قوله تعالى : " لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء " ذكر تعالى قبيح قول الكفار ولا سيما اليهود . وقال أهل التفسير : لما أنزل الله " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " {[3749]} [ البقرة : 245 ] قال قوم من اليهود - منهم حيي بن أخطب ، في قول الحسن . وقال عكرمة وغيره : هو فنحاص بن عازوراء - إن الله فقير ونحن أغنياء يقترض منا . وإنما قالوا هذا تمويها على ضعفائهم ، لا أنهم يعتقدون هذا ؛ لأنهم أهل كتاب . ولكنهم كفروا بهذا القول ؛ لأنهم أرادوا تشكيك الضعفاء منهم ومن المؤمنين ، وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم . أي إنه فقير على قول محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه اقترض منا . " سنكتب ما قالوا " سنجازيهم عليه . وقيل : سنكتبه في صحائف أعمالهم ، أي نأمر الحفظة بإثبات قولهم حتى يقرؤوه يوم القيامة في كتبهم التي يؤتونها ، حتى يكون أوكد للحجة عليهم . وهذا كقوله : " وإنا له كاتبون " {[3750]} [ الأنبياء : 94 ] . وقيل : مقصود الكتابة الحفظ ، أي سنحفظ ما قالوا لنجازيهم . " وما " في قوله " ما قالوا " في موضع نصب ب " سنكتب " . وقرأ الأعمش وحمزة " سيكتب " بالياء ؛ فيكون " ما " اسم ما لم يسم فاعله . واعتبر حمزة ذلك بقراءة ابن مسعود : " و يقال ذوقوا عذاب الحريق " .
قوله تعالى : " وقتلهم الأنبياء " أي ونكتب قتلهم الأنبياء ، أي رضاهم بالقتل . والمراد قتل أسلافهم الأنبياء ، لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم . وحسن رجل عند الشعبي ، قتل عثمان رضي الله عنه فقال له الشعبي : شركت في دمه . فجعل الرضا بالقتل قتلا ، رضي الله عنه .
قلت : وهذه مسألة عظمى ، حيث يكون الرضا بالمعصية معصية . وقد روى أبو داود عن العُرْس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة فأنكرها - كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها ) . وهذا نص . قوله تعالى : " بغير حق " تقدم معناه في البقرة{[3751]} . " ونقول ذوقوا عذاب الحريق " أي يقال لهم في جهنم ، أو عند الموت ، أو عند الحساب هذا . ثم هذا القول من الله تعالى ، أو من الملائكة ، قولان . وقراءة ابن مسعود " ويقال " . والحريق اسم للملتهبة من النار ، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة .
ولما كان العمل شاملاً لتصرفات الجوارح كلها من القلب واللسان وسائر الأركان قال{[19968]} - دالاًّ على خبره بسماع{[19969]} ما قالوه متجاوزين وهدة البخل{[19970]} إلى حضيض القبح{[19971]} مريدين التشكيك لأهل الإسلام بما يوردونه من الشبه قياساً على ما يعرفونه من أنفسهم من أنه - كما تقدم - {[19972]}لا يطلب{[19973]} إلا محتاج - : { لقد سمع الله } أي الذي له جميع الكمال { قول الذين قالوا } أي{[19974]} من اليهود { إن الله } أي الملك الأعظم { فقير } أي لطلبه القرض{[19975]} { ونحن أغنياء } لكونه يطلب منا ، وهذا رجوع منه سبحانه وتعالى إلى {[19976]}إتمام ما نبه{[19977]} عليه قبل هذه القصة من بغض أهل الكتاب لأهل هذا الدين وحسدهم لهم وإرادة تشكيكهم فيه للرجوع عنه على أسنى المناهج{[19978]} وأعلى الأساليب .
ولما تشوفت النفوس إلى جزائهم على هذه العظيمة ، وكانت الملوك إذا علمت انتقاص أحدها وهي قادرة عاجلته لما عندها من نقص الأذى بالغيظ قال سبحانه وتعالى مهدداً لهم مشيراً إلى أنه على غير ذلك : { سنكتب } أي على عظمتنا لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه في الدنيا { ما قالوا } أي من هذا الكفر وأمثاله ، والسين للتأكيد ، ويجوز أن تكون على{[19979]} بابها من المهلة للحث على التوبة {[19980]}قبل ختم{[19981]} رتب الشهادة ، وسيأتي في الزخرف له مزيد بيان .
ولما كان هذا اجتراء على الخالق أتبعه اجتراءهم على أشرف الخلائق فقال - مشيراً بإضافة{[19982]} المصدر إلى ضميرهم ، وبجمع التكسير الدال على الكثير إلى أنهم أشد{[19983]} الناس تمرداً وتمرناً{[19984]} على ارتكاب العظائم ، وأن الاجتراء على أعظم أنواع الكفر قد صار لهم خلقاً - : { وقتلهم الأنبياء } أي الذين أقمناهم فيهم لتجديد ما أوهوه من بنيان دينهم ، ولما لم يكن في{[19985]} قتلهم شبهة أصلاً قال : { بغير حق } فهو{[19986]} أعظم ذمّاً مما قبله من التعبير بالفعل المضارع في قوله
{ ويقتلون الأنبياء بغير حق{[19987]} }[ آل عمران : 112 ] . ثم عطف على قوله { سنكتب } قوله : { ونقول } أي بما لنا من الجلال { ذوقوا } أي بما نمسكم{[19988]} به من المصائب في الدنيا والعقاب{[19989]} في الأخرى كما كنتم تذوقون الأطعمة التي كنتم تبخلون بها{[19990]} فلا تؤدون حقوقها { عذاب الحريق * }{[19991]} جزاء على ما أحرقتم به {[19992]}قلوب عبادنا ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.