البلاء على حَسَبِ قوة صاحبه وضعفه ، فكلما كان المرء أقوى كان بلاؤه أوفى ، وكلما كان أضعف كان بلاؤه أخف . وكانت أمُّ موسى ضعيفةً فَرَدَّ إليها وَلَدَها بعد أيام ، وكان يعقوبُ أقوى في حاله فلم يُعِدْ إليه يوسفَ إلا بعد سنين طويلة .
قوله جلّ ذكره : { وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ } .
أجرى اللَّهُ عليه ما هو في صورةِ كبيرةٍ من قَتْلِ النَّْفسِ بغير حق ، ثم بيَّن اللَّهُ أنه لا يضره ذلك ، فليست العِبْرَةُ فعل العبد في قلَّته وكثرته إنما العِبرةُ بعناية الحقِّ بشأنِ أحدٍ أو عداوته .
ويقال قد لا يموت كثيرٌ من الخلْقِ بفنون من العذابِ ، وكم من أناس لا يموتون وقد ضُرِبُوا ألوفاً من السياط ! وصاحبُ موسى عليه السلام ومقتولُه مات بوكزةٍ ! إيش الذي أوجب وفاته لولا أنه أراد به فتنةً لموسى ؟ وفي بعض الكتب أنه - سبحانه - أقام موسى كذا وكذا مقاماً ، وأسمعه كلامه كل مرة بإسماع آخر ، وفي كل مرة كان يقول له : { وَقَتَلْتَ نَفْساً } .
{ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ } : أريناكَ عينَ الجمع حتى زال عنك ما داخَلَكَ من الغمِّ بصفة مقتضى التفرقة ، فلمَّا أريناك سِرَّ جريانِ التقديرِ نَجَّيْنَاكَ من الغم .
قوله جلّ ذكره : { وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً } .
استخلصناكَ لنا حتى لا تكون لغيرنا . ويقال جَنَّسْنَا عليك البلاَءَ ونَوَّعْنَاه حتى جَرَّدْنَاكَ عن كل اختيارٍ وإرادة ، ثم حينئذٍ رَقَّيْنَاكَ إلى ما استوجَبْتَه من العِلم الذي أَهَّلْنَاكَ له .
قوله جلّ ذكره : { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } .
وكنتَ عند الناسِ أنك أجيرٌ لشعيب ، ولم يظهر لهم ما أودعنا فيك ، وكان يكفي - عندهم - أن تكون خَتنَاً لشعيب .
{ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } .
أي عَدَدْنا أيامَ كونك في مدين شعيب ، وكان أهل حضرتنا من الملائكة الذين عرفوا شرَفَكَ ومحبَّتَكَ منتظرين لك ؛ فجئتَ على قَدَرٍ .
ويقال إنَّ الأَجَل إذا جاء للأشياء فلا تأخيرَ فيه ولا تقديم ، وأنشدوا في قريب من هذا المعنى :
مدْين : ببلد في شمال الحجاز معروفة الى الآن .
ورحمةً بأُمك ، هيَّأتُ الظروف حتى جمعتُك بها ، وكانت أُختك تمشي متتبّعةً التابوت حتى علمتْ أينَ ذهب . فجاءت متنكَرة الى قصر فرعون حيث وجدتْهم يطلبون لك مرضعا ، فقالت : هل أدلُّكم على من يرضعه ويحفظه ويربيه ؟ قالوا : نعم ، فجاءت بأُمك ورجعتَ إليها حتى تفرحَ وتُسَرَّ وتقر عينُها بك ، ويزول عنها الحزن والقلق عليك .
وكنتَ قد قتلتَ نفساً من أهل مصر فنجّيناك مما لحقَكَ من الخوْفِ والغم ، كما جاء في سورة القصص 15 : { فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ } وهذا كما يأتي في سورة القصص : حين كبر وشبّ في قصر فرعون ، ونزل المدينةَ يوماً فوجد فيها رجلَين يقتتلان : أحدُهما من شيعته والآخر من شيعة فرعون فاستغاثه الّذي هو من شِيعته ، فوكز موسى المصريَّ بيده فسقط ميتاً . ولم يكن موسى ينوي قتله ، فاغتمّ لذلك فهربَ الى مَدْيَن ، وهذا معنى قوله تعالى :
اختبرناك اختباراً شديداً بالغُربة ومفارقة الأهل والوطن . وامتُحن بالخدمة ورعي الغنم ، وهو ربيبُ القصور عند الملوك ، وجازَ الامتحانَ ونجحَ في كل عمل عمله .
{ فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى } .
ونجّيناك من الهمّ الذي لحق بك فذهبتَ الى مدين . وهناك لقيتَ شُعَيْب وتزوّجت ابنته على شرط أن ترعى له الغنم مدة ، وأمضيتَها على أحسنِ حال ، ثم عدتَ من مدين في الموعد الذي قدرناه لإرسالك .
فجاءت أخت موسى ، فقالت لهم : { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون }
{ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا } وهو القبطي لما دخل المدينة وقت غفلة من أهلها ، وجد رجلين يقتتلان ، واحد من شيعة موسى ، والآخر من عدوه قبطي { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه } فدعا الله وسأله المغفرة ، فغفر له ، ثم فر هاربا لما سمع أن الملأ طلبوه ، يريدون قتله .
فنجاه الله من الغم من عقوبة الذنب ، ومن القتل ، { وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } أي : اختبرناك ، وبلوناك ، فوجدناك مستقيما في أحوالك أو نقلناك في أحوالك ، وأطوارك ، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه ، { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ } حين فر هاربا من فرعون وملئه ، حين أرادوا قتله ، فتوجه إلى مدين ، ووصل إليها ، وتزوج هناك ، ومكث عشر سنين ، أو ثمان سنين ، { ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } أي : جئت مجيئا قد مضى به القدر ، وعلمه الله وأراده في هذا الوقت وهذا الزمان وهذا المكان ، ليس مجيئك اتفاقا من غير قصد ولا تدبير منا ، وهذا يدل على كمال اعتناء الله بكليمه موسى عليه السلام ، ولهذا قال : { وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } .
قوله تعالى :{ إذ تمشي أختك } واسمها مريم متعرفةً خبره { فتقول هل أدلكم على من يكفله } يعني : على امرأة ترضعه وتضمه إليها وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة ، فلما قالت ذلك لهم أخته قالوا : نعم ، فجاءت بالأم ، فقبل ثديها فذلك قوله تعالى : { فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها } بلقائك { ولا تحزن } أي : لأن يذهب عنها الحزن { وقتلت نفساً } قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان قتل قبطياً كافراً . قال كعب الأحبار : كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة { فنجيناك من الغم } أي : من غم القتل وكربه { وفتناك فتوناً } قال ابن عباس رضي الله عنه : اختبرناك اختباراً . وقال الضحاك ، ومقاتل : ابتليناك ابتلاءً . وقال مجاهد : أخلصناك إخلاصاً . وعن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير إن الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال ، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت ، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه ، ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، ثم قتله القبطي وخروجه إلى مدين خائفاً . فكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير فعلى هذا معنى فتناك : خلصناك من تلك المحن ، كما يفتن الذهب من النار ، فيخلص من كل خبث فيه ، والفتون : مصدر{ فلبثت } فمكثت . أي : فخرجت من أرض مصر إلى مدين فلبثت { سنين في أهل مدين } يعني : ترعى الأغنام عشر سنين ، ومدين : بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر هرب إليها موسى . وقال وهب : لبث عند شعيب عليه السلام ثمانياً وعشرين سنة . عشر سنين منها مهر زوجته صفوراء بنت شعيب وثمان عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له { ثم جئت على قدر يا موسى } قال مقاتل : على موعد ولم يكن هذا الموعد مع موسى ، وإنما كان موعداً في تقدير الله ، قال محمد بن كعب : جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء إلي فيه . وقال عبد الرحمن بن كيسان : على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء ، وهذا معنى قول أكثر المفسرين أي : على الموعد الذي وعده الله وقدره أنه يوحي إليه بالرسالة ، وهو أربعون سنة .