الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (185)

فيه سبع{[3756]} مسائل :

الأولى : لما أخبر جل وتعالى عن الباخلين وكفرهم في قولهم : " إن الله فقير ونحن أغنياء " وأمر المؤمنين بالصبر على أذاهم في قوله : " لتبلون " [ آل عمران : 186 ] الآية - بين أن ذلك مما ينقضي ولا يدوم ، فإن أمد الدنيا قريب ، ويوم القيامة يوم الجزاء . " ذائقة الموت " من الذوق ، وهذا مما لا محيص عنه للإنسان ، ولا محيد عنه لحيوان . وقد قال أمية بن أبي الصلت :

من لم يمت عَبْطَةً{[3757]} يمت هَرَمًا *** للموت كأسٌ والمرءُ ذائقها

وقال آخر :

الموت باب وكل الناس داخله *** فليت شعري بعد الباب ما الدار

الثانية : قراءة العامة " ذائقة الموت " بالإضافة . وقرأ الأعمش ويحيى وابن أبي إسحاق " ذائقة الموت " بالتنوين ونصب الموت . قالوا : لأنها لم تذق بعد . وذلك أن اسم الفاعل على ضربين : أحدهما أن يكون بمعنى المضي . والثاني بمعنى الاستقبال ، فإن أردت الأول لم يكن فيه إلا الإضافة إلى ما بعده ، كقولك : هذا ضارب زيد أمس ، وقاتل بكر أمس ؛ لأنه يجري مجرى الاسم الجامد وهو العلم ، نحو غلام زيد ، وصاحب بكر . قال الشاعر :

الحافظُ عورةِ العشيرة *** لا يأتيهم من ورائهم وَكَفُ{[3758]}

وإن أردت الثاني جاز الجر . والنصب والتنوين فيما هذا سبيله هو الأصل ؛ لأنه يجري مجرى الفعل المضارع فإن كان الفعل غير متعد ، لم يتعد نحو قاتم زيد . وإن كان متعديا عديته ونصبت به ، فتقول . زيد ضارب عمروا بمعنى يضرب عمروا . ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفا ، كما قال المرار " :

سَلِ الهمومَ بكل معطي رأسِه *** ناجٍ مخالطٍ صُهْبَةٍ مُتَعَيِّسِ{[3759]}

مُغْتَالِ أحْبُلِهِ مُبينٍ عُنْقُه *** في مَنْكَبٍ زَبَنَ المَطِيَّ عَرَنْدَسِ{[3760]}

فحذف التنوين تخفيفا ، والأصل : معط رأسه بالتنوين والنصب ، ومثل هذا أيضا في التنزيل قوله تعالى " هل هن كاشفات ضره " [ الزمر : 38 ] وما كان مثله{[3761]} .

الثالثة : ثم اعلم أن للموت أسبابا وأمارات ، فمن علامات موت المؤمن عرق الجبين . أخرجه النسائي من حديث بريدة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " المؤمن يموت بعرق الجبين " . وقد بيناه في " التذكرة " فإذا احتضر لقن الشهادة ؛ لقوله عليه السلام : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة ، ولا يعاد عليه منها لئلا يضجر . ويستحب قراءة " يس " ذلك الوقت ؛ لقوله عليه السلام : " اقرؤوا يس على موتاكم " أخرجه أبو داود . وذكر الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت ) . فإذا قضي وتبع البصر الروح كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وارتفعت العبادات وزال التكليف ، توجهت على الأحياء أحكام : منها تغميضه ، وإعلام إخوانه الصلحاء بموته ، وكرهه قوم وقالوا : هو من النعي . والأول أصح ، وقد بيناه في غير هذا الموضع . ومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والدفن لئلا يسرع إليه التغير ، قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخروا دفن ميتهم : ( عجلوا بدفن جيفتكم ) وقال : ( أسرعوا بالجنازة ) الحديث ، وسيأتي .

