لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (16)

قوله جل ذكره : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .

في الظاهر : عن الفِراش قياماً بحقِّ العبادة والجهد والتهجد . وفي الباطن : تتباعد قلوبُهم عن مضاجعات الأحوال ، ورُؤية قَدّرِ النفس ، وتوَّهُمِ المقَام - فإن ذلك بجملته حجابٌ عن الحقيقة ، وهو للعبد سُمِّ قاتل - فلا يساكَنون أعمالَهم ولا يلاحظون أحوالَهم . ويفارقون مآلِفَهم ، ويَهجرون في الله معَارفَهم .

والليل زمان الأحباب ، قال تعالى : { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ }[ يونس : 67 ] : يعني عن كلّ شُغل وحديثِ سوء حديث محبوبكم . والنهارُ زمانُ أهل الدنيا ، قال تعالى :

{ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً } [ النبأ : 11 ] ، أولئك قال لهم : { فإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ }[ الجمعة : 10 ] .

إذا ناجيتمونا في ركعتين في الجمعة فعودوا إلى متجركم ، واشتغلوا بحرفتكم .

وأما الأحبابُ فالليلُ لهم إِمَّا في طرَب التلاقي وإما في حَرَب الفراقِ ، فإن كانوا في أُنْسِ القرابة فَلَيْلَهُم أقصرُ من لحظة ، كما قالوا :

زارني مَنْ هَوَيْتُ بعد بعادٍ *** بوصال مُجَدَّدٍ وودادِ

ليلة كاد يلتقي طرفاها *** قِصَراً وهي ليلة الميعادِ

وكما قالوا :

وليلةٍ زَيْنُ ليالي الدهر *** قابلتُ فيها بدرها ببدر

لم تَسْتَبِن عنْ شققٍ وفجرِ *** حتى تولَّت وهي بِكْرُ الدهر

وأمَّا إن كان الوقتُ وقتَ مقاساةِ فُرقة وانفرادٍ بكُرْبة فَلَيْلُهم طويل ، كما قالوا :

كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها *** أفْنَيْتُها قابضاً على كبدي

قد غُصَّت العينُ بالدموع وقد *** وضعتُ خدي على بنان يدي

قوله : { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } [ السجدة : 16 ] : قومٌ خوفاً من العذاب وطمعاً في الثواب ، وآخرون خوفاً من الفراقِ وطمعاً في التلاقي ، وآخرون خوفاً من المكر وطمعاً في الوَصْلِ .

{ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } : يأتون بالشاهد الذي خصصناهم به ؛ فإنْ طَهَّرْنا أحوالَهم عن الكدورات حضروا بأحوالٍ مُقَدَّسة ، وإِنْ دَنَّسَّا أوقاتهم بالآفاتِ شهدوا بحالاتٍ مُدّنَّسَة ، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ؛ فالعبدُ إنما يتجر في البضاعة التي يودعها لديه سَيِّدُه :

يفديكَ بالروح صَبٌّ لو يكون له *** أعزّ من روحه شيء فداك به

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (16)

وقوله تعالى : { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } جملة مستأنفة لبيان بقية محاسنهم .

وجوز أن تكون حالية أو خبراً ثانياً للمبتدأ ، والتجافي البعد والارتفاع ؛ والجنوب جمع جنب الشقوق ، وذكر الراغب أن أصل الجنب الجارحة ثم يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال ، و { المضاجع } جمع المضجع أماكن الاتكاء للنوم أي تتنحى وترتفع جنوبهم عن مواضع النوم وهذا كناية عن تركهم النوم ومثله قول عبد الله بن رواحة يصف النبي صلى الله عليه وسلم :

نبي تجافي جنبه عن فراشه *** إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

والمشهور أن المراد بذلك التجافي القيام لصلاة النوافل بالليل وهو قول الحسن . ومجاهد . ومالك . والأوزاعي . وغيرهم . وفي الأخبار الصحيحة ما يشهد له ، أخرج أحمد . والترمذي وصححه . والنسائي . وابن ماجه . ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة . وابن جرير . وابن أبي حاتم . والحاكم . وصححه . وابن مردويه . والبيهقي في شعب الإيمان عن معاذ بن جبل قال : «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير فقلت : يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار ؟ قال : لقد سألت عن عظيم وأنه يسير على من يسره الله تعالى عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة والصدقة تطفيء الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قرأ { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } حتى بلغ يعملون » الحديث .

وقال أبو الدرداء . وقتادة . والضحاك هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة ، وعن الحسن . وعطاء هو أن لا ينام الرجل حتى يصلي العشاء ، أخرج الترمذي وصححه . وابن جرير . وغيرهما عن أنس قال : إن هذه الآية { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعي العتمة ، وفي رواية أخرى عنه أنه قال فيها : نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هو أن يصلي الرجل المغرب ويصلي بعدها إلى العشاء ، فقد أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد . وابن عدي . وابن مردويه عن مالك بن دينار قال : سألت أنس بن مالك عن هذه الآية { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } قال : كان قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون بعدها إلى عشاء الآخرة فنزلت هذه الآية فيهم ، وقال قتادة . وعكرمة : هو أن يصلي الرجل ما بين المغرب والعشاء ؛ واستدل به بما أخرجه محمد بن نصر عن عبد الله بن عيسى قال : كان ناس من الأنصار يصلون ما بين المغرب والعشاء فنزلت فيهم { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : تتجافي جنوبهم لذكر الله تعالى كلما استيقظوا ذكروا الله عز وجل إما في الصلاة وإما في قيام أو قعود أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله تعالى ، وروى نحوه هو . ومحمد بن نصر عن الضحاك . والجمهور عولوا على ما هو المشهور ، وفي فضل التهجد ما لا يحصى من الأخبار وأفضله على ما نص عليه غير واحد ما كان في الأسحار .

{ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } حال من ضمير { جُنُوبُهُمْ } وقد أضيف إليه ما هو جزء ، وجوز على احتمال كون جملة { تتجافي } الخ حالية أن تكون حالاً ثانية مما جعلت تلك حالاً منه وعلى احتمال كونها خبراً ثانياً للمبتدأ أن تكون خبراً ثالثاً ، وجوز كونها مستأنفة ، والظاهر أن المراد بدعائهم ربهم سبحانه المعنى المتبادر ، وقيل : المراد به الصلاة { خَوْفًا } أي خائفين من سخطه تعالى وعذابه عز وجل وعدم قبول عبادتهم { وَطَمَعًا } في رحمته تبارك وتعالى فالمصدران حالان من ضمير { يَدَّعُونَ } وجوز أن يكونا مصدرين لمقدر أي يخافون خوفاً ويطمعون طمعاً وتكون الجملة حينئذٍ حالاً ، وأن يكونا مفعولاً له ولا يخفي أن الآية على الحالية أمدح .

{ وَمِمَّا رزقناهم } إياه من المال { يُنفِقُونَ } في وجوه الخير .

ومن باب الإشارة : وفي قوله : { وَمِمَّا رزقناهم } أي من المعارف وأنواع الفيوضات { يُنفِقُونَ } [ السجدة : 16 ] إشارة إلى تكميلهم للغير بعد كما لهم في أنفسهم وذكر القوم أن العذاب الأدنى الحرص على الدنيا . والعذاب الأكبر العذاب على ذلك .

وقال بعضهم : الأول التعب في طلب الدنيا والثاني شتات السر ، وقيل : الأول حرمان المعرفة والثاني الاحتجاب عن مشاهدة المعروف ، وقيل : الأول الهوان والثاني الخذلان