تكلَّم الفقهاءُ في صفةِ الفقيرِ ، والفرقِ بينه وبين المسكين لما احتاجوا إليه في قسمة الزكاة المفروضة . . فأبو حنيفة رحمة الله عليه - يقول : المسكينُ الذي لا شيء له . والفقيرُ الذي له بُلْغَةٌ من العيش .
ويقول الشافعي رحمة الله عليه : الفقير الذي لا شيء له ، والمسكين الذي له بُلْغَةٌ من العيش - أي بالعكس .
وأهل المعرفة اختلفوا فيه ؛ فمنهم من قال بالأول ، ومنهم من قال بالقول الثاني ، واختلافهم ليس كاختلاف الفقهاء ؛ وذلك لأن كلَّ واحدٍ منهم أشار إلى ما هو حاله ووقته ووجوده وشربه ومقامه . فَمِنْ أهل المعرفة مَنْ رأى أَنَّ أَخْذَ الزكاةِ المفروضة أَوْلى ، قالوا إلى الله تعالى جعل ذلك مِلْكا للفقير ، فهو أَحَلُّ له مما يُتَطَوَّعُ به عليه .
ومنهم من قال : الزكاة المفروضة مستحقة لأقوام ، ورأوا الإيثار على الإخوان أوْلى من أن يزاحموا أرباب السهمان - مع احتياجهم أخذ الزكاة - وقالوا : نحن آثرنا الفَقْرَ اختياراً . . فَلِمَ نأخذ الزكاة المفروضة ؟
ثم على مقتضى أصولهم في الجملة - لا في أخذ الزكاة - للفقر مراتب :
أوَّلُها الحاجةُ ثم الفقرُ ثم المسكنةُ ؛ فذو الحاجة مَنْ يرضى بدنياه وتسدُّ الدنيا فقرَه ، والفقير مَنْ يكتفي بعقباه وتجبُرُ الجنة فقرُه . والمسكين مَنْ لا يرضى بغير مولاه ؛ لا إلى الدنيا يلتفت ، ولا بالآخرة يشتغل ، ولا بغير مولاه يكتفي ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم أحيني مسكيناً وأمتني سكيناً ، واحشرني في زمرة المساكين " وقال صلى الله عليه وسلم " أعوذ بك من الفقر " لأن عليه بقية ؛ فهو ببقيته محجوبٌ عن ربِّه .
ويحسن أن يقال إن الفقر الذي استعاذ منه ألا يكون له منه شيء ، والمسكنة المطلوبة أن تكون له بُلْغَةٌ ليتفرَّغَ بوجود تلك البلغة إلى العبادة ؛ لأنه إذا لم تكن له بلغة شَغَلَه فَقْرُه عن أداء حقِّه ، ولذلك استعاذ منه .
وقوم سَمَتْ هِمَمهُم عن هذا الاعتبار - وهذا أَوْلى بأصولهم - فالفقير الصادق عندهم مَنْ لا سماءَ تُظِله ولا أرضَ تُقِلُّه ولا معلومَ يشغله ، فهو عبدٌ بالله لله ، يردُّه إلى التمييز في أوان العبودية ، وفي غير هذا الوقت فهو مُصطَلَم عن شواهده ، واقِفٌ بربِّه ، مُنْشَقٌّ عن جملته .
ويقال الفَقِيرُ من كُسِرَتْ فقاره - هذا في العربية .
والفقير - عندهم - مَنْ سَقَطَ اختياره ، وتعطلت عنه دياره ، واندرست - لاستيلاء مَنْ اصْطَلمَه - آثارُه ، فكأنه لم تبقَ منه إلا أخبارُه ، وأنشدوا :
أَمَّا الرسومُ فَخَبَّرتْ أنهم رحلوا قريباً *** . . .
ويقال المسكين هو الذي أسكنه حالُه بباب مقصوده ، لا يبرح عن سُدَّتِه ، فهو مُعْتَكِفٌ بقلبه ، ولا يغفل لحظةً عن ربِّه .
