الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ} (8)

قوله تعالى : " كيف وإن يظهروا عليكم " أعاد التعجب من أن يكون لهم عهد مع خبث أعمالهم ، أي كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة . يقال : ظهرت على فلان أي غلبته ، وظهرت البيت علوته ، ومنه " فما استطاعوا أن يظهروه{[7858]} " [ الكهف : 97 ] أي يعلوا عليه .

قوله تعالى : " لا يرقبوا فيكم " " يرقبوا " يحافظوا . والرقيب الحافظ . وقد تقدم{[7859]} . " إلا " عهدا ، عن مجاهد وابن زيد . وعن مجاهد أيضا : هو اسم من أسماء الله عز وجل . ابن عباس والضحاك : قرابة . الحسن : جوارا . قتادة : حلفا ، و " ذمة " عهدا . أبو عبيدة : يمينا . وعنه أيضا : إلا العهد ، والذمة التذمم . الأزهري : اسم الله بالعبرانية ، وأصله من الأليل وهو البريق ، يقال أل لونه يؤل ألا ، أي صفا ولمع . وقيل : أصله من الحدة ، ومنه الألة للحربة ، ومنه أذن مؤللة أي محددة . ومنه قول طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدة والانتصاب .

مُؤَلَّلَتَان تعرفُ العتق فيهما *** كسامِعَتَيْ شاةٍ بحَوْمَل مُفْرَدِ{[7860]}

فإذا قيل للعهد والجوار والقرابة " إل " فمعناه أن الأذن تصرف إلى تلك الجهة ، أي تحدد لها . والعهد يسمى " إلا " لصفائه وظهوره . ويجمع في القلة آلال . وفي الكثرة إلال . وقال الجوهري وغيره : الإل بالكسر هو الله عز وجل ، والإل أيضا العهد والقرابة . قال حسان :

لعمرك إن إلَّكَ من قريش*** كإل السَّقْبِ من رَأَل النَّعام{[7861]}

قوله تعالى : " ولا ذمة " أي عهدا . وهي كل حرمة يلزمك إذا ضيعتها ذنب . قال ابن عباس والضحاك وابن زيد : الذمة العهد . ومن جعل الإل العهد فالتكرير لاختلاف اللفظين . وقال أبو عبيدة معمر : الذمة التذمم . وقال أبو عبيد : الذمة الأمان في قوله عليه السلام : ( ويسعى بذمتهم أدناهم ) . وجمع ذمة ذمم . وبئر ذمة - بفتح الذال - قليلة الماء ، وجمعها ذمام . قال ذو الرمة :

على حِمْيَريات كأن عيونها*** ذِمَامُ الركايا أنكَزَتْها المواتِحُ{[7862]}

أنكزتها أذهبت ماءها . وأهل الذمة أهل العقد .

قوله تعالى : " يرضونكم بأفواههم " أي يقولون بألسنتهم ما يرضي{[7863]} ظاهره . " وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون " أي ناقضون العهد . وكل كافر فاسق ، ولكنه أراد ههنا المجاهرين بالقبائح ونقض العهد .


[7858]:راجع ج 11 ص 62.
[7859]:راجع ج 5 ص 8.
[7860]:السامعتان: الأذنان. والمراد بالشاة هنا: الثور الوحشي. وحومل: اسم رملة شبه أذنيها بأذنى ثور وحشي لتحديدهما وصدق سمعهما، وأذن الوحشي أصدق من عينيه وجعله "مفردا" لأنه أشد لسمعه وارتياعه. (عن شرح الديوان).
[7861]:السقب: ولد الناقة. والرأل: ولد النعام.
[7862]:الحمريات: إبل منسوبة إلى حمير، وهي قبيلة من السمن. الذمام: القليلة الماء. الركايا: جمع ركية، وهي البئر. أنكزتها – بزاي – يقال: نكزت الركبة قل ماؤها. والمواتح: جدمع ماتح، وهو الذي يسقى من البئر. وصف إبلاغات عيونها من الكلال.
[7863]:في الأصول: "ما لا يرضى" وهو تحريف
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ} (8)

