الأولى : قوله تعالى : " فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم " " الذين " في موضع رفع أي فبدل الظالمون منهم قولا غير الذي قيل لهم . وذلك أنه قيل لهم : قولوا حطة فقالوا حنطة ، على ما تقدم فزادوا حرفا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفا أن الزيادة في الدين والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر . هذا في تغيير كلمة هي عبارة عن التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب فما ظنك بتغيير ما هو من صفات المعبود هذا ، والقول أنقص من العمل فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل .
الثانية : قوله تعالى : " فبدل " تقدم معنى بدل وأبدل وقرئ " عسى ربنا أن يبدلنا " على الوجهين قال الجوهري : وأبدلت الشيء بغيره . وبدله الله من الخوف أمنا . وتبديل الشيء أيضا تغييره وإن لم يأت ببدل . واستبدل الشيء بغيره ، وتبدل به إذا أخذه مكانه . والمبادلة التبادل . والأبدال : قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر . قال ابن دريد : الواحد بديل والبديل البدل . وبدل الشيء : غيره يقال : بدل وبدل لغتان مصل : شبَه وشِبْه ومثَلَ ومِثْل ونكَلَ ونِكْل قال أبو عبيد{[792]} : لم يسمع في فعَلَ وفِعْل غير هذه الأربعة اليدين والرجلين . وقد بدل ( بالكسر ) يبدل بدلا .
الثالثة : قوله تعالى : " فأنزلنا على الذين ظلموا " كرر لفظ " ظلموا " ولم يضمره تعظيما للأمر . والتكرير يكون على ضربين : أحدهما : استعماله بعد تمام الكلام كما في هذه الآية وقوله : " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " [ البقرة : 79 ] ثم قال بعد : " فويل لهم مما كتبت أيديهم " ولم يقل : مما كتبوا وكرر الويل تغليظا لفعلهم ، ومنه قول الخنساء :
تعرَّقَنِي الدهر نَهْساً{[793]} وحَزّاً *** وأوجعني الدهر قَرْعاً وغَمْزاً
أرادت أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها . والضرب الثاني : مجي تكرير الظاهر في موضع المضمر قبل أن يتم الكلام كقوله تعالى " الحاقة ما الحاقة " [ الحاقة :1 - 2 ] و " القارعة ما القارعة " [ القارعة : 1 - 2 ] كان القياس لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم : الحاقة ما هي ، والقارعة ما هي ، ومثله : " فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة . " كرر " أصحاب الميمنة " تفخيما لما ينيلهم من جزيل الثواب وكرر لفظ " أصحاب المشأمة " لما ينالهم من أليم العذاب . ومن هذا الضرب قول الشاعر :
ليت الغرابَ غداة يَنْعَبُ دَائِباً *** كانَ الغُرَابُ مقطَّع الأودَاجِ
وقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال :
لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌ *** نغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرا
فكرر لفظ الموت ثلاثا ، وهو من الضرب الأول ومنه قول الآخر :
ألا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هند *** وهندٌ أتى من دونها النأي والبعد
فكرر ذكر محبوبته ثلاثا تفخيما لها .
الرابعة : قوله تعالى : " رجزا من السماء " قراءة الجماعة " رجزا " بكسر الراء وابن محيصن بضم الراء والرجز : العذاب ( بالزاي ) و( بالسين ) النتن والقذر ، ومنه قوله تعالى " فزادتهم رجسا إلى رجسهم " [ التوبة : 125 ] أي نتنا إلى نتنهم قاله الكسائي . وقال الفراء : الرجز هو : الرجس . قال أبو عبيد : كما يقال : السدغ والزدغ وكذا رجس ورجز بمعنى . قال الفراء : وذكر بعضهم أن الرجز ( بالضم ) اسم صنم كانوا يعبدونه ، وقرئ بذلك في قوله تعالى : " والرجز فاهجر{[794]} " والرجز ( بفتح الراء والجيم ) نوع من الشعر وأنكر الخليل أن يكون شعرا ، وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في أعجازها ، فإذا ثارت ارتعشت أفخاذها .