وأمَّا { وَالعَاملِينَ عَلَيْهَا } فعلى لسان العلم : مَنْ يتولى جمع الزكاة على شرائطها المعلومة . وعلى لسان الإشارة : أَوْلَى الناس بالتصاون عن أخذ الزكاة مَنْ صَدَقَ في أعماله لله ، فإنهم لا يرجون على أعمالهم عِوَضاً ، ولا يتطلبون في مقابلة أحوالهم عَرَضا ، وأنشدوا :
وما أنا بالباغي على الحب رِشْوَةٌ *** قبيحٌ هوىً يُرجَى عليه ثواب
وأمّا المؤلَّفة قلوبهم - على لسان العلم - فمَنْ يُسْتَمَالُ قلبه بنوع إرفاقٍ معه ، ليتوفَّر في الدين نشاطُه ؛ فلهم من الزكاة سهمٌ استعطافاً لهم ، وبيان ذلك مشهورٌ في مسائل الفقه .
وحاشا أن يكون في القوم مَنْ يكون حضورُه بسبب طَمَع أو لنَيْل ثوابٍ أو لرؤية مقام أو لاطلاع حال . . فذلك في صفة العوام ، فأما الخواص فكما قالوا .
من لم يكن بك فانياً عن حظه *** وعن الهوى والإنْسِ والأحباب
أو تيمته صبابة جمعت له *** ما كان مفترقاً من الأسباب
فلأنَّ بين المراتب واقفٌ *** لِمَنَالِ حظٍّ أو الحُسْنِ مآبِ
قوله جلّ ذكره : { وَفِى الرِّقَابِ } .
وهم على لسان العلم : المكاتَبُون ، وشرحه في مسائل الفقه معلوم .
وهؤلاء لا يتحررون ولهم تعريج على سبب ، أو لهم في الدنيا والعقبى أرب ، فهم لا يستفزُّهم طلب ، فَمَنْ كان به بقية من هذه الجملة فهو عبدٌ لم يتحرر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله : " المكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم " وأنشد بعضهم :
أتمنى على الزمان مُحَالاً *** أَنْ ترى مقلتاي طَلْعَةَ حُرِّ
قوله جلّ ذكره : { وَالغَارِمِينَ } .
وهم على لسان العلم : مَنْ عليهم دَيْنٌ في غير معصية .
وهؤلاء القوم لا يقضى عنهم ما لزمهم امتلاك الحق ، ولهذا قيل المعرفة غريم لا يُقْضَى دَيْنُه .
قوله جلّ ذكره : { وَفِى سَبِيلِ اللهِ } .
وعلى لسان العلم : مَنْ سلك سبيلَ الله وَجبَ له في الزكاة سهمٌ على ما جاء بيانُه في مسائل الفقه .
وفي هذه الطريقة : مَنْ سلك سبيلَ الله تتوجَّبُ عليه المطالبات ؛ فيبذل أولاً مالَه ثم جاهَه ثم نَفْسه ثم روحَه . . وهذه أول قَدَمٍ في الطريق .
قوله جلّ ذكره : { وَابْنِ السَّبِيلِ } .
وهو على لسان العلم : مَنْ وقع في الغُربة ، وفارَقَ وطَنه على أوصاف مخصوصة .
وعند القوم : إذا تَغَرَّبَ العَبدُ عن مألوفات أوطانه فهو في قِرَى الحقِّ ؛ فالجوعُ طعامُه ، والخلوةُ مجلسُه ، والمحبةُ شرابُه ، والأُنْسُ شهوده ، والحقُّ - تعالى - مشهودُه . قال تعالى :{ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا }[ الإنسان : 21 ] : لقوم وَعْدٌ في الجنة ، ولآخرين نَقْدٌ في الوقت ؛ اليوم شرابُ المحابِّ وغداً شراب الثواب ، وفي معناه أنشدوا :
وَمُقعدِ قومٍ قد مشى من شرابنا *** وأعمى سقيناه ثلاثاً فأَبْصَرَا
وأخرسَ لم ينطِقْ ثلاثين حِجَّةً *** أَدِرْنا عليه الكأسَ يوماً فأخبرا
قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية ، بين الله تعال في هذه الآية أهل سهمان الصدقات وجعلها لثمانية أصناف . وروي عن زياد بن الحارث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته ، فأتاه رجل وقال : أعطني من الصدقة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزاها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك " . قوله تعالى { للفقراء والمساكين } . فأخذ أصناف الصدقة : الفقراء ، والثاني : المساكين . واختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة والزهري : الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين : الذي يسأل . وقال ابن عمر : ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة ، ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف . وقال قتادة ، الفقير : المحتاج الزمن ، والمسكين : الصحيح المحتاج . وروي عن عكرمة أنه قال : الفقراء من المسلمين ، والمساكين من أهل الكتاب . وقال الشافعي : الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا ، زمنا كان أو غير زمن ، والمسكين من كان له مال أو حرفة ولا يغنيه ، سائلا أو غير سائل . فالمسكين عنده أحسن حالا من الفقير لأن الله تعالى قال : { أما السفينة فكانت لمساكين } [ الكهف79 ] أثبت لهم ملكا مع اسم المسكنة . وعند أصحاب الرأي : الفقير أحسن حالا من المسكين . وقال القتيبي : الفقير : الذي له البلغة من العيش ، والمسكين : الذي لا شيء له . وقيل : الفقير من له المسكن والخادم ، والمسكين من لا ملك له . وقالوا : كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا عن غيره ، قال الله تعالى : { أنتم الفقراء إلى الله } [ غافر-15 ] ، والمسكين المحتاج إلى كل شيء ألا ترى كيف حض على إطعامه ، وجعل طعام