الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} (187)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " هذا متصل بذكر اليهود ، فإنهم أمروا بالإيمان بمحمد عليه السلام وبيان أمره ، فكتموا نعته{[3778]} . فالآية توبيخ لهم ، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم . قال الحسن وقتادة : هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب . فمن علم شيئا فليعلمه ، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة . وقال محمد بن كعب : لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ، ولا للجاهل أن يسكت على جهله ، قال الله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " الآية . وقال : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " {[3779]} [ النحل : 42 ] . وقال أبو هريرة : لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ؛ ثم تلا هذه الآية " وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " . وقال الحسن بن عمارة : أتيت الزهري بعد ما ترك الحديث ، فألفيته على بابه فقلت : إن رأيت أن تحدثني . فقال : أما علمت أني تركت الحديث ؟ فقلت : إما أن تحدثني وإما أن أحدثك . قال حدثني . قلت : حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت علي بن أبي طالب يقول : ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا . قال : فحدثني أربعين حديثا .

الثانية : الهاء في قوله : " لتبيننه للناس " ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر . وقيل : ترجع إلى الكتاب ، ويدخل فيه بيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه في الكتاب . " ولا تكتمونه " ولم يقل تكتمنه لأنه في معنى الحال ، أي لتبيننه غير كاتمين . وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل مكة " لتبيننه " بالتاء على حكاية الخطاب . والباقون بالياء لأنهم{[3780]} غيب . وقرأ ابن عباس{[3781]} " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ليبيننه " . فيجيء قوله " فنبذوه " عائدا على الناس الذين بين لهم الأنبياء . وفي قراءة ابن مسعود " ليبينونه " دون النون الثقيلة . والنبذ الطرح . وقد تقدم بيانه في " البقرة " {[3782]} . " وراء ظهورهم " مبالغة في الإطراح ، ومنه " واتخذتموه وراءكم ظهريا " [ هود : 92 ] وقد تقدم في " البقرة " بيانه أيضا . وتقدم معنى قوله : " واشتروا به ثمنا قليلا " في " البقرة " {[3783]} فلا معنى لإعادته . " فبئس ما يشترون " تقدم أيضا{[3784]} . والحمد لله .


[3778]:- في جـ: أمره. وفي ز: بعثه.
[3779]:- راجع جـ10 ص 108 وجـ 11 ص 272.
[3780]:- كذا في جـ و د وهـ و ز و ب، وفي ا و حـ: لأنه غيب.
[3781]:- الذي في الطبري أنها قراءة عبد الله، وسيأتي.
[3782]:- راجع جـ3 ص 40.
[3783]:- راجع جـ1 ص 334.
[3784]:- راجع جـ2 ص 27.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} (187)

ولما قدم سبحانه وتعالى في أوائل قصص اليهود أنه أخذ على النبيين الميثاق بما أخذ ، وأخبرهم{[20096]} أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق ، ثم أخبر بقوله :{ قد جاءكم رسل من قبلي }[ آل عمران : 183 ] { وإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } [ آل عمران : 184 ] أن النبيين وفوا بالعهد ، وأن كثيراً من أتباعهم خان ؛ ثنى هنا بالتذكير بذلك العهد على وجه يشمل جميع العلماء بعد الإخبار بسماع الأذى المتضمن لنقضهم للعهد ، فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على مضمون الآية التي قبلها ، وكأنه قيل : فاذكروا قولي لكم { لتبلون } واجعلوه{[20097]} نصب أعينكم لتوطنوا أنفسكم عليه ، فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه { و } اذكروا{[20098]} { إذ أخذ الله } الذي لا عظيم إلا هو { ميثاق الذين } .