فأما غسله فهو سنة لجميع المسلمين حاشا الشهيد على ما تقدم . قيل : غسله واجب قاله القاضي عبد الوهاب . والأول : مذهب الكتاب{[3762]} ، وعلى هذين القولين العلماء . وسبب الخلاف قوله عليه السلام لأم عطية في غسلها ابنته زينب ، على ما في كتاب مسلم . وقيل : هي أم كلثوم ، على ما في كتاب أبي داود : ( اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك ) الحديث . وهو الأصل عند العلماء في غسل الموتى . فقيل : المراد بهذا الأمر بيان حكم الغسل فيكون واجبا . وقيل : المقصود منه تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب . قالوا ويدل عليه قوله : ( إن رأيتن ذلك ) وهذا يقتضي إخراج ظاهر الأمر عن الوجوب ؛ لأنه فوضه إلى نظرهن . قيل لهم : هذا فيه بعد ؛ لأن ردك ( إن رأيتن ) إلى الأمر ، ليس السابق إلى الفهم بل السابق رجوع هذا الشرط إلى أقرب مذكور ، وهو ( أكثر من ذلك ) أو إلى التخيير في الأعداد . وعلى الجملة فلا خلاف في أن غسل الميت مشروع معمول به في الشريعة لا يترك . وصفته كصفة غسل الجنابة على ما هو معروف . ولا يجاوز السبع غسلات في غسل الميت بإجماع ؛ على ما حكاه أبو عمر . فإن خرج منه شيء بعد السبع غسل الموضع وحده ، وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد غسله . فإذا فرغ من غسله كفنه في ثيابه وهي :

الرابعة : والتكفين واجب عند عامة العلماء ، فإن كان له مال فمن رأس ماله عند عامة العلماء إلا ما حكي عن طاوس أنه قال : من الثلث كان المال قليلا أو كثيرا . فإن كان الميت ممن تلزم غيره نفقته في حياته من سيد إن كان عبدا أو أب أو زوج أو ابن ، فعلى السيد باتفاق ، وعلى الزوج والأب والابن باختلاف . ثم على بيت المال أو على جماعة المسلمين على الكفاية . والذي يتعين منه بتعيين الفرض ستر العورة ، فإن كان فيه فضل غير أنه لا يعم جميع الجسد غطى رأسه ووجهه إكراما لوجهه وسترا لما يظهر من تغير محاسنه . والأصل في هذا قصة مصعب بن عمير ، فإنه ترك يوم أحد نمرة{[3763]} كان إذا غطى رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطي رجلاه خرج رأسه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر ){[3764]} أخرج الحديث مسلم .

والوتر مستحب عند كافة العلماء في الكفن ، وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه حد . والمستحب منه البياض قال صلى الله عليه وسلم : ( البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ) أخرجه أبو داود . وكفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف{[3765]} . والكفن في غير البياض جائز إلا أن يكون حريرا أو خزا . فإن تشاح الورثة في الكفن قضي عليهم في مثل لباسه في جمعته وأعياده قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ) أخرجه مسلم . إلا أن يوصي بأقل من ذلك . فإن أوصى بسرف قيل : يبطل الزائد . وقيل : يكون في الثلث . والأول أصح ؛ لقوله تعالى : " ولا تسرفوا " {[3766]} [ الأنعام : 141 ] . وقال أبو بكر : إنه للمهلة{[3767]} . فإذا فرغ من غسله وتكفينه ووضع على سريره واحتمله الرجال على أعناقهم وهي :

الخامسة : فالحكم الإسراع في المشي ؛ لقوله عليه السلام : ( أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ) . لا كما يفعله اليوم الجهال في المشي رويدا والوقوف بها المرة بعد المرة ، وقراءة القرآن بالألحان إلى ما لا يحل ولا يجوز حسب ما يفعله أهل الديار المصرية بموتاهم . روى النسائي : أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا خالد قال أنبأنا عيينة بن عبد الرحمن قال حدثني أبي قال : شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير ، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون : رويدا رويدا ، بارك الله فيكم ! فكانوا يدبون دبيبا ، حتى إذا كنا ببعض طريق المريد{[3768]} لحقنا أبو بكرة رضي الله عنه على بغلة فلما رأى الذين يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسوط فقال : خلوا ! فوالذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنها لنكاد نرمل بها رملا ، فانبسط القوم . وروى أبو ماجدة عن ابن مسعود قال سألنا نبينا صلى الله عليه سلم عن المشي مع الجنازة فقال : ( دون الخَبَب إن يكن خيرا يعجل إليه ، وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار ) الحديث . قال أبو عمر : والذي عليه جماعة العلماء في ذلك الإسراع فوق السجية قليلا ، والعجلة أحب إليهم من الإبطاء . ويكره الإسراع الذي يشق على ضعفة الناس ممن يتبعها . وقال إبراهيم النخعي : بطئوا بها قليلا ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى . وقد تأول قوم الإسراع في حديث أبي هريرة تعجيل الدفن لا المشي ، وليس بشيء لما ذكرنا . وبالله التوفيق .

السادسة : وأما الصلاة عليه فهي واجبة على الكفاية كالجهاد . هذا هو المشهور من مذاهب العلماء : مالك وغيره ؛ لقوله في النجاشي : ( قوموا فصلوا عليه ) . وقال أصبغ : إنها سنة . وروى عن مالك . وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في " براءة " {[3769]} .

السابعة : وأما دفنه في التراب ودسه وستره فذلك واجب ؛ لقوله تعالى : " فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه " {[3770]} [ المائدة : 31 ] . وهناك يذكر حكم بنيان القبر وما يستحب منه ، وكيفية جعل الميت فيه . ويأتي في " الكهف " حكم بناء المسجد{[3771]} عليه ، إن شاء الله تعالى .

فهذه جملة من أحكام الموتى وما يجب لهم على الأحياء . وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ) أخرجه مسلم . وفي سنن النسائي عنها أيضا قالت : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالك بسوء فقال : ( لا تذكروا هلكاكم إلا بخير ) .

قوله تعالى : " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " فأجر المؤمن ثواب ، وأجر الكافر عقاب ، ولم يعتد بالنعمة والبلية في الدنيا أجرا وجزاء ؛ لأنها عرصة الفناء . " فمن زحزح عن النار " أي أبعد . " وأدخل الجنة فقد فاز " ظفر بما يرجو ، ونجا مما يخاف . وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ) . عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرؤوا إن شئتم " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " ) .

قوله تعالى : " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " أي تغر المؤمن وتخدعه فيظن طول البقاء وهي فانية . والمتاع ما يتمتع به وينتفع ، كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه ، قاله أكثر المفسرين . قال الحسن : كخضرة النبات ، ولعب البنات لا حاصل له . وقال قتادة : هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها ، فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع . ولقد أحسن من قال :

هي الدار دار الأذى والقَذَى *** ودار الفناء ودار الغير{[3772]}

فلو نلتَها بحذافيرها *** لمُتَّ ولم تَقْضِ منها الوَطَر

أيا من يؤمل طول الخلود *** وطول الخلود عليه ضرر

إذا أنت شبت وبان الشباب *** فلا خير في العيش بعد الكبر

والغرور ( بفتح الغين ) الشيطان ، يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة . قال ابن عرفة : الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه ، وفيه باطن مكروه أو مجهول . والشيطان غرور ؛ لأنه يحمل على محاب النفس ، ووراء ذلك ما يسوء . قال : ومن هذا بيع الغرر ، وهو ما كان له ظاهر بيع يغر وباطن مجهول .


[3756]:- كذا في الأصول والتقسيم ثمانية إلا جـ فسبعة وعليها الاعتماد.
[3757]:- مات عبطة: أي شابا صحيحا.
[3758]:- الكف: العيب: والبيت لعمرو بن امرئ القيس، ويقال لقيس بن الخطيم. (عن اللسان).
[3759]:- قوله معطي رأسه، أي ذلول. وناج: سريع. والصهبة: أن يضرب بياضه إلى الحمرة. والمتعيس والأعيس: الأبيض، وهو أفضل ألوان الإبل. والمعنى: سل همومك اللازمة لفراق من تهوى ونأيه عنك بكل بعير ترتحله للسفر.
[3760]:- وصف بعيرا بعظم الجوف، فإذا شد رحله عليه اغتال أحبله (جمع حبل) واستوفاها لعظم جوفه. والاغتيال: الذهاب بالشيء. والمبين: البين الطويل. وزين: زاحم ودفع. والعرندس: الشديد. ويروى: متين عنقه. (عن شرح الشواهد للشنتمري).
[3761]:- الزيادة من جـ و ط و د وهـ.
[3762]:- كذا في كل الأصول.
[3763]:- النمرة (بفتح فكسر): شملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف تلبسها الأعراب.
[3764]:- الإذخر (بكسر الهمزة): حشيشة طيبة الرائحة، يسقف بها البيوت فوق الخشب.
[3765]:- قوله: سحولية، يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلى السحول، وهو القصار لأنه يسلحها أي يغسلها، أو إلى سحول وهي قرية باليمن. وأما الضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي: ولا يكون إلا من قطن. والكرسف كعصفر: القطن.
[3766]:- راجع جـ4 ص 110.
[3767]:- المهلة (مثلثة الميم): القيح والصديد الذي يذوب فيسيل من الجسد.
[3768]:- المبرد كمنبر: موضع قرب المدينة.
[3769]:- راجع جـ8 ص 218.
[3770]:- راجع جـ6 ص 141.
[3771]:- راجع جـ10 ص 378.
[3772]:- في جـ: العبر.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (185)

ولما تقدم في قصة أحد رجوع المنافقين وهزيمة بعض المؤمنين مما{[20043]} كان سبب ظفر الكافرين ، وعاب سبحانه ذلك{[20044]} عليهم بأنهم هربوا من موجبات{[20045]} السعادة والحياة الأبدية إلى ما لا بد منه ، وإلى ذلك أشار بقوله{[20046]} :{ قل لو كنتم في بيوتكم }[ آل عمران : 154 ] { ولئن قتلتم في سبيل الله }[ آل عمران : 157 ]

{ قل فادرءوا عن أنفسكم الموت }[ آل عمران : 168 ] { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله }[ آل عمران : 169 ] وغير ذلك مما{[20047]} بكتهم به في رجوعهم حذر الموت وطلب امتداد العمر ، مع ما افتتح به من أن موت هذا النبي الكريم وقتله{[20048]} ممكن كما كان من قبله من إخوانه من الرسل على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام ! وختم بالإخبار بأنه وقع قتل كثير من الرسل{[20049]} ، فكان ذلك محققاً لأنه لا يصان من الموت خاص ولا عام ، مضموماً إلى ما نشاهد من ذلك في كل لحظة ؛ صوَّر ذلك الموت بعد أن صار مستحضراً للعيان تصويراً أوجب{[20050]} التصريح به إشارة إلى أن حالهم في هربهم ورجوعهم وما تبع{[20051]} ذلك من قولهم حال من هو في شك منه فقال تعالى : { كل نفس } أي منفوسة{[20052]} من عيسى وغيره من أهل الجنة والنار { ذآئقة الموت } أي وهو المعنى الذي يبطل{[20053]} معه تصرف الروح في البدن وتكون هي باقية بعد موته لأن الذائق لا بد أن يكون حال ذوقه حيّاَ حساساً{[20054]} ، ومن يجوز عليه ذوق الموت يجوز عليه ذوق النار ، وهو عبد محتاج ، فالعاقل من سعى{[20055]} في النجاة منها والإنجاء{[20056]} كما فعل الخلص الذين منهم عيسى ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام ، وكان نظمها بعد الآيات المقتضية لتوفية الأجور {[20057]}بالإثابة{[20058]} عليها وأنه ليس بظلام للعبيد شديد الحسن ، وذلك مناسب أيضاً لختم الآية بالتصريح لتوفية الأجور يوم الدين ، وأن الزحزحة عن النار ودخول{[20059]} الجنة لهو الفوز{[20060]} ، لا الشح في الدنيا بالنفس والمال الذي{[20061]} ربما كان سبباً لامتداد العمر وسعة المال بقوله : { وإنما توفون } أي تعطون { أجوركم } على{[20062]} التمام جزاء على{[20063]} ما عملتموه من خير وشر { يوم القيامة } وأما ما يكون قبل ذلك من نعيم القبر ونحوه فبعض لا وفاء { فمن زحزح } أي أبعد في ذلك اليوم إبعاداً عظيماً سريعاً { عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } أي بالحياة الدائمة والنعيم الباقي .

والمعنى أن كل نفس توفى ما عملت ، فتوفى أنت أجرك على صبرك على أذاهم ، وكذا من أطاعك ، و{[20064]}يجازون هم{[20065]} على ما فرطوا في حقك فيقذفون في غمرة النار ، وكان الحصر إشارة إلى تقبيح إقبالهم على الغنيمة وغيرها من التوسع العاجل ، أي إنما مقتضى الدين الذي دخلتم فيه هذا ، وذلك ترهيباً من الالتفات إلى تعجل شيء من الأجر في الدنيا - كما قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه في أول إسلامه : وجدت بضاعة بنسيئة ، ما وقعت{[20066]} على بضاعة قط أنفس منها ، وهي لا إله إلا الله . فالحاصل أن{[20067]} " كل نفس " أي حذرة من الموت ومستسلمة { ذائقة الموت } أي فعلام الاحتراس منه بقعود عن الغزو أو هرب من العدو ! { وإنما توفون أجوركم } أي يا أهل الإسلام التي{[20068]} وعدتموها على الأعمال الصالحة { يوم القيامة } أي فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى الغنائم أو{[20069]} غيرها مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته{[20070]} في الحياة الدنيا { فمن } أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى تسبب عن ذلك أنه من { زحزح عن النار } أي بكونه وفي أجره ولم يتعجل طيباته{[20071]} { وأدخل الجنة } أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة الدائمة مع الطيبات الباقية { فقد فاز } أي كل الفوز ، ولما صح أنه لا فوز إلا ذلك صح قوله : { وما الحياة الدنيا } أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن الشهداء { إلا متاع الغرور * } أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على الناس حتى يغتروا به فيغبنوا{[20072]} بترك الباقي وأخذ الأشياء الزائلة بانقضاء{[20073]} لذاتها والندم على شهواتها بالخوف من تبعاتها .

وفي ذلك أيضاً مناسبة من وجه آخر ، وهو أنه لما سلاه سبحانه وتعالى بالرسل - الذين لازموا الصبر والاجتهاد في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم . وتركوا ما كان بأيديهم عاجزين عن المدافعة ، ولم يبق إلا ملكه سبحانه وتعالى ، وأن الفريقين ينتظرون الجزاء ، فالرسل لتمام الفوز ، والكفار لتمام الهلاك ؛ أخبر أن كل نفس كذلك ، ليجتهد الطائع ويقتصر العاصي ، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء : { لو أطاعونا ما قتلوا } أي إن الذي فررتم منه لا بد منه ، والحياة التي آثرتموها متاع يندم عليه من محضه{[20074]} للتمتع كما يندم المغرور بالمتاع{[20075]} الذي غر به ، فالسعيد من سعى في أن يكون موته في رضى مولاه الذي لا محيص له عن الرجوع إليه والوقوف بين يديه .


[20043]:من ظ ومد، وفي الأصل: بما.
[20044]:سقط من ظ.
[20045]:من ظ ومد، وفي الأصل: موخات ـ كذا.
[20046]:في ظ ومد: قوله.
[20047]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[20048]:في ظ: فعله.
[20049]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20050]:في ظ: وجب.
[20051]:في ظ: يتبع.
[20052]:من ظ ومد، وفي الأصل: نفوسة.
[20053]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20054]:في ظ: يدخل، وفي مد: ينخل.
[20055]:في ظ: ببقى.
[20056]:في مد: الجاء ـ كذا.
[20057]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20058]:من مد، وفي ظ: في الإثابة.
[20059]:من مد، وفي ظ: بدخول.
[20060]:من مد، وفي ظ: هو.
[20061]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومدز
[20062]:سقط من ظ.
[20063]:سقط من مد.
[20064]:في الأصل: يجازونهم، وفي ظ: مجازواهم، وفي مد: يجازواهم ـ كذا.
[20065]:في الأصل: يجازونهم، وفي ظ: مجازواهم، وفي مد: يجازواهم ـ كذا.
[20066]:في ظ: وضعت.
[20067]:في ظ ومد: أنه.
[20068]:في الأصول: الذي.
[20069]:من مد، وفي الأصل وظ "و".
[20070]:سقط من ظ.
[20071]:سقط من ظ
[20072]:في مد: فيغضبوا..
[20073]:في ظ: في انقضاء.
[20074]:في ظ: ممن.
[20075]:ليس في ظ ومد.