الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (40)

فيه إحدى عشرة مسألة :

الأولى - قوله تعالى : " إلا تنصروه فقد نصره الله " يقول : تعينوه بالنفر معه في غزوة تبول . عاتبهم الله بعد انصراف نبيه عليه السلام من تبوك . قال النقاش : هذه أول آية نزلت من سورة [ براءة ] والمعنى : إن تركتم نصره فالله يتكفل به ، إذ قد نصره الله في مواطن القلة وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة . وقيل : فقد نصره الله بصاحبه في الغار بتأنيسه له وحمله على عنقه ، وبوفاته ووقايته له بنفسه ومواساته له بماله . قال الليث بن سعد : ما صحب الأنبياء عليهم السلام مثل أبي بكر الصديق . وقال سفيان بن عيينة . خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله : " إلا تنصروه " .

الثانية - قوله تعالى : " إذ أخرجه الذين كفروا " وهو خرج بنفسه فارا ، لكن بإلجائهم إلى ذلك حتى فعله ، فنسب الفعل إليهم ورتب الحكم فيه عليهم ، فلهذا يقتل المكره على القتل ويضمن المال المتلف بالإكراه ، لإلجائه القاتل والمتلف إلى القتل والإتلاف .

الثالثة - قوله تعالى : " ثاني اثنين " أي أحد اثنين . وهذا كثالث ثلاثة ورابع أربعة . فإذا اختلف اللفظ فقلت رابع ثلاثة وخامس أربعة ، فالمعنى صير الثلاثة أربعة بنفسه والأربعة خمسة . وهو منصوب على الحال ، أي أخرجوه منفردا من جميع الناس إلا من أبي بكر . والعامل فيها " نصره الله " أي نصره منفردا ونصره أحد اثنين . وقال علي بن سليمان : التقدير فخرج ثاني اثنين ، مثل " والله أنبتكم من الأرض{[7993]} نباتا " [ نوح : 17 ] . وقرأ جمهور الناس " ثاني " بنصب الياء . قال أبو حاتم : لا يعرف غير هذا . وقرأت فرقة " ثاني " بسكون الياء . قال ابن جني : حكاها أبو عمرو بن العلاء ، ووجهه أنه سكن الياء تشبيها لها بالألف . قال ابن عطية : فهي كقراءة الحسن " ما بقي من الربا " وكقول جرير :

هو الخليفة فارضوا ما رضِي لكم*** ماضي العزيمة ما في حكمه جنف{[7994]}

الرابعة - قوله تعالى : " إذ هما في الغار " الغار : ثقب في الجبل ، يعني غار ثور . ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا : هذا شر شاغل لا يطاق ، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ، ودعا الله أن يعمي عليهم أثره ، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشيهم النوم ، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض فلما أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله عنه وأخبرهم أن ليس في الدار أحد فعملوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق للهجرة ، فدفعا راحلتيهما إلى عبدالله بن أرقط . ويقال ابن أريقط ، وكان كافرا لكنهما وثقا به ، وكان دليلا بالطرق فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خوخة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جمح ونهضا نحو الغار في جبل ثور ، وأمر أبو بكر ابنه عبدالله أن يستمع ما يقول الناس ، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه ويريحها{[7995]} عليهما ليلا فيأخذ منها حاجتهما . ثم نهضا فدخلا الغار . وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار ، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم فيعفي آثارهما . فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر ، حتى وقف على الغار فقال : هنا انقطع الأثر . فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه فرجعوا وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة لمن رده عليهم الخبر مشهور ، وقصة سراقة بن مالك بن جعشم في ذلك مذكورة . وقد روي من حديث أبي الدرداء وثوبان رضي الله عنهما{[7996]} : أن الله عز وجل أمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت ، وجعلت ترقد على بيضها ، فلما نظر الكفار إليها ردهم ذلك عن الغار .

