لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (148)

لم يُطَهِّر قلوبَهم - في ابتداء أحوالهم - عن توهم الظنون ، ولم يتحققوا بخصائص القِدَمِ وشروط الحدوث ، فعثرت أقدام فكرهم في وهاد المغاليط لما سلكوا المسير .

ويقال إن أقواماً رضوا بالعِجْلِ . أن يكونَ معبودَهم متى تشم أسرارُهم نسيمَ التوحيد ؟ هيهات لا ! لا ولا مَنْ لاحظ جبريلَ وميكائيلَ والعرشَ أو الثَّرى ، أو الجِنَّ أو الورى . وإِنَّ مَنْ لَحِقَه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان ، أو صحَّ في التجويز أن ترتقي إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغيرُ صالحٍ لاستحقاق الإلهية .

ويقال شتَّان بين أمة وأمة ! أمة خرج نبيهم عليه السلام من بينهم أربعين يوماً فعبدوا العِجْلَ ، وأمة خرج نبيُّهم - عليه السلام - من بينهم وأَتَى نيف وأربعمائة سنة فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئاً من الرسوم والأطلال تستحق الإلهية أحرقوه بهممهم .

ويقال لا فصلَ بين الجسم والجسد ، فكما لا يصلح أن يكون المعبود جسماً لا يصلح أن يكون متصفاً بما في معناه ، ولا أن يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات مُصَاكَّةُ الأجرام الصلبة ، والتوحيد الأزلي ينافي هذه الجملة .

ويقال أَجْهِلْ بقوم آمنوا بأن يكونَ مصنوعُهم معبودَهم ! ولولا قهر الربوبية وأنه تعالى يفعل ما يشاء - فأَيُّ عقلٍ يُقِرُّ مثل هذا التلبيس ؟ !

قوله جلّ ذكره : { أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ } .

جعل من استحقاقه نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية ، وهذا يدل على استحقاق الحق بالنعوت بأن متكلِّمٌ في حقائق آزاله ، وأنه متفرِّد بهداية العبد لا هاديَ سواه . وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق - سبحانه - وتكليمه مع العبد ، وإنَّ الملوكَ إذا جلَّتْ رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحداً بلسانهم حتى قال قائلهم :

وما عَجَبٌ تناسي ذِكْرِ عبدٍ *** على المولى إذا كَثُرَ العبيدُ

وبخلاف هذا أجرى الحقُّ - سنَّتَه مع عباده المؤمنين ، أما الأعداء فيقول لهم :

{ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }[ المؤمنون : 108 ] وأمَّا المؤمنون فقال صلى الله عليه وسلم : " ما منكم إلا يكلمه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان " ، وأنشدوا في معناه .

وما تزدهينا الكبرياءُ عليهمُ *** إذا كلَّمونا أن نكلمهم مَرَدَّا

قال تعالى :{ قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا }[ الكهف : 109 ] .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (148)

شرح الكلمات :

{ من حليهم } : جمع حلي وهو ما تتحلى به المرأة لزوجها من أساور ونحوها من ذهب .

{ عجلاً جسداً } : العجل ولد البقرة والجسد أي ذاتا لا مجرد صورة على ورق أو جدار .

{ له خوار } : الخوار صوت البقر كالرغاء صوت الإبل .

المعنى :

هذا عود إلى قصص موسى عليه السلام مع قومه من بني إسرائيل ، فقد كان السياق مع موسى في جبل الطور وطلبه الرؤية وتوبته من ذلك ثم اعترض السياق ببيان القاعدة العظيمة في تعليل هلاك العباد وبيان سببه وهو التكذيب بآيات الله المنزلة والغفلة عنها ، ثم عاد السياق لقصص موسى مع بني إسرائيل فقال تعالى { واتخذ قوم موسى من بعده } أي من بعد غيبته في جبل الطور لمناجاة ربه وليأتي بالكتاب الحاوي للشريعة التي سيسوسهم بها موسى ويحكمهم بموجبها ومقتضى قوانينها اتخذوا { من حليهم } أي حلي نسائهم { عجلاً جسداً له خوار } وذلك أن السامري طلب من نسائهم حليهم بحجة واهية : أن هذا الحلي مستعار من نساء الأقباط ولا يحل تملكه فاحتال عليهم وكان صائغاً فصهره وأخرج لهم منه { عجلاً جسداً } أي ذاتاً { له خوار } أي صوت كصوت البقر ، وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه ولم يقل وإله هارون لأن هارون كان معهم خليفة فخاف أن يكذبه هارون فلم ينسبه إليه ، وقوله تعالى { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً } توبيخ لهم وتقريع على غباوتهم وجهلهم ، وإلا كيف يعتقدون إلهاً وهو لا يتكلم فيكلمهم ولا يعقل فيهديهم سبيل الرشد إن ضلوا وقد ضلوا بالفعل ثم قال تعالى { اتخذوه } أي إلهاً { وكانوا ظالمين } في ذلك ، لأن الله رب موسى وهارون والعالمين لم يكن عجلاً ولا مخلوقاً كائناً من كان فما أجهل القوم وما أسوأ فهمهم وحالهم . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 148 ) .

الهداية

من الهداية :

- بيان سنة من سنن الكون وهي أن المرء يتأثر بما يرى ويسمع ، والرؤية أكثر تأثيراً في النفس من السماع فإن بني إسرائيل رؤيتهم للأبقار الآلهة التي مروا بأهل قرية يعكفون عليها وطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً مثلها هو الذي جعلهم يقبلون عجل السامري الذي صنعه لهم ، ومن هذا كان منظر الأشياء في التلفاز وشاشات الفيديو مؤثراً جداً وكم أفسد من عقول ولوث من نفوس ، وأفسد من أخلاق .

- تقبيح الغباء والجمود في الفكر ، وذلك لقول الله تعالى { ألم يروا أنه لا يكلمهم } .