الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (104)

قد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه السورة{[3336]} . و " من " في قوله " منكم " للتبعيض ، ومعناه : أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماء . وقيل : لبيان الجنس ، والمعنى لتكونوا كلكم كذلك .

قلت : القول الأول أصح ، فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية ، وقد عينهم الله تعالى بقوله : " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة " {[3337]} [ الحج : 41 ] الآية . وليس كل الناس مكنوا . وقرأ ابن الزبير : " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم " قال أبو بكر الأنباري : وهذه الزيادة تفسير من ابن الزبير ، وكلام من كلامه غلط فيه بعض الناقلين{[3338]} فألحقه بألفاظ القرآن ، يدل على صحة ما أصف الحديث الذي حدثنيه أبي حدثنا حسن بن عرفة حدثنا وكيع عن أبي عاصم عن أبي عون{[3339]} عن صبيح قال : سمعت عثمان بن عفان يقرأ " ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم " فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتقد{[3340]} هذه الزيادة من القرآن ؛ إذ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين ، وإنما ذكرها واعظا بها ومؤكدا ما تقدمها من كلام رب العالمين جل وعلا .


[3336]:- راجع ص 6.
[3337]:- راجع جـ12 ص 72.
[3338]:- في هـ: الغافلين.
[3339]:- في ب، د، وهـ وفيها: أبي عوف.
[3340]:- في ب، د، هـ: لا يعتد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (104)

ولما عاب{[18490]} سبحانه وتعالى الكفار بالضلال{[18491]} ثم بالإضلال أمر المؤمنين بالهدى في أنفسهم ، وأتبعه الأمر بهداية الغير بالاجتماع{[18492]} ، وكان الأمر بالاجتماع المؤكد بالنهي عن التفرق ربما أفهم الوجوب لتفرد{[18493]} الجميع في كل جزئية من جزئيات العبادة في كل وقت على سبيل الاجتماع مع الإعراض عن كل عائق عن ذلك سواء كان وسيلة أو لا بالنسبة إلى كل فرد فرد ؛ أتبعه بقوله - منبهاً على الرضى بإيقاع ذلك في الجملة سواء كان بالبعض أو الكل كما هو شأن فروض الكفايات - : { ولتكن منكم أمة } أي جماعة تصلح لأن يقصدها غيرها ، ويكون بعضها قاصداً بعضاً{[18494]} ، حتى تكون{[18495]} أشد شيء ائتلافاً{[18496]} واجتماعاً في كل وقت من الأوقات على البدل { يدعون } مجددين لذلك في كل وقت { إلى الخير } أي بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير{[18497]} .

ولما عم كل خير خص ليكون المخصوص مأموراً به مرتين{[18498]} دلالة على جليل أمره وعليّ قدره فقال : { ويأمرون بالمعروف } أي من الدين{[18499]} { وينهون عن المنكر } فيه بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك ، وهو تنبيه لهم على أن يلازموا{[18500]} ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين{[18501]} استفزهم الشيطان بمكر شأس بن قيس في التذكير {[18502]}بالأحقاد والأضغان والأنكاد{[18503]} ، وإعلام بأن الذكرى تنفع المؤمنين .

ولما كان هذا السياق مفهماً لأن التقدير : فإنهم ينالون بذلك خيراً كثيراً ، ولهم نعيم مقيم ؛ عطف عليه مرغباً : { وأولئك } أي العالون الرتبة العظيمو النفع { هم المفلحون * } حق الإفلاح ، فبين سبحانه وتعالى أن الاجتماع المأمور به إنما هو بالقلوب{[18504]} الجاعلة لهم كالجسد الواحد ، ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات إلى المعاش{[18505]} وتنعيم البدن ببعض المباحات ، وإن كان الأكمل صرف الكل بالنية إلى العبادة .


[18490]:في ظ: غاب.
[18491]:في ظ: بالضلالة.
[18492]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالاجماع.
[18493]:من مد، وفي الأصل وظ: لتجرد.
[18494]:في ظ: بعضها.
[18495]:في ظ: يكون.
[18496]:من ظ ومد، وفي الأصل: ابتلافا ـ كذا.
[18497]:زيد من ظ ومد.
[18498]:من ظ و مد، وفي الأصل: بين.
[18499]:في ظ: الذين.
[18500]:في ظ: لا يلازموا.
[18501]:زيد من مد: وفي ظ موضعه: خيرا ـ كذا.
[18502]:في ظ: بالاخفا وأضغان والافكاف، وفي مد: بالاحقاد وأضغان والانكاد ـ كذا.
[18503]:في ظ: بالاخفا وأضغان والافكاف، وفي مد: بالاحقاد وأضغان والانكاد ـ كذا.
[18504]:من ظ ومد، وفي الأًصل: القلوب.
[18505]:في مد: المعائش.