الأولى : قوله تعالى : " بالمن والأذى " قد تقدم معناه . وعبر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال ، والمراد الصدقة التي يمن بها ويؤذي ، لا غيرها . والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات ولا تحبطها ، فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها . قال جمهور العلماء في هذه الآية : إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن أو يؤذي بها فإنها لا تقبل . وقيل : بل قد جعل الله للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها ، وهذا حسن . والعرب تقول لما يمن به : يد سوداء . ولما يعطى عن غير مسألة : يد بيضاء . ولما يعطى عن مسألة : يد خضراء . وقال بعض البلغاء : من من بمعروفه سقط شكره ، ومن أعجب بعمله حبط أجره . وقال بعض الشعراء :
وصاحب سلفتْ منه إلي يدٌ *** أبطا عليه مُكافاتي فعاداني
لما تيقن أن الدهر حاربني *** أبدى الندامة فيما كان أولاني
أفسدتَ بالمن ما أسديت من حسن *** ليس الكريم إذا أسدى بمنان
أحسن من كل حَسَن *** في كل وقت وزمن
صنيعةٌ مربوبةٌ *** خاليةٌ من المِنَن
وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل : فعلت إليك وفعلت ! فقال له : اسكت فلا خير في المعروف ، إذا أحصي . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر - ثم تلا - " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " ) .
الثانية : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : كره مالك لهذه الآية أن يعطي الرجل صدقته الواجبة أقاربه ؛ لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء ، ويظهر منته عليهم ويكافئوه عليها فلا تخلص لوجه الله تعالى . واستحب أن يعطيها الأجانب ، واستحب أيضا أن يولَّى غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا ؛ لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى . وهذا بخلاف صدقة التطوع السر ؛ لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد وصار في حكم من لم يفعل ، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه لكونه في حكم من لم يفعل .
الثالثة : قوله تعالى : " كالذي ينفق ماله رئاء الناس " الكاف في موضع نصب ؛ أي : إبطال " كالذي " فهي نعت للمصدر المحذوف . ويجوز أن تكون موضع الحال . مثل الله تعالى الذي يمن ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى ، وبالكافر الذي ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء . ثم مثل هذا المنفق أيضا بصفوان عليه تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة ، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا ، فكذلك هذا المرائي . فالمن والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة فتبطل الصدقة كما يكشف الوابل عن الصفوان ، وهو الحجر الكبير الأملس . وقيل : المراد بالآية إبطال الفضل دون الثواب ، فالقاصد بنفقته الرياء غير مثاب كالكافر ؛ لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى فيستحق الثواب . وخالف صاحب المن والأذى القاصد وجه الله المستحق ثوابه - وإن كرر عطاءه - وأبطل فضله . وقد قيل : إنما يبطل المن ثواب صدقته من وقت منه وإيذائه ، وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف ، فإذا من وآذى انقطع التضعيف ، لأن الصدقة تربى لصاحبها حتى تكون أعظم من الجبل ، فإذا خرجت من يد صاحبها خالصة على الوجه المشروع ضوعفت ، فإذا جاء المن بها والأذى وقف بها هناك وانقطع زيادة التضعيف عنها ، والقول الأول أظهر{[2500]} والله أعلم . والصفوان جمع واحده صفوانة ، قاله الأخفش . قال : وقال بعضهم : صفوان واحد ، مثل حجر . وقال الكسائي : صفوان واحد وجمعه صِفْوان وصُفِي وصِفِي ، وأنكره المبرد وقال : إنما صفي جمع صفا كقفا وقفي ، ومن هذا المعنى الصفواء والصفا ، وقد تقدم{[2501]} . وقرأ سعيد بن المسيب والزهري " صفوان " بتحريك الفاء ، وهي لغة . وحكى قطرب : صِفوان . قال النحاس : صَفْوان وصَفَوان يجوز أن يكون جمعا ويجوز أن يكون واحدا ، إلا أن الأولى به أن يكون واحدا لقوله عز وجل : " عليه تراب فأصابه وابل " وإن كان يجوز تذكير الجمع إلا أن الشيء لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع ، فأما ما حكاه الكسائي في الجمع فليس بصحيح على حقيقة النظر ، ولكن صفوان جمع صفاً ، وصفاً بمعنى صفوان ، ونظيره وَرَلٌ{[2502]} وَوِرْلاَن وأخ وإخوان وكَراً وكِرْوَان ، كما قال الشاعر :
لنا يوم وللكِرْوَانِ يوم *** تطير البائسات ولا نطير
والضعيف في العربية كِرْوان جمع كَرَوَان ، وصُفِي وصِفِي جمع صفا مثل عصا . والوابل : المطر الشديد . وقد وبلت السماء تبل ، والأرض موبولة . قال الأخفش : ومنه قوله تعالى : " أخذناه أخذا وبيلا " {[2503]} [ المزمل : 16 ] أي شديدا . وضرب وبيل ، وعذاب وبيل أي شديد . والصلد : الأملس من الحجارة . قال الكسائي : صَلِد يَصْلَدُ صَلَدا بتحريك اللام فهو صلد بالإسكان ، وهو كل ما لا ينبت شيئا ، ومنه جبين أصلد ، وأنشد الأصمعي لرؤبة :
بَرَّاقُ أصلادِ الجَبِينِ الأَجْلَهِ{[2504]}
قال النقاش : الأصلد الأجرد بلغة هذيل . ومعنى " لا يقدرون " يعني المرائي والكافر والمان " على شيء " أي على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم عند حاجتهم إليه ، إذا كان لغير الله فعبر عن النفقة بالكسب ؛ لأنهم قصدوا بها الكسب . وقيل : ضرب هذا مثلا للمرائي في إبطال ثوابه ولصاحب المن والأذى في إبطال فضله ، ذكره الماوردي .