الخامسة - روى البخاري عن عائشة قالت : استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا{[7997]} وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث فارتحلا وارتحل{[7998]} معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق الساحل{[7999]} . قال المهلب : فيه من الفقه ائتمان أهل الشرك{[8000]} على السر والمال إذا علم منهم وفاء ومروءة كما ائتمن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المشرك على سره في الخروج من مكة وعلى الناقتين . وقال ابن المنذر : فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق . وقال البخاري في ترجمته : [ باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام ] قال ابن بطال : إنما قال البخاري في ترجمته [ أو إذا لم يوجد أهل الإسلام ] من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عامل أهل خيبر على العمل في أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض ، حتى قوي الإسلام واستغني عنهم أجلاهم عمر . وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها . وفيه : استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما . وفيه : دليل على جواز الفرار بالدين خوفا من العدو ، والاستخفاء في الغيران وغيرها ألا يلقي الإنسان بيده إلى العدو توكلا على الله واستسلاما له . ولو شاء ربكم لعصمه مع كونه معهم ولكنها سنة الله في الأنبياء وغيرهم ، ولن تجد لسنة الله تبديلا . وهذا أدل دليل على فساد من منع ذلك وقال : من خاف مع الله سواه كان ذلك نقصا في توكله ، ولم يؤمن بالقدر . وهذا كله في معنى الآية ، ولله الحمد والهداية

السادسة - قوله تعالى : " إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " هذه الآية تضمنت فضائل الصديق رضي الله عنه . روى أصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم عن مالك " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " هو الصديق . فحقق الله تعالى قوله له بكلامه ووصف الصحبة في كتابه . قال بعض العلماء : من أنكر أن يكون عمر وعثمان أو أحد من الصحابة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب مبتدع . ومن أنكر أن يكون أبو بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر ؛ لأنه رد نص القرآن . ومعنى " إن الله معنا " أي بالنصر والرعاية والحفظ والكلاءة . روى الترمذي والحارث بن أبي أسامة قالا : حدثنا عفان قال حدثنا همام قال أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه ، فقال : ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) . قال المحاسبي : يعني معهما بالنصر والدفاع ، لا على معنى ما عم به الخلائق ، فقال : " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم{[8001]} " [ المجادلة : 7 ] . فمعناه العموم أنه يسمع ويرى من الكفار والمؤمنين .

السابعة - قال ابن العربي : قالت الإمامية قبحها الله : حزن أبي بكر في الغار دليل على جهله ونقصه وضعف قلبه وخرقه{[8002]} . وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن إضافة الحزن إليه ليس بنقص ، كما لم ينقص إبراهيم حين قال عنه : " نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف{[8003]} " [ هود : 70 ] . ولم ينقص موسى قوله : " فأوجس في نفسه خيفة موسى . قلنا لا تخف{[8004]} " [ طه 67 ، 68 ] . وفى لوط : " ولا تحزن إنا منجوك وأهلك{[8005]} " [ العنكبوت : 33 ] . فهؤلاء العظماء صلوات الله عليهم قد وجدت عندهم التقية نصا ولم يكن ذلك طعنا عليهم ووصفا لهم بالنقص ، وكذلك في أبي بكر . ثم هي عند الصديق احتمال ، فإنه قال : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا . جواب ثان - إن حزن الصديق إنما كان خوفا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يصل إليه ضرر ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت معصوما وإنما نزل عليه " والله يعصمك من الناس{[8006]} " [ المائدة : 67 ] بالمدينة{[8007]} .

الثامنة - قال ابن العربي : قال لنا أبو الفضائل العدل{[8008]} قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم قال موسى صلى الله عليه وسلم : " كلا إن معي ربي سيهدين{[8009]} " [ الشعراء : 62 ] وقال في محمد صلى الله عليه وسلم : " لا تحزن إن الله معنا " لا جرم لما كان الله مع موسى وحده ارتد أصحابه بعده ، فرجع من عند ربه ووجدهم يعبدون العجل . ولما قال في محمد صلى الله عليه وسلم " لا تحزن إن الله معنا " بقي أبو بكر مهتديا موحدا عالما جازما قائما بالأمر ولم يتطرق إليه اختلال .

