الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (18)

قوله تعالى : " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم " يريد الأصنام . " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " وهذه غاية الجهالة منهم ؛ حيث ينتظرون الشفاعة في المال ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال . وقيل : " شفعاؤنا " أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا . " قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض " قراءة العامة " تنبئون " بالتشديد . وقرأ أبو السمال العدوي " أتنبئون الله " مخففا ، من أنبأ ينبئ . وقراءة العامة من نبأ ينبئ تنبئة ، وهما بمعنى واحد ، جمعهما قوله تعالى : " من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير{[8447]} " [ التحريم : 3 ] أي أتخبرون الله أن له شريكا في ملكه أو شفيعا بغير إذنه ، والله لا يعلم لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض ؛ لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه . نظيره قوله : " أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض{[8448]} " [ الرعد : 33 ] ثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال : " سبحانه وتعالى عما يشركون " أي هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل : المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر{[8449]} ولا يميز " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فيكذبون ؛ وهل يتهيأ لكم أن تنبؤه بما لا يعلم ، سبحانه وتعالى عما يشركون ! . وقرأ حمزة والكسائي " تشركون " بالتاء ، وهو اختيار أبي عبيد . الباقون بالياء .


[8447]:راجع ج 18 ص 186 فما بعد.
[8448]:راجع ج 9 ص 322 فما بعد.
[8449]:في ب و ع و هـ: ما لا يشفع ولا ينصر.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (18)

ويجوز أن يكون { ويعبدون } حالاً من { الذين لا يرجون لقاءنا } أي قالوا{[37742]} ذلك عابدين { من دون الله } أي الملك الأعلى الذي له جميع{[37743]} صفات الكمال الذي ثبت عندهم أن هذا القرآن كلامه لعجزهم عن معارضة شيء منه وهو ينهاهم عن عبادة غيره وهم يعلمون قدرته على الضر والنفع .

ولما كان السياق للتهديد والتخويف ، قدم الضر لذلك وتنبيهاً لهم على أنهم مغمورون في نعمه التي لا قدرة لغيره على منع شيء منها ، فعليهم أن يقيدوها بالشكر فقال : { ما لا يضرهم } أي أصلاً من الأصنام وغيرها { ولا ينفعهم } في معارضة القرآن بتبديل أو غيره ولا في شيء من الأشياء ، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة معاقباً على المعصية وإلا كانت عبادته عبثاً ، معرضين عما جاءهم من الآيات البينات من عند{[37744]} من{[37745]} يعلمون أنه يضرهم وينفعهم ولا يملك شيئاً من ذلك أحد سواه ، وقد أقام الأدلة على ذلك غير مرة ، وفي هذا غاية التبكيت لهم{[37746]} بمنابذة العقل مع ادعائهم رسوخ الأقدام فيه وتمكن المجال منه ؛ والعبادة : خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع ؛ ثم عجب منهم تعجيباً آخر فقال : { ويقولون } أي لم يكفهم قول ذلك مرة من الدهر حتى يجددوا قوله مستمرين عليه : { هؤلاء } أي الأصنام أو غيرهم { شفعاؤنا } أي ثابتة شفاعتهم لنا { عند الله } أي الملك الأعظم{[37747]} الذي لا يمكن الدنو {[37748]}من شيء{[37749]} من حضرته إلا بإذنه ، وقد مضى إبطال ما تضمنته هذه المقالة في قوله تعالى { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } وفيه تخجيلهم في العجز عن تبديل القرآن أو الإتيان بشيء من مثله حيث لم تنفعهم في{[37750]} ذلك فصاحتهم ولا أغنت عنهم شيئاً بلاغتهم ، وأعوزهم في شأنه فصحاءهم ، وضل عنهم شفعاءهم ، فدل ذلك قطعاً على أنه ما من شفيع إلا{[37751]} بإذنه {[37752]}من بعد{[37753]} ، فكأنه قال : بماذا أجيبهم{[37754]} ؟ فقال : { قل } منكراً عليهم هذا العلم { أتنبئون } أي تخبرون إخباراً عظيماً { الله } وهو العالم بكل شيء المحيط بكل كمال { بما لا يعلم } أي لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات { في السماوات } ولما كان الحال مقتضياً لغاية الإيضاح ، كرر النافي تصريحاً فقال : { ولا في الأرض } وفي ذلك من الاستخفاف بعقولهم مما{[37755]} لا يقدرون على الطعن فيه بوجه ما يخجل الجماد ، فإن ما {[37756]}لا يكون معلوماً لله{[37757]} لا يكون له وجود أصلاً ، فلا نفي أبلغ من هذا كما أنك إذا بالغت في نفي شيء عن نفسك تقول : هذا شيء ما علمه الله مني .

ولما بين تعالى هنا ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء{[37758]} ، ختم ذلك بتنزيه{[37759]} نفسه بقوله : { سبحانه } أي تنزه عن كل شائبة نقص تنزهاً لا يحاط به { وتعالى } أي وفعل بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال فعل المبالغ في التنزه{[37760]} { عما يشركون* } أي يوجدون الإشراك به .


[37742]:في ظ: قال.
[37743]:سقط من ظ.
[37744]:من ظ، وفي الأصل: عنده.
[37745]:زيد من ظ.
[37746]:من ظ، وفي الأصل: عليهم.
[37747]:سقط من ظ.
[37748]:في ظ: لشيء.
[37749]:في ظ: لشيء.
[37750]:في ظ: من.
[37751]:زيد بعده في ظ: من.
[37752]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37753]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37754]:في ظ: أجبتم.
[37755]:في ظ: ما.
[37756]:تكرر بعده في الأصل: لا يكون معلوما لله، ولم يكن التكرار في ظ فحذفناها.
[37757]:تكرر بعده في الأصل: لا يكون معلوما لله، ولم يكن التكرار في ظ فحذفناها.
[37758]:زيدت الواو بعده في الأصل ولم تكن في ظ فحذفناها.
[37759]:في ظ: بتبرية.
[37760]:من ظ، وفي الأصل: النفرة.