لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (43)

طهرنا قلوبهم من كل غش ، واستخلصنا أسرارهم عن كل آفة . وطَهَّرَ قلوب العارفين من كل حظ وعلاقة ، كما طهَّر قلوب الزاهدين عن كل رغبة ومُنْية ، وطهَّر قلوب العابدين عن كل تهمة وشهوة ، وطهَّر قلوب المحبين عن محبة كل مخلوق وعن غل الصدر - كل واحد على قدر رتبته .

ويقال لمَّا خَلَق الجنة وَكَلَ ترتبيها إلى رضوان ، والعرش ولي حفظه إلى الجملة ، والكعبة سلَم مفتاحها إلى بني شيبة ، وأمَّا تطهير صدور المؤمنين فتولاّه بنفسه .

وقال : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } .

ويقال إذا نزع الغل من الصدور مِنْ قِبَله فلا محلّ للغرم الذي لزمهم بسبب الخصوم حيث كان منه سبحانه وجه آدائه .

قوله جلّ ذكره : { وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِي لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ } .

في قولهم اعترافٌ منهم وإقرارٌ بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من جزيل تلك العطيات ، وعظيم تلك الرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم ، وإنما ذلك أجمع ابتداء فضل منه ولطف .

قوله جلّ ذكره : { وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .

تسكينٌ لقلوبهم ، وتطييبٌ لهم ، وإلا فإذا رأوا تلك الدرجات علموا أن أعمالهم المشوبة بالتقصير لم توجب لهم كل تلك الدرجات .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (43)

نزعنا ما في صدروهم : أخرجنا من نفوسهم كل حقد .

الغل : الحقد من عداوة أو حسد .

أورثتموها : صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله .

لقد أخرجْنا ما كان من صدورهم من حقد ، فهم اليوم في الجنة ، إخوان متحابّون- وهذا بخلاف الكّفار الّذين يلعن بعضُهم بعضا- تجري من تحتهم الأنهار بمائها العذب ، ويعبّرون عن سرورهم بما نالوا من النعيم قائلين : الحمدُ لله الّذي هدانا فدلَّنا على طريق هذا النعيم ، ووفّقنا إلى سلوكه . ولولا أن هدانا الله ، بإرسال الرسل وتوفيقه لنا ، ما كان في استطاعتِنا أن نهتدي وحدنا . لقد جاءت رُسل ربّنا بالوحي الحق فآمنّا برسالاتهم .

وهنا يناديهم ربهم ويقول لهم : إن هذه الجنةَ هبةٌ من الله أُعطيتموها فضلاً مني دون عوض منكم ، كالميراث ، كل هذا جزاء إيمانكم وأعمالكم الصالحة في الدنيا .

قراءات :

قرأ ابن عامر : «ما كنا لنهتدي » بدون واو . والباقون : وما كنا لنهتدي .

روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخّدري وأبي هريرة رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ ، ينادي منادٍ ، إن لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقموا أبدا ، وإن لكم أن تَحيوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تَشُبّوا فلا تهرَموا أبدا ، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تيأسوا أبدا » .

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «سَدِّدوا وقاربوا وأبشِروا ، فإنه لا يُدخِل أحداً الجنةَ عملُه » قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال «ولا أنا ، إلا أن يتغمّدَني الله بمغفرٍة ورحمة » .

سدِّدوا وقاربوا : لا تغْلوا في دينكم ، ولا تتكلفوا من العمل ما لا طاقة لكم به .

وهذا الحديث تنبيهٌ من النبي الكريم لنا حتى لا نغترَّ بأنفُسِنا وبأعمالنا فنتّكلَ عليها كما يفعل كثير من المتدينين . فنراهم يشمخون بأنوفهم ، ويتعالون على غيرهم ، وهذا ليس من الإسلام .

ومعنى الحديث : إن هذا الجزاءَ الذيَ يحصَل عليه الطائعُ ليس بَدَلاً مماثلاً لطاعته ، وليس جزاء مساوياً كالشأن بين البدَلَين ، وإن كانت الطاعة هي التي أوجبتْه . لذا فإنه لن يدخلَ أحدُكم الجنةَ بعملٍ يساوي ما فيها من النعيم . ففضلُ الله عظيمٌ سابغ باعتبار جعلِه الجنةَ بَدَلاً من عمل محدود لا يقابلها في ذاته .