التاسعة - خرج الترمذي من حديث نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد - له صحبة - قال : أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . ، الحديث . وفيه : واجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا : انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر . فقالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير . فقال عمر رضي الله عنه : من له مثل هذه الثلاث " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " من هما ؟ قال : ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة . قلت : ولهذا قال بعض العلماء : في قوله تعالى : " ثاني اثنين إذ هما في الغار " ما يدل على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه{[8010]} ، لأن الخليفة لا يكون أبدا إلا ثانيا . وسمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر يقول : إنما استحق الصديق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر ، كقيام النبي صلى الله عليه وسلم به أولا . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ارتدت العرب كلها ، ولم يبق الإسلام إلا بالمدينة ومكة وجواثا{[8011]} ، فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين .

قلت : وقد جاء في السنة أحاديث صحيحة ، يدل ظاهرها على أنه الخليفة بعده ، وقد انعقد الإجماع على ذلك ولم يبق منهم مخالف . والقادح في خلافته مقطوع بخطئه وتفسيقه . وهل يكفر أم لا ؟ يختلف فيه ، والأظهر تكفيره . وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في سورة [ الفتح{[8012]} ] إن شاء الله . والذي يقطع به من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة ويجب أن تؤمن به القلوب والأفئدة فضل الصديق على جميع الصحابة . ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع ولا أهل البدع ، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته ، وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته . ثم بعد الصديق عمر الفاروق ، ثم بعده عثمان . روى البخاري عن ابن عمر قال : كنا نخير بين الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان . واختلف أئمة أهل السلف{[8013]} في عثمان وعلي ، فالجمهور منهم على تقديم عثمان . وروي عن مالك أنه توقف في ذلك . وروي عنه أيضا{[8014]} أنه رجع إلى ما عليه الجمهور . وهو الأصح إن شاء الله .

العاشرة - قوله تعالى : " فأنزل الله سكينته عليه " فيه قولان : أحدهما : على النبي صلى الله عليه وسلم . والثاني : على أبي بكر . ابن العربي : قال علماؤنا وهو الأقوى ، لأنه خاف على النبي صلى الله عليه وسلم من القوم فأنزل الله سكينته عليه بتأمين النبي صلى الله عليه وسلم ، فسكن جأشه وذهب روعه وحصل الأمن وأنبت الله سبحانه ثمامة{[8015]} ، وألهم الوكر هناك حمامة وأرسل{[8016]} العنكبوت فنسجت بيتا عليه . فما أضعف هذه الجنود في ظاهر الحس وما أقواها في باطن المعنى ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر حين تغامر{[8017]} مع الصديق : ( هل أنتم تاركو لي صاحبي إن الناس كلهم قالوا كذبت وقال أبو بكر صدقت ) رواه أبو الدرداء .

الحادية عشرة - قوله تعالى : " وأيده بجنود لم تروها " أي من الملائكة . والكناية في قوله " وأيده " ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . والضميران يختلفان ، وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب . " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى " أي كلمة الشرك . " وكلمة الله هي العليا " قيل : لا إله إلا الله . وقيل : وعد النصر . وقرأ الأعمش ويعقوب " وكلمة الله " بالنصب حملا على " جعل " والباقون بالرفع على الاستئناف . وزعم الفراء أن قراءة النصب بعيدة ، قال : لأنك تقول أعتق فلان غلام أبيه ، ولا تقول غلام أبي فلان . وقال أبو حاتم نحوا من هذا . قال : كان يجب أن يقال وكلمته هي العليا . قال النحاس : الذي ذكره الفراء لا يشبه الآية ، ولكن يشبهها ما أنشد سيبويه :

لا أرى الموت يسبق الموت شيء*** نَغَّصَ الموتُ ذا الغنى والفقيرا

فهذا حسن جيد لا إشكال فيه ، بل يقول النحويون الحذاق : في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة وهي أن فيه معنى التعظيم ، قال الله تعالى : " إذا زلزلت الأرض زلزالها . وأخرجت الأرض أثقاله{[8018]}ا " [ الزلزلة :1 ، 2 ] فهذا لا إشكال فيه . وجمع الكلمة كلم . وتميم تقول : هي كلمة بكسر الكاف . وحكى الفراء فيها ثلاث لغات : كَلِمة وكِلْمة وكَلْمة مثل كَبِد وكِبْد وكَبْد ، ووَرَق ووِرْق ووَرْق . والكلمة أيضا القصيدة بطولها ، قاله الجوهري .


