التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ} (40)

قوله : ( إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله ) ( إذ يمشي ) ، بدل من قوله : ( إذ أوحينا ) وأخته اسمها مريم ؛ فقد خرجت تتعرف خبر أخيها موسى ، وكان موسى في رعاية فرعون وقد طلبت له آسية المراضع لكنه أبى كل مرضعة حتى أشارت عليهم أخته أن ثمة امرأة ترضعه وهي ذات لبن ، تريد بذلك أمها . فلما جاءته قبل ثديها فارتضع منها . وذلك من فضل الله وتوفيقه ومنته على موسى ؛ إذ أعاده إلى أمه وهم لا يدرون بحقيقة الأمر . وهو قوله سبحانه : ( فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن ) رد الله على أم موسى ولدها لتقر عينها بلقائه ولا تحزن على فراقه . وكان من لطف الله أيضا أن تنتفع أم موسى ومعها ولدها بطيب العيش في دار فرعون مع الأمن من القتل الذي كان يخشى منه على عامة الصغار البنين من بني إسرائيل ، فكانا كلاهما كأنهما من أهل بيت فرعون من حيث الأمان والراحة والسعة ورغد العيش .

قوله : ( وقتلت نفسا فنجيناك من الغم ) وهذه منة أخرى من منن الله على عبده موسى ؛ إذ قتل قبطيا كافرا من آل فرعون وكان قتله خطأ ، فنجاه الله من الغم وهو القتل قصاصا ، وأذهب عنه الخوف من طغيان فرعون أن يظفر به فمكنه الله من الخروج فرارا بنفسه إلى مدين .

قوله : ( وفتناك فتونا ) أي بلوناك وامتحناك بأشياء قبل أن تبعث في الناس . ومنها ولادته في زمن كان فرعون يذبح فيه الأطفال ، ثم إلقاؤه في اليم ، ثم تناوله الجمرة ليضعها فوق لسانه ، ثم قتله القبطي من آل فرعون ، ثم خروجه إلى مدين خائفا يترقب . قوله : ( فلبثت سنين في أهل مدين ) مدين : هي بلدة شعيب عليه السلام ، إلى الشمال من مصر على عدة مراحل ؛ فقد لبث عنده موسى عشر سنين وهي أتم الأجلين وقيل : لبث عنده ثماني وعشرين سنة ، منها عشر مهر امرأته . والبقية أقامها عند شعيب حتى ولد له أولاد .

قوله : ( ثم جئت على قدر يا موسى ) أي جئت على موعد قدرنا لك أن تجيء فيه . أو جئت في الوقت الذي أردنا أن نرسلك فيه .