ولما أنكر سبحانه أن يكون للمشركين غير المستثنين عهد ، بين السبب الموجب للإنكار مكرراً أداة الإنكار تأكيداً للمعنى فقال : { كيف } أي{[35652]} يكون لهم عهد ثابت { وإن } أي والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة فهم إن { يظهروا عليكم } أي إن يعل{[35653]} أمر لهم على أمركم{[35654]} بأن يظفروا بكم بعد العهد والميثاق { لا يرقبوا } أي لا ينظروا ويرعوا { فيكم } أي في أذاكم بكل جليل وحقير { إلاًّ } أي قرابة محققة { ولا ذمة } أي عهداً ، يعني أن الأمر المبيح للنبذ خوف الخيانة ، وعلام الغيوب يخبركم أنهم في غاية الخيانة لكم ، والإل{[35655]} هذا : القرابة - وهو قول ابن عباس ، والمادة تدور على الألة وهي حربة{[35656]} في نصلها عرض ، ويلزمها الصفاء والرقة والبريق ، ويشبه به الإسراع في العدو ، والثبات في نفسها ، ومنه القرابة والعهد والتغير في وصفها ، ومنه تغير رائحة الإناء وفساد الأسنان والصوت ، ومنه الأنين والجؤار في الدعاء مع البكاء و{[35657]}خرير الماء{[35658]} والطعن والقهر-{[35659]} ، ومنه : إن هذا - أي كلام{[35660]} مسيلمة - ما يخرج من إل ، أي من ربوبية ، وفي إل الله ، أي قدرته وإلهيته .

ولما كان ذلك مظنة لأن يقال : قد أكدوا لنا الأيمان وأوثقوا العهود ، ولم يدعوا باباً من أبواب الاستعطاف ، قال معللاً لما مضى مجيباً لمن استبعده : { يرضونكم } وعبر بأقصى ما يمكن الكلام به من القلوب تحقيقاً لأنهم ليس في قلوبهم شيء منه فقال : { بأفواههم } أي بذلك التأكيد ، وصرح بالمقصود بقوله : { وتأبى قلوبهم } أي العمل بما أبدته ألسنتهم ، وقليل منهم من يحمله الخوف ونحوه على الثبات أو{[35661]} يرجع عن هذا الفسق ويؤمن { وأكثرهم فاسقون* } أي راسخو الأقدام في الفسق خارجون - لمخالفة الفعل للقول - عما تريدونه ، وإذا نقض الأكثر{[35662]} اضطر الأقل إلى موافقتهم .


[35652]:زيد بعده في ظ: بأن.
[35653]:في الأصل وظ: يعلو.
[35654]:في ظ: أمرهم.
[35655]:من ظ، وفي الأصل: الإهلال ـ كذا.
[35656]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: حرمة.
[35657]:من القاموس، وفي ظ: حزير الهاء ـ كذا.
[35658]:من القاموس، وفي ظ: حزير الهاء ـ كذا.
[35659]:زيد من ظ.
[35660]:في ظ: الكلام.
[35661]:في ظ: أي.
[35662]:من ظ، وفي الأصل: لا كثر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ} (8)

قوله تعالى : { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبي قلوبهم وأكثرهم فاسقون 8 اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ما كانوا يعلمون } أعاد التعجيب والاستفهام الإنكاري في قوله ك { كيف } بما يدل على استبعاد ثبات المشركين على العهد ؛ أي كيف يعطي هؤلاء الناكثون المتربصون عهدا ، وحالهم من الخبث والغدر أنهم إن ظهروا عليكم بالغلبة أو الاستعلاء فسوف لا يرعون فيكم ولا يحفظون لكم { إلا } والإل معناه القرابة . وقيل : الحلف{[1731]} . { ولا ذمة } وهي العهد . وهم مع ذلك كله إنما يصانعوكم مصانعة ويداهنونكم مداهنة تتدلى منها حلاوة الكلام المراوغ الملفق لخداعهم ، ولكي ترضوا عنهم { وتأبي قلوبهم } أي ما في قلوبهم مخالف تماما لا يظهرونه من معسول الكلام وملق الحديث المخادع . فقلوبهم إنما تنثني على الحقد والاضطغان وتفيض بالكراهية بالبالغة للإسلام والمسلمين .

قوله : { وأكثرهم فاسقون } أكثر المشركين راضون عن الكيد لكم والنكث بعدوهم معكم والانقضاض عليكم لاستئصالكم . فديدن المشركين النكث ونقض العهود والتحلل من كل التزام ميلا منهم للغدر والباطل ورغبة في الطمع والإيذاء .


[1731]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 24.