[7993]:راجع ج 18 ص 305.
[7994]:راجع ج 3 ص 369.
[7995]:يريحها: يردها.
[7996]:من هـ.
[7997]:الخريت: الدليل الحاذق والماهر بطرق المفاوز.
[7998]:في ج و ك و هـ و ز: وانطلق.
[7999]:الساحل: موضع بعينه؛ ولم يرد به ساحل البحر.
[8000]:في ج: الكفر.
[8001]:راجع ج 18 ص 289.
[8002]:الخرق (بالضم): الحمق وضعف الرأي.
[8003]:راجع ج 9 ص 62.
[8004]:راجع ج 11 ص 221 فما بعد.
[8005]:راجع ج 13 ص 341 فما بعد.
[8006]:راجع ج 6 ص 242.
[8007]:من ب و ج و ز و ك و ى.
[8008]:من ب و ك و ى: واضطربت الأصول في هذا الاسم والذي في أحكام القرآن لابن العربي المطبوع: "أبو الفضائل بن المعدل" وفي المخطوطة منه "وأبو الفضائل المعدل".
[8009]:راجع ج 13 ص 100 فما بعد.
[8010]:من ج و هـ.
[8011]:موضع البحرين.
[8012]:راجع ج 16 ص 297.
[8013]:في ج: أهل السنة وفي ز: التفسير.
[8014]:من هـ.
[8015]:الثمام: نبت معروف في البادية.
[8016]:في هـ : وألهم.
[8017]:المغامرة: المخاصمة راجع الحديث بطوله في صحيح البخاري في باب مناقب أبي بكر رضي الله عنه.
[8018]:راجع ج 20 ص 147.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (40)

ولما وصف سبحانه نفسه الأقدس بما هو له أهل من شمول القدرة وعظيم البأس والقوة ، أتبع ذلك بدليل يتضمن أن المستنفر لهم - وهو نبيه صلى الله عليه وسلم - غير محتاج إليهم{[36306]} ومتوقف نصره عليهم كما لم يحتج إليهم - بحياطة{[36307]} القادر له - فيما مضى من الهجرة التي ذكرها ، وأن نفع ذلك إنما هو لهم باستجلاب ما وعدوه واستدفاع{[36308]} ما أوعدوه في الدارين المشار إلى ذلك كله{[36309]} بقوله { فما متاع {[36310]}الحياة الدنيا{[36311]} } الآية وقوله { إلا تنفروا } - الآية ، فقال : { إلا تنصروه } أي أنتم طاعة لأمر الله ، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم إما على طريق الاستخدام من{[36312]} سبيل الله لأنه الموضح له الداعي إليه ، أو لتقدم اسمه الشريف إضماراً في قوله { إذا قيل لكم } أي من رسول الله صلى عليه وسلم استنصاراً منه لكم ، وإظهاراً في قوله تعالى

هو الذي أرسل رسوله }[ التوبة : 34 ] الآية وقوة ما في كل جملة من المناسبة المقتضية لأن تعانق{[36313]} التي بعدها ولا تنفك{[36314]} عنها قصر الفصل بين الظاهر وضميره ، وذكر{[36315]} الغار والصاحب أوضح الأمر . وذلك أنه سبحانه لما عابهم باتخاذ الرؤساء أرباباً اشتدت الحاجة إلى بيان أنهم في البعد عن ذلك على غاية لا تخفى على متأمل ، فوصفهم بالأكل المستلزم للجسمية المستلزمة للحاجة ، و{[36316]} بأن مأكولهم أموال غيرهم باطلاً ، وبأنهم يغشونهم لصدهم إياهم عن السبيل التي لا يخفى حسنها على من له أدنى نظر ؛ ولما كان ذلك شديد الإثارة لتشوف النفوس إلى السؤال عن العرب : هل فعلوا فعلهم واتبعوا سنتهم ؟ أجاب بأن عملهم في تحليل النسأة لهم بعض الأشهر الحرم وتحريم بعض أشهر الحل والزيادة في عدة أشهر السنة كعملهم سواء .

ولما أمر بقتال المشركين كافة وحثهم على التقوى ، وكان بعضهم قد توانى في ذلك ، اشتد اقتضاء الحال لمعاتبة على التثاقل عن النفر ، فلما تم ذلك في هذا الأسلوب البديع والطراز الرفيع حث على نصر الرسول الذي أرسله ليظهره على الدين كله فقال جواباً للشرط : { فقد } أي إن لم يتجدد {[36317]}منكم له{[36318]} نصر فإن الله قادر على نصره وسينصره ويغنيه عنكم ولا تضرون إلا أنفسكم فقد { نصره الله } أي الملك الأعظم وحده والأمر في غاية الشدة ، ولا شك عند عاقل أن المستقبل عنده كالماضي{[36319]} { إذ } أي حين { أخرجه الذين } وعبر بالماضي لأن فيهم من أسلم بعد ذلك فقال : { كفروا } أي من مكة وهم في غاية التمالؤ عليه حين شاوروا{[36320]} في قتله أو إخراجه أو إثباته ، فكان ذلك سبباً لإذن الله له في الخروج من بينهم حال كونه { ثاني اثنين } أي أحدهما أبو بكر رضي الله عنه ولا ثالث لهما ينصرهما إلا الله { إذ هما في الغار } أي غار ثور الذي في أعلى{[36321]} الجبل المواجه للركن اليماني بأسفل مكة على مسيرة ساعة منها لمّا كمنا به ثلاث ليال ليفتر عنهما الطلب ، وذلك قبل أن يصلا إليكم أو يعولا في النصر عليكم { إذ يقول } أي رسول الله صلى الله عليه وسلم { لصاحبه }{[36322]} أي{[36323]} أبي بكر الصديق رضي الله عنه وثوقاً بربه غير منزعج من شيء { لا تحزن } والحزن : هم غليظ بتوجع يرق له القلب ، حزنه وأحزنه بمعنى ؛ وقال في القاموس : أو أحزنه : جعله حزيناً ، وحزّنه : جعل فيه حزناً ؛ ثم علل نهيه لصاحبه بقوله معبراً بالاسم الأعظم مستحضراً لجميع ما جمعه من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي تخضع دونها صلاب الرقاب وتندك{[36324]} بعظمتها شوامخ الجبال الصلاب { إن الله } أي الذي له الأمر كله{[36325]} { معنا } أي بالعون والنصرة{[36326]} ، وهو كاف لكل مهم ، قوي على دفع كل ملم ، فالذي تولى نصره بالحراسة في ذلك الزمان{[36327]} كان قادراً على أن يأمر الجنود التي أيده بها أن تهلك الكفار في كل موطن من غير أن يكون لكم في ذلك أمر أو يحصل لكم به أجر ، وكما أنه كان موجوداً في ذلك الزمان{[36328]} بأسمائه الحسنى وصفاته العلى هو على ذلك في هذا الزمان وكل زمان ، فتبين كالشمس أن النفع في ذلك إنما هو خاص بكم ، وأنه سبحانه ما رتب هذا كله على هذا المنوال إلا لفوزكم ، وفي هذه الآية من التنويه{[36329]} بمقدار الصديق وتقدمه وسابقته في الإسلام وعلو منصبه وفخامة أمره ما لا يعلمه إلا الذي أعطاه إياه ؛ قال أبو حيان{[36330]} وغيره : قال العلماء : من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه فقد كفر لإنكاره كلام الله ، وليس ذلك لسائر الصحابة .

