قوله تعالى : " قالوا " يعني السحرة " لن نؤثرك " أي لن نختارك " على ما جاءنا من البينات " قال ابن عباس : يريد من اليقين والعلم . وقال عكرمة وغيره : لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة ، فلهذا قالوا " لن نؤثرك " . وكانت امرأة فرعون تسأل من غلب ، فقيل لها : غلب موسى وهارون ، فقالت : آمنت برب موسى وهارون . فأرسل إليها فرعون فقال : انظروا أعظم صخرة فإن مضت{[11125]} على فولها فألقوها عليها ، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت منزلها في الجنة ، فمضت على قولها فانتزع روحها ، وألقيت الصخرة على جسدها وليس في جسدها{[11126]} روح . وقيل : قال مقدم السحرة لمن يثق به لما رأى من عصا موسى ما رأى : انظر إلى هذه الحية هل تخوفت{[11127]} فتكون جنيا أو لم تتخوف فهي من صنعة الصانع الذي لا يعزب عليه مصنوع ، فقال : ما تخوفت ، فقال : آمنت برب هارون وموسى . " والذي فطرنا " قيل : هو معطوف على " ما جاءنا من البينات " أي لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ولا على الذي فطرنا أي خلقنا . وقيل : هو قسم أي والله لن نؤثرك . " فاقض ما أنت قاض " التقدير ما أنت قاضيه . وليست " ما " ها هنا التي تكون مع الفعل بمنزلة المصدر ؛ لأن تلك توصل بالأفعال ، وهذه موصولة بابتداء وخبر . قال ابن عباس : فاصنع ما أنت صانع . وقيل : فاحكم ما أنت حاكم ؛ أي من القطع والصلب . وحذفت الياء من قاض الوصل لسكونها وسكون التنوين . واختار سيبويه إثباتها في الوقف ؛ لأنه قد زالت علة الساكنين . " إنما تقضي هذه الحياة الدنيا " أي إنما ينفذ أمرك فيها . وهي منصوبة على الظرف ، والمعنى : إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا . أو وقت هذه الحياة الدنيا ، فتقدر حذف المفعول . ويجوز أن يكون التقدير : إنما تقضي أمور هذه الحياة الدنيا ، فتنتصب انتصاب المفعول و " ما " كافة لإن . وأجاز الفراء الرفع على أن تجعل " ما " بمعنى الذي وتحذف الهاء من تقضي ورفعت " هذه الحياة الدنيا " .
ولما علموا ما خيل به على عقول الضعفاء ، نبهوهم{[49521]} فأخبر تعالى عن ذلك بقوله مستأنفاً{[49522]} : { قالوا لن نؤثرك } أي نقدم أثرك{[49523]} بالاتباع لك{[49524]} لنسلم من عذابك الزائل { على ما جاءنا } {[49525]}به موسى عليه السلام{[49526]} { من البينات } التي عايناها وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضاهاتها . ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل{[49527]} الخارق ، ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله ، إشارة إلى عليّ قدره فقالوا : { والذي } أي ولا نؤثرك بالاتباع على الذي { فطرنا } أي ابتدأ خلقنا ، إشارة إلى شمول {[49528]}ربوبيته سبحانه{[49529]} وتعالى لهم وله{[49530]} ولجميع الناس ، وتنبيهاً على {[49531]}عجز فرعون{[49532]} عند من استحقه ، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم .
ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به ، علماً بأن ما فعله فهو بإذن الله ، قالوا : { فاقض ما } أي فاصنع في حكمك الذي { أنت قاض } ثم عللوا ذلك بقولهم : { إنما تقضي } أي تصنع بنا ما تريد إن قدرك الله عليه{[49533]} { هذه الحياة الدنيا* } أي إنما حكمك {[49534]}في مدتها{[49535]} على الجسد خاصة ، فهي ساعة تعقب راحة{[49536]} ، ونحن لانخاف إلا ممن يحكم على الروح وإن فني الجسد ، فذاك هو الشديد العذاب ، الدائم الجزاء بالثواب{[49537]} أو العقاب ، ولعلهم أسقطوا الجار تنزلاً إلى أن حكمه لو فرض أنه يمتد إلى آخر الدنيا لكان أهلاً لأن لا يخشى لأنه زائل وعذاب الله باق{[49538]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.