الكفارة له ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة . وقال إبراهيم النخعي : الفقراء هم المهاجرون ، والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين . وفى الجملة : الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة وضعف الحال ، فالفقير المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره ، والمسكين الذي ضعفت نفسه وسكنت عن الحركة في طلب القوت . أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا سفيان بن عيينة عن هشام ، يعنى : ابن عروة ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار : أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله فسألاه عن الصدقة فصعد فيهما وصوب ، فقال : " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب " . واختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة : فقال الأكثرون : حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة ، وهو قول مالك والشافعي . وقال أصحاب الرأي : حده أن يملك مائتي درهم . وقال قوم : من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة ، لما روينا عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح ، قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب " ، وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق . وقالوا لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما . وقيل : أربعون درهما لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " . قوله تعالى : { والعاملين عليها } . وهم السعاة الذين يتولون قبض الصدقات من أهلها ووضعها في حقها ، فيعطون من مال الصدقة ، فقراء كانوا أم أغنياء ، فيعطون أجر مثل عملهم . وقال الضحاك و مجاهد : لهم الثمن من الصدقة . { والمؤلفة قلوبهم } ، فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة هم : المؤلفة قلوبهم ، وهم قسمان : قسم مسلمون ، وقسم كفار . فأما المسلمون : فقسمان ، قسم دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيه ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيه تألفا كما أعطى عيينة بن بدر ، والأقرع بن حابس ، والعباس بن مرداس أو أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام ، وهم شرفاء في قومهم مثل : عدي بن حاتم ، والزبرقان بن بدر ، فكان يعطيهم تألفا لقومهم وترغيبا لأمثالهم في الإسلام ، فهؤلاء يجوز للإمام أن يعطيهم من خمس خمس الغنيمة ، والفيء سهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من ذلك ولا يعطيهم من الصدقات . والقسم الثاني من مؤلفة المسلمين : أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم كفار في موضع متناء ، لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة وهم لا يجاهدون ، إما لضعف نيتهم أو لضعف حالهم ، فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة . وقيل : من سهم المؤلفة . ومنهم قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإمام ، فيعطيهم الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات . وقيل : من سهم سبيل الله . روي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا . وأما الكفار من المؤلفة : فهم من يخشى شره منهم ، أو يرجى إسلامه ، فيريد الإمام أن يعطي هذا حذرا من شره ، أو يعطي ذلك ترغيبا له في الإسلام ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس ، كما أعطى صفوان بن أمية لما يرى من ميله إلى الإسلام ، أما اليوم فقد أعز الله الإسلام فله الحمد ، وأغناه أن يتألف عليه رجال ، فلا يعطى مشرك تألفا بحال ، وقد قال بهذا كثير من أهل العلم أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط . روي ذلك عن عكرمة ، وهو قول الشعبي ، وبه قال مالك و الثوري ، وأصحاب الرأي ، و إسحاق بن راهوية . وقال قوم : سهمهم ثابت ، يروى ذلك عن الحسن ، وهو قول الزهري ، و أبي جعفر محمد بن علي ، و أبي ثور ، وقال أحمد : يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك . قوله تعالى : { وفي الرقاب } ، والصنف الخامس : وهم الرقاب ، وهم المكاتبون ، لهم سهم من الصدقة ، هذا قول أكثر الفقهاء ، وبه قال سعيد بن جبير ، و النخعي ، و الزهري ، و الليث بن سعد ، و الشافعي . وقال جماعة : يشترى بسهم الرقاب عبيد فيعتقون . وهذا قول الحسن ، وبه قال مالك و أحمد و إسحاق . قوله تعالى : { والغارمين } ، الصنف السادس هم : الغارمون ، وهم قسمان : قسم دانوا لأنفسهم في غير معصيته ، فإنهم يعطون من الصدقة إذا لم لكن لهم من المال ما يفي بديونهم ، فإن كان عندهم وفاء فلا يعطون ، وقسم أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فإنهم يعطون من مال الصدقة ما يقضون به ديونهم ، وإن كانوا أغنياء .