الأولى - روى سفيان عن حصين بن عبدالرحمن عن أبي مالك الغفاري قال : أول ما نزل من سورة براءة " انفروا خفافا وثقالا " . وقال أبو الضحاك كذلك أيضا . قال : ثم نزل أولها وآخرها .
الثانية - قوله تعالى : " انفروا خفافا وثقالا " نصب على الحال ، وفيه عشرة أقوال :
الأول : يذكر عن ابن عباس " انفروا ثبات{[8019]} " [ النساء : 71 : : سرايا متفرقين .
الثاني : روي عن ابن عباس أيضا وقتادة : نشاطا وغير نشاط .
الثالث : الخفيف : الغني ، والثقيل : الفقير ، قاله مجاهد .
الرابع : الخفيف : الشاب ، والثقيل : الشيخ ، قاله الحسن .
الخامس : مشاغيل وغير مشاغيل ، قاله زيد بن علي والحكم بن عتبة . السادس : الثقيل : الذي له عيال ، والخفيف : الذي لا عيال له ، قاله زيد بن أسلم .
السابع : الثقيل : الذي له ضيعة يكره أن يدعها ، والخفيف : الذي لا ضيعة له ، قاله ابن زيد . الثامن : الخفاف : الرجال ، والثقال : الفرسان ، قاله الأوزاعي .
التاسع : الخفاف : الذين يسبقون إلى الحرب كالطليعة وهو مقدم الجيش والثقال : الجيش بأثره .
العاشر : الخفيف : الشجاع ، والثقيل : الجبان ، حكاه النقاش . والصحيح في معنى الآية أن الناس أمروا جملة أي انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت . وروي أن ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : أعلي أن أنفر ؟ فقال : ( نعم ) حتى أنزل الله تعالى " ليس على الأعمى حرج{[8020]} " [ النور : 61 ] . وهذه الأقوال إنما هي على معنى المثال في الثقل والخفة .
الثالثة - واختلف في هذه الآية ، فقيل إنها منسوخة بقوله تعالى : " ليس على الضعفاء ولا على المرضى{[8021]} " [ التوبة : 91 ] . وقيل : الناسخ لها قوله : " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة{[8022]} " [ التوبة : 122 ] . والصحيح أنها ليست بمنسوخة . روى ابن عباس عن أبي طلحة في قوله تعالى : " انفروا خفافا وثقالا " قال شبانا وكهولا ، ما سمع الله عذر أحد . فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات رضي الله عنه . وروى حماد عن ثابت وعلي بن زيد عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة [ براءة ] فأتى على هذه الآية " انفروا خفافا وثقالا " فقال : أي بني جهزوني جهزوني فقال بنوه : يرحمك الله لقد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك . قال . لا ، جهزوني . فغزا في البحر فمات في البحر ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها ، ولم يتغير رضي الله عنه . وأسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص على تابوت صراف ، وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو . فقيل له : لقد عذرك الله . فقال : أتت علينا سورة البعوث " انقروا خفافا وثقالا " . وقال الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه . فقيل له : إنك عليل . فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع . وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشأم رجلا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فقال له : يا عم إن الله قد عذرك فقال : يا ابن أخي ، قد أمرنا بالنفر خفافا وثقالا . ولقد قال ابن أم مكتوم رضي الله عنه - واسمه عمرو - يوم أحد : أنا رجل أعمى ، فسلموا لي اللواء ، فإنه إذا انهزم حامل اللواء انهزم الجيش ، وأنا ما أدري من يقصدني بسيفه فما أبرح فأخذ اللواء يومئذ مصعب بن عمير على ما تقدم في " آل عمران " بيانه{[8023]} . فلهذا وما كان مثله مما روي عن الصحابة والتابعين ، قلنا : إن النسخ لا يصح . وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل ، وهي :
الرابعة - وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار ، أو بحلوله بالعقر ، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا ، شبابا وشيوخا ، كل على قدر طاقته ، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له ، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج ، من مقاتل أو مكثر . فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة ، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم . وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم ، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم ، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين . ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه ، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو . ولا خلاف في هذا .
