الرابعة عشرة : قوله تعالى : " فاستجاب لهم ربهم " أي أجابهم . قال الحسن : ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم . وقال جعفر الصادق : من حزبه{[3821]} أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه لله مما يخاف وأعطاه ما أراد . قيل : وكيف ذلك ؟ قال : اقرؤوا إن شئتم " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " إلى قوله : " إنك لا تخلف الميعاد " [ آل عمران : 191 - 194 ] .
الخامسة عشرة : قوله تعالى : " أني " أي بأني . وقرأ عيسى بن عمر " إني " بكسر الهمزة ، أي فقال : إني . وروى الحاكم أبو عبدالله في صحيحه عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله ، ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء ؟ فأنزل الله تعالى : " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من : ذكر أو أنثى " الآية . وأخرجه الترمذي . ودخلت " من " للتأكيد ؛ لأن قبلها حرف نفي . وقال الكوفيون : هي للتفسير ولا يجوز حذفها ؛ لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا به ، وإنما تحذف إذا كان تأكيدا للجحد . " بعضكم من بعض " ابتداء وخبر ، أي دينكم واحد . وقيل : بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشبه ذلك . وقال الضحاك : رجالكم شكل نسائكم في الطاعة ، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة ، نظيرها قوله عز وجل : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " {[3822]} [ التوبة : 71 ] . ويقال : فلان مني ، أي على مذهبي وخلقي .
السادسة عشرة : قوله تعالى : " فالذين هاجروا " ابتداء وخبر ، أي هجروا أوطانهم وساروا إلى المدينة . " وأخرجوا من ديارهم " في طاعة الله عز وجل . " وقاتلوا " أي وقاتلوا أعدائي . " وقتلوا " أي في سبيلي . وقرأ ابن كثير وابن عامر : " وقاتلوا وقتلوا " على التكثير . وقرأ الأعمش " وقتلوا وقاتلوا " لأن الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأول . وقيل : في الكلام إضمار قد ، أي قتلوا وقد قاتلوا ، ومنه قول الشاعر :
تَصَابَى وأمْسَى عَلاَهُ الكِبَر
أي وقد علاه الكبر . وقيل : أي وقد قاتل من بقي منهم ، تقول العرب : قتلنا بني تميم ، وإنما قتل بعضهم . وقال امرؤ القيس :
وقرأ عمر بن عبد العزيز : " وقتلوا وقتلوا " خفيفة بغير ألف . " لأكفرن عنهم سيئاتهم " أي لأسترنها عليهم في الآخرة ، فلا أوبخهم بها ولا أعاقبهم عليها . " ثوابا من عند الله " مصدر مؤكد عند البصريين ؛ لأن معنى " لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار " لأثيبنهم ثوابا . الكسائي : انتصب على القطع . الفراء : على التفسير . " والله عنده حسن الثواب " أي حسن الجزاء ، وهو ما يرجع على العامل من{[3823]} جراء عمله ، من ثاب يثوب .
ولما تسبب عن هذا الدعاء الإجابة{[20180]} لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى بعد معرفته بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتاحه بالثناء عليه سبحانه وتنزيهه والإخلاص في سؤاله{[20181]} قال : { فاستجاب } أي فأوجد الإجابة حتماً { لهم } قال الأصفهاني : وعن جعفر الصادق : من حزبه أمر فقال خمس مرات " ربنا " أنجاه الله مما يخاف ، وأعطاه ما أراد - وقرأ هذه الآية . وأشار إلى أنها من{[20182]} منّه وفضله بقوله{[20183]} : { ربهم } أي المحسن إليهم المتفضل عليهم { إني لا أضيع عمل عامل منكم } كائناً من كان { من ذكر أو أنثى } وقوله معللاً : { بعضكم من بعض } التفات إلى قوله{[20184]} سبحانه
{ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم }[ آل عمران : 59 ] الناظر إلى قوله{[20185]} { ذرية بعضها من بعض }[ آل عمران : 34 ] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى{ اصطفى آدم ونوحاً }[ آل عمران : 33 ] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد - الذي ليس كمثله شيء الحي القيوم - سواء من غير تفاوت في ذلك أصلاً ، والمراد أنهم إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل .
ولما أقر أعينهم بالإجابة ، وكان قد تقدم ذكر الأنصار{[20186]} عموماً في قوله :{ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين{[20187]} }[ آل عمران : 170-171 ] خص المهاجرين بياناً لفضلهم وزيادة شرفهم بتحقيقهم لكونهم معه ، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال بقوله مسبباً عن الوعد المذكور ومفصلاً ومعظماً ومبجلاً{[20188]} : { فالذين هاجروا } أي صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس إليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة{[20189]} وأعز البلاد عليهم .
ولما كان للوطن من القلب منزل{[20190]} ليس لغيره نبه عليه بقوله : { وأخرجوا من ديارهم } أي{[20191]} وهي آثر المواطن عندهم بعد أن باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إليهم ، ولما كان الأذى مكروهاً لنفسه لا بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله : { وأوذوا } أي بغير ذلك من أنواع الأذى { في سبيلي } أي بسبب ديني الذي نهجته{[20192]} ليسلك إليّ فيه ، وحكمت أنه لا وصول إلى رضائي بدونه{[20193]} { وقاتلوا } أي في سبيلي .
ولما كان القتل نفسه هو المكروه{[20194]} ، لا بالنسبة إلى معين ؛ كان المدح على اقتحام موجباته ، فبنى للمفعول قوله : { وقتلوا } أي فيه فخرجوا بذلك عن مساكن أرواحهم بعد النزوح{[20195]} عن منازل أشباحهم ، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أبلغ معنى ، لأنها أشد ترغيباً في الإقدام على الأخصام ، لأن من استقتل{[20196]} أقدم على الغمرات إقدام الأسد فقتل{[20197]} أخص منه{[20198]} ولم يقف أحد أمامه ، فكأنه قيل{[20199]} : وأرادوا{[20200]} القتل ، هذا{[20201]} بالنظر إلى الإنسان نفسه ، ويجوز أن يكون الخطاب للمجموع{[20202]} فيكون المعنى : وقاتلوا بعد أن رأوا كثيراً من أصحابهم قد قتل { لأكفرن عنهم سيئاتهم } كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك علماً منهم بأن أحداً لن يقدر على أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد { ولأدخلنهم } أي بفضلي { جنات تجري من تحتها الأنهار } كما سبق به{[20203]} الوعد { ثواباً } وهو وإن كان على أعمالهم فهو فضل منه ، وعظمه بقوله : { من عند الله } أي المنعوت بالأسماء الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم لا توازي أقل نعمه { والله } أي الذي له{[20204]} الجلال والإكرام{[20205]} ، ونبه على عظمة المحدث عنه بالعندية فقال : { عنده } أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية العظمة { حسن الثواب * } أي وهو ما لا شائبة كدر فيه ، لأنه شامل القدرة بخلاف غيره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.