ولما كان رضي الله عنه نافذ البصيرة في المعارف{[36331]} الإلهية ، راسخ القدم في ذلك المقام{[36332]} لذلك لم يتلعثم{[36333]} من أول الأمر في عناد جميع العباد بخلع الأنداد ، ثم تدرب فيه مترقياً ثلاث{[36334]} عشرة سنة ، وكان الذي به من القلق إنما هو الخوف من{[36335]} أن يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم أذى فيدركه من الحزن لذلك ما يهلكه قبل سروره بظهور الدين وقمع المعتدين ، ولم يكن جبنباً ولا سوء ظن ، لما كان ذلك كذلك كان رضي الله عنه حقيقاً لحصول السكينة له عند سماع اسم الشريف الأعظم الدال على ذلك المقام المذكور{[36336]} بتلك العظمة التي يتلاشى عندها كل عظيم ، ويتصاغر في جنبها كل كبير ، {[36337]}ولذلك{[36338]} ذكر هذا الاسم الأعظم وقدم ، وأشرك الصديق في المعية وبدأ بالنهي عن الحزن لأنه المقصود بالذات ومابعده علة{[36339]} له . وأما بنو إسرائيل فلم يكن عندهم من المعرفة إلا ما شاهدوا من إحسانه تعالى إلى موسى عليه السلام بإظهار تلك الآيات على يده حتى استنقذهم{[36340]} بها مما كانوا فيه ، ومنع موسى عليه السلام مع وحدته من سطوات فرعون على عظمته وما كان يواجهه به من المكروه ، فلما رأوا جموعه مقبلة كان حالهم مقتضياً للسؤال عن ذلك المحسن بإظهار تلك الآيات : هل هو مع موسى عليه السلام على ما كان عليه فيمنعهم أم لا ؟ فلذلك قدم إنكار الإدراك ثم إثبات المعية على سيبل الخصوص به ، وعبر عن الإله باسم الرب الدال على ذلك الإحسان المذكور{[36341]} به فقال{ كلا إن معي ربي }{[36342]}[ الشعراء : 62 ] فكأن قيل : ماذا يفعل والبحر أمامنا والعدو وراءنا ؟ فقال " سيهدين "

أي{[36343]} إلى ما أفعل{[36344]} ، يعرف ذلك{[36345]} من كان متضلعاً{[36346]} بالسير وقصص بني إسرائيل على ما ذكرتها في الأعراف{[36347]} عن التوراة ، مستحضراً لأن الصديق رضي الله عنه كان في صعودهما إلى الغار يذكر الرصد فيتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليفتديه{[36348]} بنفسه ثم يذكر الطلب فيتأخر ثم يذكر ما عن اليمين والشمال فينتقل إليهما ، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قتلت أنا فأنا رجل واحد ، وإن قتلت أنت هلكت الأمة ، وأنه كان عارفاً بأن الله تعالى تكفل بإظهار الدين على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمن لحراسة نفسه الشريفة قبل ذلك ، ولذلك كان به في هذا اليوم من القلق ما ذكر ، وكان عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الناس ، ولذلك أتى بالفاء المعقبة في قوله : { فأنزل الله } أي الملك الأعظم { سكينته } أي السكون المبالغ فيه المؤثر للنسك { عليه } أي الصديق - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما - لأن السكينة لم تفارق النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم عطف على نصره الله قوله : { وأيده } أي النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف الضمائر هنا لا يضر لأنه غير مشتبه { بجنود لم تروها } أي من الملائكة الكرام { وجعل كلمة } أي دعوة { الذين كفروا } أي أوقعوا الكفر من آمن منهم بعد ذلك وغيره { السفلى } فخيّب سعيهم ورد كيدهم ، ثم ابتدأ الإخبار بما له سبحانه على الدوام من غير انقطاع أصلاً في وقت من{[36349]} الأوقات فقال : { وكلمة الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ، ونصبها يعقوب عطفاً على ما سبق { هي العليا } أي وحدها ، لايكون إلا ما يشاءه دائماً أبداً ، فالله قادر على ذلك { {[36350]}والله{[36351]} } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً { عزيز } أي مطلقاً يغلب كل شيء من ذلك وغيره { حكيم* } لا يمكن أن ينقض شيء من مراده لما ينصب من الأسباب التي لا مطمع لأحد في مقاومتها فلا محيص عن نفوذها .