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنبأنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك بن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المساكين فأهدى المسكين للغني ، أو لعامل عليها " . ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم متصلا بمعناه . أما من كان دينه في معصية فلا يدفع إليه . وقوله تعالى : { وفي سبيل الله } ، أراد بها : الغزاة ، فلهم سهم من الصدقة ، يعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ، وما يستعينون به على أمر الغزو من : النفقة ، والكسوة ، والسلاح ، والحمولة ، وإن كانوا أغنياء ، ولا يعطى منه شيء في الحج عند أكثر أهل العلم . وقال قوم : يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج . ويروى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول الحسن ، وأحمد ، وإسحاق . قوله تعالى : { وابن السبيل } ، الصنف الثامن : هم أبناء السبيل ، فكل من يريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة بقدر ما يقطع به تلك المسافة ، سواء كان له في البلد المتنقل إليه مال أو لم يكن . وقال قتادة : ابن السبيل هو الضيف . وقال فقهاء العراف : ابن السبيل الحاج المنقطع . قوله تعالى : { فريضة } أي : واجبة { من الله } ، وهو نصب على القطع ، وقيل : على المصدر ، أي : فرض الله هذه الأشياء فريضة . { والله عليم حكيم } . اختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات ، وفي جواز صرفها إلى بعض الأصناف : فذهب جماعة إلى أنه لا يجوز صرفها كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف ، وهو قول عكرمة ، وبه قال الشافعي ، قال : يجب أن تقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الأصناف الستة ، الذين سهمانهم ثابتة قسمة على السواء ، لأن سهم المؤلفة ساقط ، وسهم العامل إذا قسم بنفسه ، ثم حصة كل صنف منهم لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر ، فلو فاوت بين أولئك الثلاث ، يجوز ، فإن لم يوجد من بعض الأصناف إلا واحدا صرف حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج عن حد الاستحقاق ، فإن انتهت حاجته وفضل شيء رده إلى الباقين . وذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف ، أو إلى شخص واحد منهم يجوز ، وإنما سمى الله تعالى هذه الأصناف الثمانية إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف ، لا إيجابا لقسمها بينهم جميعا . وهو قول عمر ، وابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء ، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي ، وبه قال أحمد ، قال : يجوز أن يضعها في صنف واحد وتفريقها أولى . وقال إبراهيم : إن كان المال كثيرا يحتمل الإجزاء قسمه على الأصناف ، وإن كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد . وقال مالك : يتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى فالأولى من أهل الخلة والحاجة ، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدمهم ، وإن رآها في عام في صنف آخر حولها إليهم . وكل من دفع إليه شيء من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق ، فلا يزيد الفقير على قدر غناه ، فإذا حصل أدنى اسم الغنى لا يعطى بعده ، فإن كان محترفا لكنه لا يجد آلة حرفته : يعطى قدر ما يحصل به آلة حرفته ، ولا يزاد العامل على أجر علمه ، والمكاتب على قدر ما يعتق به . وللغريم على قدر دينه ، وللغازي على قدر نفقته للذهاب والرجوع والمقام في مغزاه وما يحتاج إليه من الفرس والسلاح ، ولابن السبيل على قدر إتيانه مقصده أو ماله . واختلفوا في نقل الصدقة عن بلد المال إلى موضع آخر ، مع وجود المستحقين فيه : فكرهه أكثر أهل العلم ، لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنبأنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، ثنا أبو عيسى الترمذي ، ثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، ثنا زكريا بن إسحاق المكي ، ثنا يحيى بن عبد الله بن الصيفي عن أبي معبد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال : " إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " . فهذا يدل على أنه صدقة أغنياء كل قوم ترد على فقراء ذلك القوم . واتفقوا على أنه إذا نقل من بلد إلى بلد آخر أدي مع الكراهة ، وسقط الفرض عن ذمته ، إلا ما حكى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه رد صدقة حملت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان .