ز.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا} (171)

ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم ، وكان{[23934]} ما فعلوا معه أدل دليل على ذلك ، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره ، وغلا في شأنه اليهود بخفضه ، والنصارى برفعه ؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه{[23935]} فقال : { يا أهل الكتاب } أي{[23936]} عامة { لا تغلوا في دينكم } أي لا تفرطوا في أمره ، فتجاوزوا بسببه حدود{[23937]} الشرع وقوانين العقل { ولا تقولوا على الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له شيئاً من القول { إلا الحق } أي الذي يطابقه الواقع ، فمن قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة ، فقد أغرق في الباطل ، فإنه لو كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات ، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات ، ولا تكلم هو في المهد ، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة ، ولا قدر على إحياء الموتى ، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر{[23938]} المعجزات على يد من لا يحبه ، وذلك منافٍ للحكمة ، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه ، ومن قال : إن الله أو ابن الله ، فهو أبطل وأبطل ، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثاً ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما ، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله ، فلم يصلح للإلهية ، وذلك أبطل الباطل .

ولما ادعى اليهود أنه غير رسول ، والنصارى أنه إله ، حسن تعقيبه بقوله : { إنما المسيح } أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه{[23939]} الإمام بدهن القدس ، لما فيه من صلاحية الإمامة ، وهو أهل أيضاً{[23940]} لأن يمسح الناس ويطهرهم . لما له من الكرامة ، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر ، وكان قد{[23941]} يوصف به غيره بيّنه بقوله : { عيسى } ثم أخبر عنه بقوله : { ابن مريم } أتصل بها اتصال{[23942]} الأولاد بأمهاتهم ، لا يصح نسبته للبنوة{[23943]} إلى غيرها ، وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى { رسول الله } لا أنه لغير رشدة - كما كذب{[23944]} اليهود .

ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر ، جعل نفس{[23945]} الكلمة فقال : { وكلمته } لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل ، كوناً خارقاً للعوائد { ألقاها } أي أوصلها على [ علو {[23946]} ] أمره وعظيم قدرته إيصالا سريعا { إلى مريم } وحصلها{[23947]} فيها وزاده {[23948]} تشريفاً بقوله : { وروح } أي عظيمة نفخها فيما تكّون{[23949]} في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة ، لا بمادة من ذكر ، والروح هو{[23950]} النفخ في لسان العرب ، وهو كالريح{[23951]} إلا أنه أقوى ، بما له من الواو والحركة المجانسة لها ، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا اراد ، وأكمل شرفه بقوله : { منه } أي{[23952]} وإن كان جبرئيل هو النافخ ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل{[23953]} : روح ، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن .

ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله : { فآمنوا بالله } أي الذي لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء { ورسله } أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة ، من غير إفراط ولا تفريط ، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض ، فإن ذلك حقاً هو الكفر الكامل - كما مر .

ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم{[23954]} عن التلبس بالباطل فقال : { ولا تقولوا } أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام { ثلاثة } أي استمروا أيها{[23955]} اليهود على التكذيب بما يقول فيه النصارى ، ولا تقولوا{[23956]} : إنه متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث ، وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم{[23957]} إليه أنه إله واحد ، لأن ذلك بديهي البطلان ، فالحاصل أنه نهى كلاً عن التثليث وإن كان المرادان به مختلِفَين ، وإنما العدل فيه أنه ابن مريم ، فهما اثنان لا غير ، وهو عبدالله ورسوله وكلمته وروح منه .

ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغباً مرهباً{[23958]} في صيغة الأمر بقوله : { انتهوا } أي عن التثليث الذي نسبتموه{[23959]} إلى الله بسببه ، وعن كل كفر ، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير : إن تنتهوا يكن الانتهاء { خيراً{[23960]} لكم } .

ولما نفى أن يكون هو الله{[23961]} ، كما تضمن قولهم ، حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك ، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال : { إنما الله } أي الذي له الكمال كله ؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية ، لا من حيث الذات قال : { إله واحد } أي لا تعدد فيه بوجه .

ولما كان المقام عظيماً زاد في تقديره ، فنزهه{[23962]} عما قالوه فقال : { سبحانه } أي تنزه {[23963]}وبعد بعداً{[23964]} عظيماً وعلا علواً كبيراً{[23965]} { أن } أي عن أن { يكون{[23966]} له ولد } أي كما قلتم أيها النصارى ! فإن ذلك يقتضي{[23967]} الحاجة ، ويقتضي التركيب والمجانسة ، فلا يكون واحداً ؛ ثم علل ذلك بقوله : { له } أي لأنه إله واحد لا شريك له له{[23968]} { ما في السماوات } وأكد لأن المقام له فقال : { وما في الأرض } أي خلقاً ومِلكاَ ومُلكاً{[23969]} ، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما{[23970]} ولا إلى شيء متحيّز فيهما ، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءاً منه وولداً له ، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ذلك ، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود .

ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما{[23971]} وما فيهما ، لأن الأرض في السماء ، وكل سماء في التي فوقها ، والسابعة في الكرسي ، والكرسي في العرش ، وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ذلك ، وذلك هو وظيفة الوكيل {[23972]}بالحقيقة ليكفي{[23973]} من وكله كل{[23974]} ما يهمه ؛ كان{[23975]} كأنه قيل : وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في{[23976]} تدبير مصالحكم ، فبنى عليه قوله : { وكفى بالله } أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة { وكيلاً * } أي يحتاج إليه كل شيء ، ولا يحتاج هو{[23977]} إلى شيء ، وإلا لما كان كافياً .


[23934]:في ظ: كانوا.
[23935]:زيد من ظ.
[23936]:زيد من ظ.
[23937]:سقط من ظ.
[23938]:من ظ ومد، وفي الأصل: أعظم.
[23939]:من ظ ومد، وفي الأصل: يمحسه.
[23940]:زيد من ظ ومد.
[23941]:زيد من ظ ومد.
[23942]:في ظ: اتصالا.
[23943]:في ظ: بالنبوة.
[23944]:في ظ ومد: كذبت.
[23945]:زيد بعده في ظ: كل.
[23946]:زيد من ظ ومد.
[23947]:في ظ: حصل.
[23948]:في ظ: ازده ـ كذا.
[23949]:في ظ: يكون.
[23950]:من ظ ومد، وفي الأصل: "و".
[23951]:في ظ: كالقريح.
[23952]:سقط من ظ.
[23953]:في ظ: قتل ـ كذا.
[23954]:زيد من ظ ومد.
[23955]:سقط من ظ.
[23956]:في ظ: لا يقولوا.
[23957]:من ظ، وفي الأصل: ضمتهم.
[23958]:زيد من ظ ومد.
[23959]:في ظ: نهيتموه.
[23960]:في ظ: خير.
[23961]:زيدت الواو في ظ.
[23962]:من ظ ومد، وفي الأصل: متنزهة ـ كذا.
[23963]:من مد، وفي الأصل: بعده فدا، وفي ظ: بعده حدا ـ كذا.
[23964]:من مد، وفي الأصل: بعده فدا، وفي ظ: بعده حدا ـ كذا.
[23965]:من مد، وفي الأصل وظ: كثيرا.
[23966]:تقدم في الأصل على "أي عن" والترتيب من ظ ومد.
[23967]:من ظ ومد، وفي الأصل: تقتضي.
[23968]:زيد من مد.
[23969]:زيد من مد.
[23970]:زيد بعده في ظ: إلى.
[23971]:في ظ: دبرما.
[23972]:في ظ: الحقيقة لتكفي.
[23973]:في ظ: الحقيقة لتكفي.
[23974]:سقط من ظ.
[23975]:سقط من ظ.
[23976]:من مدن وفي الأصل وظ: من.
[23977]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا} (171)

قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) يخاطب الله في هذه الآية النصارى ناهيا إياهم عن الغلو وهو الإفراط والمغالاة أو مجاوزة الحد . وبالفعل فقد غالى النصارى مغالاة تتجاوز الحد . لقد غالوا مغالاة ظالمة ممجوجة لا يتصورها العقل السليم وتربأ عنها رسالات السماء التي لم يخالطها زيف أو تحريف ، لقد غالى هؤلاء في إفراط بغيض إذ رفعوا عيسى المسيح حتى جاوزوا به وبقدره نطاق البشرية والناسوتية إلى نطاق الإلهية والربوبية . وذلك ضرب من التجني الخطير يهذي به هؤلاء في غير هدى ولا بصيرة إلا الشطط والهذيان والضلال ؛ إن ذلك تصور فاسد يراود الأذهان الواهمة وهي تتخيل هذه القضية المظنونة لتحسبها حقيقة وما هي بحقيقة . وإنما هي الوهم المخادع المريض الذي يسوّل للمضللين الجهلة وجه الباطل والتحريف .

وقوله : ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) يوجب الله على هؤلاء في تحذير وترشيد ألا يفتروا على الله افتراء مشينا مختلفا ، وألا يتجرأوا عليه بالتقول الظالم المكذوب ، وأن يتورعوا عن إطراء المسيح بما ليس له مما هو إشراك بالله كبير . ثم قال سبحانه : ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) المسيح مرفوع على الابتداء ، وعيسى بدل منه وكذلك ابن بدل ، ورسول خبر المبتدأ . وفي هذه الآية حصر قاطع لحقيقة المسيح في النبوة الكاملة المتولدة عن أمه مريم عليها السلام بعد أن حملت به حملا حقيقيا بإذن الله ، ثم أجاءها المخاض إلى جذع النخلة حتى وضعته وليدا رضيعا ينطق كأنما هو كبير مكتهل . وتؤكد الآية بعد أداة الحصر ( إنما ) على أن المسيح عيسى لهو ابن مريم ، وأنه ليس له أب ، وأنه من عباد الله المرسلين كغيره من إخوانه النبيين الذين يشاركونه جميعا في حقائق كبرى ثلاث وهي : العبودية لله والنبوة والرسالة . وأي تجاوز لهذا المفهوم يشكل انزلاقة خطيرة تلج بالمنزلقين في وهدة الضلالة والإشراك بالله ، وتجعلهم يجاهرون في اجترار أحمق بنسبة الولد إلى الله أو حاجته سبحانه لصاحبة وقد تعالى عن ذلك علوا كبيرا .

وقوله : ( وكلمته ألقاها إلى مريم ) المقصود بالكلمة هنا قوله : ( كن ) فإنه بعد أن قالها تحقق الحمل والولادة بغير أبوة أو نكاح . وقيل يقصد بها الآية . فإن المسيح عليه السلام من حيث ولادته بغير أب ولا نكاح كان آية دالة على عظمة الله سبحانه وعلى قدرته في الخلق بغير قيود وقيل غير ذلك .

وقوله : ( وروح منه ) معطوف على كلمته مرفوع . وقد ورد في المراد بالروح هنا أقوال كثيرة نقتصر منها على قولين أحسبهما الراجحين والله تعالى أعلم . فقد قيل : إن سبب تسميته بالروح أن نفخة من روح الله عن طريق جبريل عليه السلام . والقول الثاني أن كلمة روح في الآية تعني رحمة . فالمسيح قد كان رحمة من الله للناس أي أن الله قد امتن على عباده فبعث إليهم رحمة منه تجسدت في هذا النبي الكريم عيسى عليه السلام .

قوله : ( فآمنوا بالله ورسله ) يدعو الله للإيمان به وحده لا شريك له فهو خالق الكون والحياة وخالق الناس والنبيين جميعا وخالق المسيح بن مريم نفسه .

وقوله : ( ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ) ثلاثة خبر لمبتدأ محذوف تقديره آلهتنا{[860]} . ذلك نهي شديد عن مقارفة خطيرة تشبث بها النصارى منذ أن كانوا ولا يزالون فقد أشركوا بالله أشد إشراك ، وزعموا أنه اتخذ ولدا . ولهم في ذلك حذلقات عقيمة تقوم على التكلف واصطناع العبارات الباهتة الغامضة . العبارات المسوقة في خلط وإبهام والتي غالبا ما تثير في الأذهان الحيرة والتساؤل أو تبعث في النفس الشك والارتياب والتردد . عبارات مضطربة غوامض ليس لها في ميزان الواقعية والمنطق أيما حساب .

ومن الحذلقات قولهم بالأقانيم الثلاثة . ومفردها أقنوم وهو يعبر عن إله والأقانيم الثلاثة ترمز إلى الأب والابن وروح القدس ، وكل شطر من هذه الشطور إنما- يعني- في تصور النصارى- إلها ينبثق عن جوهر الإله الأكبر . وقد تفرقوا في تفسير هذه الاصطلاحات فرقا شتى وافترقوا كذلك في التفصيلات افتراقا يدل على تبلد في التفكير بما ينتفي معه الإخلاص للحقيقة الإلهية من أول لحظة .

ومن جملة ما قالوه في الثلاثة : الآلهة ثلاثة . الله سبحانه ، والمسيح ، ومريم وقالوا : إن الله تعالى جوهر ، وأحد ثلاثة أقانيم : أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس . وهم يريدون بالأول الذات أو الوجود ، وبالثاني العلم أي الكلمة . وبالثالث الحياة . وقالوا : إن الله واحد بالجوهرية ، وثلاثة بالأقنومية . والأقانيم صفات للجوهر القديم وهي الوجود والعلم والحياة . وعبروا عن الوجود بالأب ، والحياة بروح القدس ، والعلم بالكلمة . ثم اختلفوا أكثر من ذلك فذهبت الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم ، وأن كل واحد منها إله ، وصرحوا بإثبات التثليث . وقالوا : إن الله ثالث ثلاثة وسبحانه وتعالى عما يشركون . وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر ، وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي ، وهو قديم أزلي ، وأن مريم ولدت إلها أزليا . واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم ، وأن القتل الصلب وقع على الناسوت واللاهوت معا ، وأطلقوا لفظ الأب على الله . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وأطلقوا كذلك لفظ الابن على عيسى عليه السلام .