[36306]:في ظ: إليه.
[36307]:من ظ، وفي الأصل: بحياط.
[36308]:في ظ: اندفاع.
[36309]:زيد من ظ.
[36310]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36311]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36312]:من ظ، وفي الأصل: عن.
[36313]:من ظ، وفي الأصل: يعانق.
[36314]:من ظ، وفي الأصل: لا ينفك.
[36315]:من ظ، وفي الأصل: ذلك.
[36316]:سقطت الواو من ظ.
[36317]:في ظ: له منكم.
[36318]:في ظ: له منكم.
[36319]:زيد من ظ.
[36320]:في ظ: تشاوروا.
[36321]:زيد من ظ.
[36322]:تأخر ما بين الرقمين في الأصل عن "رضى الله عنه" والترتيب من ظ.
[36323]:زيد من ظ.
[36324]:في ظ: تنزل.
[36325]:زيد من ظ.
[36326]:في ظ: النصر.
[36327]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36328]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36329]:في ظ: التسوية.
[36330]:راجع البحر المحيط 5/43.
[36331]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[36332]:زيدت الواو بعده في الأصل وظ فحذفناها لاستقامة العبارة.
[36333]:في ظ: لم يتعثلم.
[36334]:من ظ، وفي الأصل: ثلاثة.
[36335]:سقط من ظ.
[36336]:في ظ: المذكور.
[36337]:في ظ: فلذلك.
[36338]:في ظ: فلذلك.
[36339]:في ظ: علقة.
[36340]:من ظ، وفي الأصل: استقرهم.
[36341]:في ظ: المذكور.
[36342]:سورة 26 آية 62.
[36343]:زيد من ظ.
[36344]:في ظ: فعل.
[36345]:زيد من ظ.
[36346]:من ظ، وفي الأصل: متصفا.
[36347]:من ظ، وفي الأصل: الأعراض.
[36348]:في ظ: ليفيده.
[36349]:زيد من ظ.
[36350]:تقدم ما بين الرقمين في ظ على "دائما أبدا".
[36351]:تقدم ما بين الرقمين في ظ على "دائما أبدا".
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (40)

قوله تعالى : { إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } { إذ أخرجه } ، في محل نصب ظرف زمان . و { ثاني اثنين } . أي أحد اثنين ، منصوب على الحال ، { إذ هما في الغار } ، بدل من : { إذ أخرجه } . { إذ يقول } ، بدل ثان{[1785]} .

والمعنى : إن لم تنصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركتم بذل العون له والتأييد ؛ فإن الله جل وعلا يتكفل بذلك ؛ فقد نصره الله في مواطن الشدة والخطر ، وهو سبحانه ينصره في كل المواطن إن شاء مثلما نصره وثبته في أشد الأحوال من الخوف البالغ والخطر المحدق { إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين } يعني أحد اثنين . وكان صاحبه في الهجرة المباركة المشهودة صديقه المخلص الودود أبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) فقد خرجا كلاهما بدينهما إلى المدينة ، ثم لجئا في الطريق إلى غار ثور ثلاثة أيام ، حتى إذا جاء المشركون في اغترار بالغ وسفاهة عاتية حمقاء ، أحاطوا بالغار ليجدوا من فيه ، أو يفضوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوقعوا به ما ائتمروا به وهو القتل . والرسول صلى الله عليه وسلم مع ذلك مطمئن ثابت ؛ بل هو أقوى في شموخه وثباته من الرواسي الشم ، فما تزعزع فيه مثقال ذرة من مشاعره وأعصابه ، ولا اضطراب من بدنه أو كيانه مثقال قطمير ، ولا ازدادت في صدره خفقات قلبه الكبير ولو بقدر خفقة واحدة أو نصيفها ، وحسبه هذا الحدث الهائل وحده شاهدا على صدق نبوته وحقيقة رسالته للعالمين كافة .

قوله : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } أي بالنصر والتأييد والكلاءة وإنما كان حزن أبي بكر ؛ إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخشية أن يناله من أذى المشركين شيء ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك معصوما بالصون والحفظ المحتومين ؛ فقد نزل عليه في المدينة قول الله تعالى : { والله يعصمك من الناس } .

وروي الإمام أحمد عن أنس أن أبا بكر حدثه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار : لو أن أحدهما نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه . فقال ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ) .

