فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ} (8)

{ كيف } يكون لهم عهد وهو زيادة ترق في استبعاد بقاء عهد لهم ، ولهذا أعاد الاستفهام التعجبي للتأكيد والتقرير { و } الحال أنهم { إن يظهروا عليكم } بالغلبة لكم ويظفروا بكم { لا يرقبوا } أي لا يراعوا أو لا يحفظوا أو لا ينتظروا فيكم { إلا ولا ذمة } قال في الصحاح : الإل العهد والقرابة ، قال الزجاج : الإل عندي على ما يوجبه اللغة يدور على معنى الحدة ، ومنه الإلة للحربة ومنه أذن مؤللة أي محددة ، وقال الفراء : المراد به القرابة ، وقيل إن الإل الجؤار هو رفع الصوت عند التحالف ، وذلك أنهم كانوا إذا تحالفوا جأروا بذلك جؤارا ، ويجمع الإل في القلة على آل وفي الكثرة على إلال كقدح وقداح ، والأل بالفتح قيل شدة القنوط ، قال الهروي في الحديث " عجب ربكم من ألكم وقنوطكم " .

وفي القاوس الإلّ بالكسر العهد والحلف وموضع ، والجوار والقرابة والمعدن والحقد والعداوة والربوبية واسم الله تعالى ، وكل اسم آخره ال أو إيل فمضاف إلى الله تعالى ، والوحي والأمان والجزع عند المصيبة ومنه ما روي عجب ربكم من إلّكم ، فيمن رواه بالكسر ورواية الفتح أكثر اه .

وقال ابن زيد والسدي وأبو عبيدة : الإلّ العهد وقيل الذمة والنديم ، وقال الأزهري : هو اسم لله بالعبرانية وأصله من الاليل وهو البريق يقال أل لونه يؤل ألاً أي صفا ولمع ، والذمة العهد وجمعها ذمم فمن فسر الأول بالعهد كان التكرير للتأكيد مع اختلاف اللفظين ، وقيل الذمة الضمان يقال هو في ذمتي أي في ضماني وبه سمي أهل الذمة لدخولهم في ضمان المسلمين ، ويقال به ذمة وذمام ومذمة وهي الذم قاله ابن عرفة .

وقال الراغب : الذمام ما يذم الرجل على إضاعته من عهد ، وكذلك الذمة والمذمة بالفتح والكسر وقيل لي مذمة فلا تهتكها ، وقال غيره : سميت ذمة لأن كل حرمة يلزمك من تضييعها الذم يقال لها ذمة ، وقال أبو عبيدة والأزهري : الذمة الأمان كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( ويسعى بذمتهم أدناهم ) وروي عنه أيضا أن الذمة ما يتذمم به أي ما يجتنب فيه الذم ، وقال قتادة : الإل الحلف ، وقال أبو مجلز : هو الله تعالى ، وعن مجاهد وعكرمة مثله ، وقال ابن عباس : الإل القرابة . والذمة العهد .

{ يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم } أي يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ومحاسنة لكم طلبا لمرضاتكم وتطييب قلوبكم ، وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم كما يفعله أهل النفاق وذوو الوجهين ، والكلام مستأنف لبيان حالهم عند عدم الظفر فهو مقابل في المعنى لقوله : { وإن يظهروا عليكم } الخ يقال أبى يأبى أي اشتد امتناعه فكل إباء امتناع من غير عكس ، ولم يصب من فسره بمطلق الامتناع ، ومجيء المضارع منه على يفعل بفتح العين شاذ ، ومنه قلى يقلي في لغة قاله السمين ، ثم حكم عليهم بالفسق فقال : { وأكثرهم فاسقون } وهو التمرد والتجري والخروج عن الحق لنقضهم العهود وعدم مراعاتهم لها .