وقسم ثان من واجب الجهاد - فرض أيضا على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم{[8024]} ، ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد . ومن الجهاد أيضا ما هو نافلة وهو إخراج الإمام طائفة بعد طائفة وبعث السرايا في أوقات الغرة وعند إمكان الفرصة والإرصاد لهم بالرباط في موضع الخوف وإظهار القوة .
فإن قيل : كيف يصنع الواحد إذا قصر الجميع ، وهي :
الخامسة - قيل له : يعمد إلى أسير واحد فيفديه ، فإنه إذا فدى الواحد فقد أدى في الواحد أكثر مما كان يلزمه في الجماعة ، فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسارى ما أدى كل واحد منهم إلا أقل من درهم . ويغزو بنفسه إن قدر وإلا جهز غازيا . قال صلى الله عليه وسلم : ( من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا ) أخرجه الصحيح . وذلك لأن مكانه لا يغني وماله لا يكفي .
السادسة - روي أن بعض الملوك عاهد كفارا على ألا يحبسوا أسيرا ، فدخل رجل من المسلمين جهة بلادهم فمر على بيت مغلق ، فنادته امرأة إني أسيرة فأبلغ صاحبك خبري فلما اجتمع به واستطعمه عنده وتجاذبا ذيل الحديث انتهى الخبر إلى هذه المعذبة فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدميه وخرج غازيا من فوره ومشى إلى الثغر حتى أخرج الأسيرة واستولى على الموضع رضي الله عنه . ذكره ابن العربي وقال : ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله - سنة سبع وعشرين وخمسمائة فجاس ديارنا وأسر خيرتنا وتوسط بلادنا في عدد هال الناس عدده وكان كثيرا وإن لم يبلغ ما حددوه . فقلت للوالي والمولى عليه : هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة فلتكن عندكم بركة ، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له فغلبت الذنوب ورجفت القلوب بالمعاصي وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى وجاره{[8025]} وإن رأى المكيدة بجاره . فإنا لله وإنا إليه راجعون . وحسبنا الله ونعم الوكيل ) .
السابعة - قوله تعالى : " وجاهدوا " أمر بالجهاد ، وهو مشتق من الجهد " بأموالكم وأنفسكم " روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) . وهذا وصف لأكمل ما يكون من الجهاد وأنفعه عند الله تعالى . فحض على كمال الأوصاف ، وقدم الأموال في الذكر إذ هي أول مصرف وقت التجهيز . فرتب الأمر كما هو نفسه .
ولما بلغت هذه المواعظ من القلوب الواعية مبلغاً هيأها به للقبول ، أقبل عليها سبحانه بالأمر فقال : { انفروا خفافاً وثقالاً } والمراد بالخفة كل ما يكون سبباً لسهولة الجهاد والنشاط إليه ، وبالثقل كل ما يحمل على الإبطاء عنه ؛ وقال أبو حيان : والخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة ومن{[36352]} يمكنه بصعوبة ، وأما من{[36353]} لا يمكنه كالأعمى ونحوه فخارج عن هذا - انتهى . قال البغوي : قال الزهري : خرج سعيد بن المسيب رحمه الله للغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل صاحب ضرر فقال : استنفر{[36354]} الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكن {[36355]} الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع ؛ وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند صحيح عن أنس أن أبا طلحة رضي الله عنهما قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال : لا أرى ربي يستنفرني{[36356]} شاباً وشيخاً ! جهزوني ، فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فما تغير{[36357]} ، { وجاهدوا } أي أوقعوا جهدكم ليقع جهد الكفار .