والله جل وعلا خالق كل شيء وبارئ المؤمنين والمجرمين قادر أن يرد كيد المجرمين في نحورهم ، وأن ينشر الأمن والسكينة في قلب نبيه المعظم صلى الله عليه وسلم ، فيشد من عزيمته البالغة التي لا تأتي عليها الأهوال والمحن ، ولا يفلها مكر الشياطين من البشر الجاحد المتربص . وهذا مقتضى قوله سبحانه : { فأنزل الله السكينة } أي أنزل تأييده ونصره وتثبيته على الرسول صلى الله عليه وسلم { وأيده بجنوده لم تروها } أي أيده بنزول الملائكة الأطهار مؤيدين له ومعززين .

قوله : { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا } كلمة الله مرفوعة على الابتداء . و { هي العليا } ، خبر المبتدأ{[1786]} .

أما { كلمة الذين كفروا } فهي جامعة لمعاني الشرك والظلم والباطل والضلال ؛ فقد جعلت هذه { السفلى } وذلك بالتبديد والمحق والقهر ؛ فكل مقهور ومغلوب لهم أسفل من الغالب ، والغالب لهو الأعلى .

أما { كلمة الله } فهي الحق بكل ما تشتمل عليه هذه الكلمة من معاني الخير والبركة والعدل والفضل . لا جرم أن يأتي في قمة ذلك كله شهادة أن لا إله إلا الله ؛ فهي الشهادة العظمى التي تأتي في الذروة السامقة من مراتب الحق والخير في هذا الوجود كله . وقد جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ( رضي الله عنه ) قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهي في سبيل الله ) .

إن كلمة الله بالشهادة العظمى ومنهج الله الحكيم القويم وما حواه ذلك من معاني راسخة في الخير والجلال والفضيلة ؛ لهم الحق الأبلج الثابت الذي يصلح عليه الناس وتستقيم على أساسه الدنيا . لكن كلمة الكافرين تضم الشر والشقاء والباطل ، وذلك كله في الأسفلين والأذلين حيث يصير إليه الكافرون بما استفرخ في أذهانهم وصدورهم من عقائد الضلال والكفر .

على أنه يستفاد من حدث الهجرة جواز الفرار بالدين خوفا من العدو ، وكذلك الاستخفاء منهم مخافة كيدهم وإيذائهم ، ومخافة أن يذهب الدين نفسه بذهاب دعاته وحملته . وما ينبغي الاحتجاج بما يقوله بعض الجاهلين ، وهو أن من خاف مع الله سواه كان ذلك نقصا في توكله وتقواه ولم يؤمن بالقدر ، ومثل هذا القول مجانب للصواب ، ومخالف لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ فقد دلت سنته العملية على فراره بدينه في حدث الهجرة ليكون ذلك مثالا يحتذى لدى المسلمين طيلة الزمان كلما حزب أحدهما أو بعضهم من الكافرين والخائنين كيد أو مكر فيفر بدينه . لا جرم أن ذلك أسلم للنفس أن يستحوذ عليها الكافرين بالفتنة أو القتل ، فضلا عما في ذلك من مراعاة حقيقة لفطرة الإنسان التي تهتف بالخوف من الموت . وهذه حقيقة أساسية من حقائق كثيرة جبل عليها الإنسان . وخلاف ذلك من القول المغاير ليس إلا التكليف أو الجهل بطبيعة الإنسان وحقيقة فطرته التي جيىء به عليها { لا تبديل لخلق الله } .

أما رسولنا الهادي صلى الله عليه وسلم فما كان يخشى الكافرين على نفسه بقدر خشيته على الدين أن يفنى بهلاكه ، ويكون في هجرته مناص للمكروبين من دعاة الحق والدين أن يفروا بأنفسهم إذا أحاطت بهم أسباب المنون بفعل الظالمين والخائنين .

قوله : والله عزيز حكيم } إنه لا يعز على الله أن يزلزل الطغاة والمستبدين والظالمين ، وأن يقهرهم ويذيقهم الإذلال ومرارة التعس والشقاء ، وهو أيضا قادر على نصر عباده المؤمنين المخبتين الصابرين ، وهو يقضى في ذلك كله حسب مشيئته وتقديره وتقديره . وهو سبحانه حكيم في تدبيره وتصريفه لأمور العباد{[1787]} .


[1785]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 400.
[1786]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 400.
[1787]:تفسير الطبري جـ 10 ص 95، 96 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 358 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 143- 149 وتفسير النفيس جـ 2 ص 126.