وذهب نسطور الحكيم إلى أن الله تعالى واحد والأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته ، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج ، بل بمعنى الإشراق . أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور .

ومن النسطورية من قال : إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق موجود . وصرحوا بالتثليث كالملكانية . ومنهم من منع ذلك . ومنهم من زعم أن الابن لم يزل متولدا من الأب ، وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد . والحدوث راجع إلى الناسوت . فالمسيح إله تام وإنسان تام وهما قديم وحادث . وقالوا إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوات . وذهب بعض اليعقوبية إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما فصار الإله هو المسيح ، إلى غير ذلك من الأقوال الغامضة المتناقضة . الأقوال التي يضرب بعضها بعضا ويكذب بعضها الآخر تكذيبا . أقوال في غاية الضعف والتهافت والركاكة فلا تثير غير مزيد من الحيرة والشك والإبهام{[861]} .

أقوال لا تستند إلى أدنى نصيب من البرهان ولا يسعفها شيء من المنطق والتفكير السليم ، وما هي إلا ترهات تقال في تخريص متخبط ، وفي هوى جامح مجانب للصواب .

وما أروع العقيدة الإسلامية في هذا الصدد ، فإنها تقوم على السهولة والبساطة واليسر وتنبذ التعقيد والتكلف ؛ لأنها عقيدة الحق والفطرة وعقيدة الإنسان المتكامل السوي الذي يمشي على صراط واضح ومستقيم لا عوج فيه . وهذه حقيقة ناصعة مكشوفة نعيها تماما ونحن نقرأ قوله سبحانه في سورة قصيرة من أعظم سور القرآن ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) وهذه عبارات قاطعة حاسمة لا تحتمل شيئا من التكلف المضطرب أو الإغراق في متاهات التصور الشاطح والمغالاة في هذيان مريض .

فالله جل وعلا أحد لا شريك له ، فليس له ولد ، ولم يتخذ صاحبة وليس له نديد مكافئ في خلقه . هذا هو جوهر العقيدة في الإسلام . فهو واضح كل الوضوح وميسور كل التيسير ، بحيث يلائم الفطرة البشرية تماما ولا يستعصي إدراكه على العقل ، ويجتمع على وعيه واستيعابه الناس جميعا . وليس غير ذلك إلا البعد عن الحقيقة والصواب أو السقوط في الكفر وهو طريق إلى النار ؛ يتقاحم فيها المشركون الذين غلوا في إطراء المسيح والثناء عليه حتى جعلوه إلها أو ثالث ثلاثة . وفي ذلك يقول سبحانه : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) وقال عز من قائل في آية أخرى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) فلم يبق بعد هذا البيان القرآني الحاسم أي مجال لانتزاع الحجج الدالة على عدم كفران أهل الكتاب من يهود أو نصارى . إنه لا مجال للتقوّل بأنهم ليسوا كافرين ؛ بل إنهم كافرون لما بينّاه من أدلة في القرآن .

وقوله : ( انتهوا خيرا لكم ) خيرا منصوب على الخبرية لكان المحذوفة ، وتقدير العبارة : انتهوا يكن خيرا لكم . وهو نص ينهى عن الإشراك بالله ويحذر من مغبة الوقوع في هذا الظلم العظيم فإن عاقبته وخيمة . وإذا انتهى المحذرون وأقلعوا عن شركهم بالله فإنهم سيمضون إلى خير وأن عاقبتهم ستكون حسنة مرضية .

ثم يعقب ذلك تأكيد قاطع بأن الله جلت قدرته واحد معبود وليس دونه من إله . فإنه سبحانه متفرد بالألوهية ولا يشاركه في هذه الخصيصة الكبرى أحد . وهو كذلك لا حاجة له في نسل أو ذرية ، وما ذلك إلا شأن الضعفاء الذين يجدون أنفسهم محتاجين إلى الأعوان والأنصار كالأولاد والأحفاد والزوجات . لكنه سبحانه غني عن ذلك كله فهو مالك كل شيء بما في ذلك عيسى ومريم والناس والخلائق جميعا وكذلك السماوات والأرض ومن فيهن وما بينهن . وهو يقول في ذلك : ( إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) أي الله وكيل على كل شيء ، ويتصرف في خلقه وملكوته بمثل ما يشاء . وكيلا منصوب على التمييز . والوكيل بمعنى الحافظ .


[860]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 279.
[861]:- روح المعاني جـ 6 ص 26 والكشاف جـ 1 ص 584 وتفسير الرازي جـ 11 ص 118.