ولما كانت هذه الآية في{[36358]} سياق المعاتبة {[36359]}لمن تثاقل{[36360]} إلى الأرض عن الجهاد عند الاستنفار في غزوة تبوك ، وكان سبب التثاقل ما كان في ذلك الوقت من العسرة في المال والشدة بالحر وما كان من طيب الظلال في أراضي الجنان وقت الأخذ في استواء الثمار - كما هو مشهور في السير ؛ اقتضى المقام هنا تقديم المال والنفس بخلاف ما مضى فإن الكلام كان في المفاضلة بين الجهاد في سبيل الله وخدمة البيت ومن يحجه في هذه السورة التي صادف وقت نزولها بعد مواطن الجهاد وطول المفارقة للأموال ، والأولاد وقدم المال لأن النظر إليه من وجهين : قلته ، ومحبة الإقامة في الحدائق إيثاراً للتمتع بها وخوفاً من ضياعها مع أن بها قوام الأنفس ، فصار النظر إليها هو الحامل على الشح بالأنفس فقال تعالى : { بأموالكم وأنفسكم } أي بهما معاً على{[36361]} ما أمكنكم أو بأحدهما { في سبيل الله } أي الملك الأعلى أي{[36362]} حتى لا يبقى منه مانع { ذلكم } أي الأمر العظيم { خير } أي في نفسه حاصل { لكم } أي خاص بكم ، ويجوز أن يكون أفعل تفضيل بمعنى أن عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كائناً ما كان ، كما قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله : هل يمكن بلوغ درجة المجاهد ؟ فقال : هل تستطيع {[36363]}أن تقوم{[36364]} فلا تفتر وتصوم فلا تفطر{[36365]} ؟ وختم الآية بقوله : { إن كنتم تعلمون* } إشارة إلى أن هذا الأمر وإن كان عاماً فإنما ينتفع{[36366]} به ذوو الأذهان الصافية والمعالم الوافية ، فإن العلم - ولا يعد علماً إلا النافع - يحث على العمل وعلى إحسانه بإخلاص النية وتصحيح المقاصد وتقوية العزم وغير ذلك وضده يورث ضده .
قوله تعالى : { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } { خفافا وثقالا } ، منصوب على الحال{[1788]} . ذلك تحريض بالغ على رفض العدوان والظلم أن يصيب المسلمين فيؤذيهم أو يذلهم . إنه تحريض قائم مجلجل يهتف بالمسلمين في كل مكان وزمان لكي يرفضوا الضيم لأنفسهم فيدرأوه درءا ويدفعوه بكل الأسباب من غير تردد في ذلك ولا نكوص .
إن على المسلمين –بناء على هذه الآية ونظائرها من الآيات في هذا الصدد- أن يلتئموا جميعا ليكونوا يدا واحدة على من سواهم من المعتدين المتربصين الذين يتحرشون بالمسلمين ليطغوا عليهم أو يبيدوهم إبادة . وليس أدل على التحريض البالغ لصد المعتدين من هذا القول الرباني الهاتف المؤثر { انفروا خفافا وثقالا } فقد أمر الله المسلمين بالنفر في أحوال والثقل ليجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم . وتأويل الخفة والثقال هنا موضع خلاف ؛ فقد قيل : المراد بالخفة هنا الشباب . أما الثقل فيراد به الشيخوخة ؛ أي انفروا شيبا وشبانا ، أو شيوخا وشبانا ، أو كهولا وشبانا . وقيل : أغنياء وفقراء . وقيل : نشاطا وغير نشاط . وقيل : ركبانا ومشاة . وقيل : مشاغيل وغير مشاغيل .
قوله : { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } يعني هذا الذي أمرتكم به من النفر في سبيل الله خفافا وثقالا للقاء العدو مجاهدين بأموالكم وأنفسكم لهم أنفع لكم من الركون للاسترخاء والدعة والنكول عن الجهاد { عن كنتم تعلمون } إن كنتم تعون وتدركون أهمية الجهاد في سبيل الله وفداحة الخطر الداهم الذي سيحيق بكم إذا نكلتم وتقاعستم عن الجهاد{[1789]} .