قوله تعالى : " بما كانوا يفسقون " أي بفسقهم والفسق الخروج وقد تقدم{[795]} . وقرأ ابن وثاب والنخعي " يفسقون " بكسر السين . .
ولمّا كان هذا التصريح بالترغيب المتضمن للتلويح بالترهيب مقتضياً للعاقل المبادرة إلى الطاعة بين أنه تسبب عنه أن بعضهم عصوا وكفروا هذه النعمة العظيمة ولم يقتصروا على ترك هذا الأمر بل بدلوه بدخولهم كما في الحديث " يزحفون{[2553]} على أستاههم{[2554]} قائلين : حبة في شعرة " أي جنس الحب في جنس الشعرة أي في الغرائر مطلوبنا لا الحطة{[2555]} وهي غفران الذنوب . قال الحرالي : أمروا بالإخلاص لله نظراً إلى حياة قلوبهم فطلبوا الحنطة نظراً إلى حياة جسومهم فقال تعالى { فبدل } من التبديل{[2556]} وهو تعويض {[2557]}شيء مكان شيء - انتهى .
{ الذين ظلموا } وأسقط : منهم ، لما يأتي في الأعراف{[2558]} { قولاً } أي مكان القول الذي أمروا به .
ولما كان التبديل وإن كان يفهم التغيير{[2559]} لكنه يصدق بأدنى تغيير{[2560]} ولو أنه في اللفظ وإن اتّحد المعنى بيّن أنه مضاد له بحيث لا يمكن اجتماعهما بقوله{[2561]} : { غير الذي قيل لهم } {[2562]}فإن غيراً كما{[2563]} قال الحرالي كلمة تفهم انتفاء وإثبات ضد ما انتفى ، وقال : ذكر{[2564]} تعالى عدولهم عن كل ذلك{[2565]} واشتغالهم ببطونهم وعاجل دنياهم فطلبوا طعام بطونهم التي قد{[2566]} فرغ منها التقدير وأظهر لهم الغناء عنها في حال التيه بإنزال المن والسلوى إظهاراً لبلادة طباعهم وغلبة حب العاجلة عليهم فبدلوا كلمة التوحيد وهي لا إله إلاّ الله وهي الحطة بطلب الحنطة
{ ولو أنهم{[2567]} أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم{[2568]} لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم }[ المائدة : 66 ]
{ ولو أن أهل القرى{[2569]} أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض }[ الأعراف : 96 ] " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل {[2570]}ما أعطي السائلين " انتهى .
وبيّن{[2571]} أنه خصّ المبدلين بالعتاب{[2572]} نعمة منه مع أن له أن يعم فقال{[2573]} { فأنزلنا } أي بعظمتنا بسبب ذلك { على الذين ظلموا } أي خاصة { رجزاً } قال الحرالي : هو أشد العذاب ، وما جره{[2574]} أيضاً يسمى{[2575]} رجزاً مما يجب أن يزجر عنه والزجر كف البهائم عن عدواها - انتهى . ولما كان الإنزال مفهماً للسماء حققه تعظيماً له بقوله : { من السماء بما } أي بسبب ما { كانوا يفسقون * } أي يجددون الخروج من الطاعة إلى المعصية في كل وقت . ففي إفهامه أنهم يعودون إلى الطاعة بعد الخروج منها وذلك مقتض لأن يكون يظلمون أشد منه كما يأتي . قال الحرالي : فبحق يجب على من دخل من باب جبل أو قرية أن يقول في وصيدها{[2576]} : لا إله إلاّ الله ، ليحط عنه ماضي ذنوبه ، فكأنّ ذكر الله في باب المدينة والشعب ذكاة لذلك المدخل ، فمن لم يدخله مذكياً دخله فاسقاً { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق{[2577]} }[ الأنعام : 121 ] فلذلك ما{[2578]} انختم ذكرهم في{[2579]} الآية بالفسق{[2580]} - انتهى .