لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{كٓهيعٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

بسم الله ، اسم عزيز من عبده واصل جهاده ، ومن طلبه ودع وساده ، ومن عرفه أنكر أحبابه . ومن يسر له أوقفه على محبته .

من ذكره نسي اسمه ، ومن شهده فقد عقله ولبه .

اسم عزيز جبلت القلوب على محبته ، وكل قلب ليس يوقفه على محبته ، فليس بحيلة يصل .

اسم ما اتصفت أشباح الأبرار إلا بعبادته ، وما اعتكفت أرواح الأحرار إلا بمشاهدته .

اسم عزيز من عرفه اعترف أنه وراء ما وصفه .

تعريفٌ للأحباب بأسرار معاني الخطاب ، حروف خَصَّ الحقُّ المخَاطبَ بها بفهم معانيها ، وإذا كان للأخيار سماعُها وذِكْرُها ، فللرسول ِ - عليه السلام - فَهْمُها وسِرُّها .

ويقال أشار بالكاف إلى أنه الكافي في الإنعام والانتقام ، والرفع والوضع على ما سبق به القضاء والحُكْم .

ويقال في الكاف تعريفٌ بكونه مع أوليائه ، وتخويفٌ بخِّفي مَكْرِه في بلائه .

ويقال في الكاف إشارة إلى كتابته الرحمة على نَفْسِه قبل كتابة الملائكة الزَّلَّةَ على عباده .

والهاءُ تشير إلى هدايته المؤمنين إلى عرفانه ، وتعريف خواصه باستحقاق جلال سلطانه ، وما له من الحق بحكم إحسانه .

والياء إشارة إلى يُسْر نِعَمِه بعد عُسْرِ مِحَنِه . وإلى يده المبسوطة بالرحمة للمؤمنين من عباده .

والعين تشير إلى عِلْمِه بأحوالِ عَبْدِهِ في سِرَّه وجَهْرِهِ ، وقُلِّه وكُثْرِه ، وحالِه ومآلِه ، وقدْرِ طاقته وحق فاقته .

وفي الصاد إلى أنه الصادق في وعده .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{كٓهيعٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية وآياتها ثمان وتسعون آية . ويأتي جلها في تبيان الأخبار عن خير نساء الدنيا ، المرأة الطاهرة الفضلى ، العذراء البتول مريم ابنة عمران عليها السلام . هذه المرأة المميزة بشرفها وطهرها وتبتلها وإخلاصها ؛ لهي ذات قصة مثيرة تنتزع العجب وتستنفر اليقين بعظيم قدرة الله وبالغ مشيئته وسلطانه ؛ إذ أوحى إليها روحه مبشرا إياها بغلام تلده دون نكاح أو مسيس . فكان الحدثٌ الهائل الأجلُ في ولادة النبي المكرم المفضال ، عيسى المسيح ، نفخة من روح الله وكلمته ألقاها إلى أمه مريم .

لقد كانت هذه واحدة من كبرى المعجزات الكونية الهائلة التي أجراها الله في خلقه لتكون على الدوام دليلا على طهر البتول وعلى صدق ولدها المعظم ؛ إذ بعثه الله نبيا هاديا لبني إسرائيل .

قال القرطبي في هذا الصدد : لما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار ، قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة ؛ فاهدوا إلى النجاشي ؛ وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده من قريش فتقتلوهم بمن قتل منكم ببدر . فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فسمع رسول الله ( ص ) ببعثهما ، فبعث رسول الله ( ص ) عمرو ابن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله ( ص ) ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم . وقاموا تفيض أعينهم من الدمع . فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) . وفي السيرة : قال النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله شيء . فقرأ جعفر ( كهيعص ) فبكى النجاشي حتى أحضل{[1]} لحيته وبكت أساقفهم حتى أخضلوا لحاهم حين سمعوا ما يتلى عليهم ، فقال النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا{[2]} .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ كهيعص ( 1 ) ذكر رحمة ربك عبده زكريا ( 2 ) إذ نادى ربه نداه خفيا ( 3 ) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ( 4 ) وإني خفت المولى من وراءك وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا ( 5 ) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ( 6 ) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ( 7 ) } .

تقدم الكلام عن مثل هذه الحروف من فواتح بعض السور .


[1]:مختار الصحاح للرازي ص 461.
[2]:مختار الصحاح ص 236.