الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (181)

قوله تعالى : " لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء " ذكر تعالى قبيح قول الكفار ولا سيما اليهود . وقال أهل التفسير : لما أنزل الله " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " {[3749]} [ البقرة : 245 ] قال قوم من اليهود - منهم حيي بن أخطب ، في قول الحسن . وقال عكرمة وغيره : هو فنحاص بن عازوراء - إن الله فقير ونحن أغنياء يقترض منا . وإنما قالوا هذا تمويها على ضعفائهم ، لا أنهم يعتقدون هذا ؛ لأنهم أهل كتاب . ولكنهم كفروا بهذا القول ؛ لأنهم أرادوا تشكيك الضعفاء منهم ومن المؤمنين ، وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم . أي إنه فقير على قول محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه اقترض منا . " سنكتب ما قالوا " سنجازيهم عليه . وقيل : سنكتبه في صحائف أعمالهم ، أي نأمر الحفظة بإثبات قولهم حتى يقرؤوه يوم القيامة في كتبهم التي يؤتونها ، حتى يكون أوكد للحجة عليهم . وهذا كقوله : " وإنا له كاتبون " {[3750]} [ الأنبياء : 94 ] . وقيل : مقصود الكتابة الحفظ ، أي سنحفظ ما قالوا لنجازيهم . " وما " في قوله " ما قالوا " في موضع نصب ب " سنكتب " . وقرأ الأعمش وحمزة " سيكتب " بالياء ؛ فيكون " ما " اسم ما لم يسم فاعله . واعتبر حمزة ذلك بقراءة ابن مسعود : " و يقال ذوقوا عذاب الحريق " .

قوله تعالى : " وقتلهم الأنبياء " أي ونكتب قتلهم الأنبياء ، أي رضاهم بالقتل . والمراد قتل أسلافهم الأنبياء ، لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم . وحسن رجل عند الشعبي ، قتل عثمان رضي الله عنه فقال له الشعبي : شركت في دمه . فجعل الرضا بالقتل قتلا ، رضي الله عنه .

قلت : وهذه مسألة عظمى ، حيث يكون الرضا بالمعصية معصية . وقد روى أبو داود عن العُرْس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة فأنكرها - كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها ) . وهذا نص . قوله تعالى : " بغير حق " تقدم معناه في البقرة{[3751]} . " ونقول ذوقوا عذاب الحريق " أي يقال لهم في جهنم ، أو عند الموت ، أو عند الحساب هذا . ثم هذا القول من الله تعالى ، أو من الملائكة ، قولان . وقراءة ابن مسعود " ويقال " . والحريق اسم للملتهبة من النار ، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة .


[3749]:- راجع جـ2 ص 237.
[3750]:-راجع جـ12 ص 339.
[3751]:- راجع جـ1 ص 431.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (181)

ولما كان العمل شاملاً لتصرفات الجوارح كلها من القلب واللسان وسائر الأركان قال{[19968]} - دالاًّ على خبره بسماع{[19969]} ما قالوه متجاوزين وهدة البخل{[19970]} إلى حضيض القبح{[19971]} مريدين التشكيك لأهل الإسلام بما يوردونه من الشبه قياساً على ما يعرفونه من أنفسهم من أنه - كما تقدم - {[19972]}لا يطلب{[19973]} إلا محتاج - : { لقد سمع الله } أي الذي له جميع الكمال { قول الذين قالوا } أي{[19974]} من اليهود { إن الله } أي الملك الأعظم { فقير } أي لطلبه القرض{[19975]} { ونحن أغنياء } لكونه يطلب منا ، وهذا رجوع منه سبحانه وتعالى إلى {[19976]}إتمام ما نبه{[19977]} عليه قبل هذه القصة من بغض أهل الكتاب لأهل هذا الدين وحسدهم لهم وإرادة تشكيكهم فيه للرجوع عنه على أسنى المناهج{[19978]} وأعلى الأساليب .

ولما تشوفت النفوس إلى جزائهم على هذه العظيمة ، وكانت الملوك إذا علمت انتقاص أحدها وهي قادرة عاجلته لما عندها من نقص الأذى بالغيظ قال سبحانه وتعالى مهدداً لهم مشيراً إلى أنه على غير ذلك : { سنكتب } أي على عظمتنا لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه في الدنيا { ما قالوا } أي من هذا الكفر وأمثاله ، والسين للتأكيد ، ويجوز أن تكون على{[19979]} بابها من المهلة للحث على التوبة {[19980]}قبل ختم{[19981]} رتب الشهادة ، وسيأتي في الزخرف له مزيد بيان .

ولما كان هذا اجتراء على الخالق أتبعه اجتراءهم على أشرف الخلائق فقال - مشيراً بإضافة{[19982]} المصدر إلى ضميرهم ، وبجمع التكسير الدال على الكثير إلى أنهم أشد{[19983]} الناس تمرداً وتمرناً{[19984]} على ارتكاب العظائم ، وأن الاجتراء على أعظم أنواع الكفر قد صار لهم خلقاً - : { وقتلهم الأنبياء } أي الذين أقمناهم فيهم لتجديد ما أوهوه من بنيان دينهم ، ولما لم يكن في{[19985]} قتلهم شبهة أصلاً قال : { بغير حق } فهو{[19986]} أعظم ذمّاً مما قبله من التعبير بالفعل المضارع في قوله

{ ويقتلون الأنبياء بغير حق{[19987]} }[ آل عمران : 112 ] . ثم عطف على قوله { سنكتب } قوله : { ونقول } أي بما لنا من الجلال { ذوقوا } أي بما نمسكم{[19988]} به من المصائب في الدنيا والعقاب{[19989]} في الأخرى كما كنتم تذوقون الأطعمة التي كنتم تبخلون بها{[19990]} فلا تؤدون حقوقها { عذاب الحريق * }{[19991]} جزاء على ما أحرقتم به {[19992]}قلوب عبادنا ،


[19968]:سقط من ظ.
[19969]:في ظ: السماع.
[19970]:في ظ: محل ـ كذا.
[19971]:من ظ ومد، وفي الأصل: القبيح.
[19972]:في ظ: يطلب.
[19973]:في ظ: يطلب.
[19974]:زيد من ظ ومد.
[19975]:سقط من ظ.
[19976]:في ظ: تمام مناسبة ـ كذا.
[19977]:في ظ: تمام مناسبة ـ كذا.
[19978]:في ظ ومد: المناهيج، وفي الأصل: المناحيح.
[19979]:من مد، وفي الأصل وظ: يكون.
[19980]:سقط من ظ، وزيد بعده في الأصل: الأمر، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[19981]:سقط من ظ، وزيد بعده في الأصل: الأمر، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[19982]:في ظ: بإضافته.
[19983]:سقط من ظ ومد.
[19984]:من ظ ومد، وفي الأصل: تمريا.
[19985]:سقط من ظ.
[19986]:في ظ: وهو.
[19987]:سورة 3 آية 112.
[19988]:من ظ ومد، وفي الأصل: يمسكم.
[19989]:في ظ: العذاب.
[19990]:سقط من ظ.
[19991]:زيد بعده في ظ: الآية.
[19992]:سقط من ظ.