ولما كانت الخيانة{[20099]} من العالم أشنع ، وكان ذكر العلم{[20100]} دون تعيين المعلم كافياً في ذلك بنى للمجهول قوله : { أوتوا الكتاب } أي{[20101]} في البيان ، فخافوا فما آذوا{[20102]} إلا أنفسهم ، وإذا آذوا أنفسهم{[20103]} بخيانة عهد الله سبحانه وتعالى كانوا في أذاكم اشد وإليه أسرع ، أو يكون التقدير : واذكروا{[20104]} ما أخبرتكم به عند ما أنزله بكم ، واصبروا{[20105]} لتفوزوا ، واذكروا إذ اخذ الله ميثاق من قبلكم فضيعوه كيلا تفعلوا فعلهم ، فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا مع ما يدخر في الآخرة من عذاب النار .

هذا ما كان ظهر لي أولاً ، ثم بان أن الذي لا معدل عنه أنه لما انقضت قصة أحد وما تبعها{[20106]} إلى أن ختمت بعد الوعظ بتحتم{[20107]} الموت الذي فر من فر{[20108]} منهم منه وخوّف الباقين أمره بمثل ما تقدم أنه جعلها دليلاً عليه من بغض{[20109]} أهل الكتاب وما تبعه ؛ عطف على " إذ " المقدرة لعطف

{ وإذ غدوت }[ آل عمران : 121 ] عليها - قوله : { وإذ أخذ الله } أي اذكروا ذلك يدلكم على عداوتهم{[20110]} ، واذكروا ما صح عندكم من إخبار الله تعالى المشاهد{[20111]} بإخبار من أسلم من الأحبار والقسيسين أن الله أخذ { ميثاق الذين أوتوا الكتاب } أي من اليهود والنصارى بما أكد في كتبه وعلى ألسنة رسله : { ليبيننه{[20112]} } أي الكتاب { للناس ولا يكتمونه } أي نصيحة منهم لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المؤمنين وعامتهم ليؤمنوا بالنبي المبشر به { فنبذوه } أي الميثاق بنبذ الكتاب { ورآء ظهورهم } حسداً لكم وبغضاً ، وهو تمثيل لتركهم العمل به ، لأن من ترك شيئاً وراءه نسيه { واشتروا به } ولما كان الثمن الذي اشتروه{[20113]} خسارة لا ربح فيه أصلاً على العكس مما بذلوه على أنه ثمن ، وكان الثمن إذا نض{[20114]} زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله : { ثمناً } وزاد في بيان سفههم بقوله : { قليلاً } أي بالاستكثار من المال والاستئمار للرئاسة ، قكتموا ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم { فبئس ما يشترون * } أي لأنه مع فنائه أورثهم العار الدائم والنار الباقية ، وعبر عن هذا الأخذ{[20115]} بالشراء إعلاماً بلجاجهم فيه ، ونبه بصيغة الافتعال على مبالغتهم في اللجاج .


[20096]:في ظ: خيرهم.
[20097]:في ظ: اجعلوا.
[20098]:زيدت الواو بعده في ظ.
[20099]:من ظ ومد، وفي الأصل: الجناية.
[20100]:في ظ: العالم.
[20101]:زيد من ظ ومد.
[20102]:في ظ: إذ ـ كذا.
[20103]:زيد من ظ ومد.
[20104]:العبارة من هنا إلى "واذكروا" ساقطة من ظ.
[20105]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في مد فحذفناها.
[20106]:في ظ: يتبعها.
[20107]:في ظ: تختم.
[20108]:زيد بعده في ظ: منه.
[20109]:في ظ ومد: بعض.
[20110]:في مد: عدوانهم.
[20111]:من ظ ومد، وفي الأصل: الشاهدة.
[20112]:من ظ ومد ـ كما قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عباس بياء الغيبة، وفي الأصل: لتبيننه ـ بالخطاب كما هو الشبت في مصاحف بلادنا، ولكن التفسير الآتي بلفظ "نصيحة منهم" لا يناسبه.
[20113]:في ظ: اشتراه.
[20114]:من ظ ومد، أي تيسر، وفي الأصل: نص.
[20115]:سقط من مد.