لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ} (18)

قال هي عصاي ، وأخذ يُعدِّد ما له فيها من وجوه الانتفاع فقال له : { قَالَ أَلْقِهَا يا مُوسَى } .

فإنَّك بنعت التوحيد ، واقفٌ على بساط التفريد ، ومتى يصحُّ ذلك ، ومتى يَسْلَمُ لك أن يكون لَكَ معتمدٌ تتوكأ عليه ، ومستند عليه تستعين ، وبه تنتفع ؟

ثم قال : { وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى } : أَوَّلُ قَدَمٍ في الطريق تَرْكُ كلِّ سَبَبٍ ، والتَّنَقِّي عن كل طَلَبٍ ؛ فكيف كان يَسْلَمُ له أن يقول : أَفْعَلُ بها ، وأمتنع ، ولي فيها مآرب أخرى .

ويقال ما ازداد موسى - عليه السلام - تفصيلاً في انتفاعه بعصاه إلا كان أقوى وأَوْلَى بأن يؤمن بإلقائها ، والتنقي عن الانتفاع بها على موجب التفرُّد لله .

ويقال التوحيد التجريد ، وعلامةُ صحته سقوط الإضافات بأْسْرِها ؛ فَلا جَرَمَ لما ذكر موسى - عليه السلام - ذلك أُمِرَ بإلقائها فجعلها اللَّهُ حَيَّةً تسعى ، وولَّى موسى هارباً ولم يُعَقِّب . وقيل له يا موسى هذه صفة العلاقة ؛ إذا كوشِفَ صاحبُها بِِسِرِّها يهرب منها .

ويقال لمَّا باسطه الحقُّ بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب ، فأجاب عما يُسْأَل وعمَّا لم يُسْأَل فقال : { وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى } : وذَكَرَ وجوها من الانتفاع ؛ منها أنه قال تؤنسني في حال وحدتي ، وتضيءُ لي الليلَ إذا أظلم ، وتحملني إذ عَييتُ في الطريق فأركبُها ، وأَهُشُّ به على غنمي ، وتدفع عني عَدَوِّي . وأعظم مأربٍ لي فيها أَنَّكَ قُلْتَ : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ؟ } وأيةُ نعمةٍ أو مأربٍ أو منفعةٍ تكون أعظمَ مِنْ أَنْ تقولَ لي : وما تلك ؟ ويقال قال الحقُّ - بعد ما عدَّد موسى وجوَه الآياتِ وصنوفَ انتفاعِه بها - ولَكَ يا موسى فيها أشياءٌ أخرى أنت غافلٌ عنها وهي انقلابُها حيةً ، وفي ذلك لك معجزةٌ وبرهانُ صِدْقٍ .

ويقال جميعُ ما عَدَّدَ من المنافع في العصا كان من قِبَلِ الله . . . . فكيف له أن ينسبها ويضيفها إلى نفسه ، ولهذا قالوا :

يا جنَّة الخُلْدِ ، والهدايا إذا *** تُهدَى إليك فما مِنْكِ يُهْدَى

ويقال قال موسى لها رآها حيةً تهتز : لقد عَلِمْتُ كلَّ وصفٍ بهذه العصا ، أَمَّا هذه الواحدة فلم أعرفها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ} (18)

فأجاب موسى عليه السلام في أدب بالغ وخضوع جم ( هي عصاي أتوكؤا عليها ) أي أعتمد عليها ، وأتحامل عليها في المشي والوقوف ، ومنه الاتكاء{[2950]} .

قوله : ( وأهش بها على غنمي ) أهش بها أي أخبط الورق بالعصا ليتحات{[2951]} والمراد " أن موسى عليه السلام كان يضرب بعصاه أغصان الشجر ليسقط منها الورق فتأكله الغنم .

قوله : ( ولى فيها مآرب أخرى ) ( مآرب ) ، جمع ومفرده مأربة وهي الحاجة ؛ أي كانت لموسى في عصاه منافع وحوائج أخرى غير الاعتماد عليها . ومن منافعه وحوائجه المستفادة من العصا : أن يصلها بالرشا فيخرج بها الماء من البئر . وإذا أصابته شمس غرزها في الأرض وألقى عليها شيئا فاستظل به . وكذلك فإنه يقتل بها ما يجده من هوام الأرض ، أو يقاتل بها السباع عن الغنم وغير ذلك من الحاجات والفوائد التي أجملها القول الرباني العذب بإيقاعه المستلذ ونغمه الذي تشتهيه النفس وهو قوله : ( ولي فيها مآرب أخرى ) .


[2950]:- المصباح المنير جـ2 ص 348.
[2951]:- مختار الصحاح ص 695.