ولما شرط لقبولها شرطاً ووهّى ما عري{[12810]} منها عنه{[12811]} أتبعه التصريح بالنهي عن إهماله {[12812]}والنص على محقه لها وإبطاله{[12813]} وضرب لذلك مثلاً وضرب للمثل مثلاً مبالغة في الزجر عن ذلك فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك صدقوا إقراركم بأن { لا تبطلوا } قال الحرالي : فبين أن ما اشترطه في الأجر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى { صدقاتكم بالمن والأذى } فربما وازى{[12814]} عقابهما ثواب الصدقة أو زاد فكان{[12815]} كالإبطال لأوله إلى أن لا ثواب . قال الحرالي : فألحق عمل الإخلاص بآفة{[12816]} ما تعقبه بما بني على أصل الرياء{[12817]} - انتهى . فقال : { كالذي ينفق ماله } لغير الله ، إنما ينفقه { رئاء الناس } أي لقصد أن يروه . قال الحرالي : هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه .
ولما شبه{[12818]} المانّ والمؤذي{[12819]} بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم همة وأسوؤهم نظراً وأعماهم قلباً فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء{[12820]} نفرة{[12821]} منه وأبعده{[12822]} عنه و{[12823]}كان لمن يرائي{[12824]} حالان ألحقه بأشدهما فقال : { ولا يؤمن بالله } أي الذي له صفة{[12825]} الكمال { واليوم الآخر }{[12826]} الذي يقع فيه الجزاء بعد نقد{[12827]} الأعمال جيدها من{[12828]} رديئها . قال الحرالي : ولما ضرب مثلاً {[12829]}لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلاً{[12830]} لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال : { فمثله } في إنفاقه{[12831]} مقارناً لما يفسده ، ومثل نفقته { كمثل صفوان } وما زرع عليه ، وهو صيغة مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا{[12832]} تقبل{[12833]} انصداعها بالنبات - انتهى . { عليه تراب }{[12834]} فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه{[12835]} .
ولما كانت إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر {[12836]}ما زالت{[12837]} بحذافيره ولا سيما إن كان حجراً أملس قال إبلاغاً في إبطال الرياء للعمل : { فأصابه }{[12838]} أي عقب كون التراب عليه من غير مهلة بخلاف ما يأتي من الربوة فإنها صفة{[12839]} لازمة فلو تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها { وابل } أي مطر كثير فأزال التراب عنه { فتركه صلداً } أي صخراً لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من يأمله كما يقال أصله الزند إذا لم يور ، فجعل قلب المؤذي المانّ بمنزلة الصفوان الذي أصابه وابل المطر ، فأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر{[12840]} الحارث{[12841]} على الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه تصرف .
ولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة{[12842]} بقوله{[12843]} : { لا يقدرون } أي الممثل لهم والممثل بهم { على شيء مما كسبوا } فالآية{[12844]} من الاحتباك ولما كان الزارع على مثل هذا عجباً في الضلال والغباوة وكان التقدير : فإن الله لا يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين ، عطف عليه معلماً أنه يعمي{[12845]} البصراء{[12846]} عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله : { والله }{[12847]} {[12848]}الذي له الحكمة كلها{[12849]} { لا يهدي } أي لوجه مصلحة . ولما كان كل من المؤذي والمرائي قد غطى{[12850]} محاسن عمله بما جره{[12851]} من السوء{[12852]} قال : { القوم الكافرين } وفي ذكره ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه .