لسان المعاملة أن الأمر بالتعني لا بالتمني ، ولسان التوحيد أن الأمر بالحُكْم والقضاء لا بالإرادة والمنى . ويقال اسلكوا سبيل من تقدَّمكم في قيامكم بحق الله ، ولا تتعرضوا لنَيْلِ ما خُصُّوا به من فضل الله . قوموا بحقِّ مولاكم ولا تقوموا بمتابعة هواكم واختيار مناكم .
ويقال لا تتمنوا مقام السادة دون أن تسلكوا سُبُلَهُم ، وتلازموا سيرهم ، وتعملوا عملهم . . فإن ذلك جَوْرٌ من الظن .
ويقال : كُن طالب حقوقه لا طالب نصيبك على أي وجه شئت : دنيا وآخرة ( وإلاَّ ) أشركت في توحيدك من حيث لم تشعر .
ويقال لا تتمنَّ مقامات الرجال فإنَّ لكل مقام أهلاً عند الله ، وهم معدودون ؛ فما لم يمت واحد منهم لا يورثَ مكانه غيرُه ، قال تعالى :{ جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ }
[ الأنعام : 165 ، وفاطر : 39 ] والخليفة من يخلف من تقدَّمه ، فإذا تمنَّيْتَ مقام وليَّ من الأولياء فكأنَّكَ استعجلتَ وفاتَه ؛ على الجملة تمنيت أو على التفصيل ، وذلك غير مُسَلَّم .
ويقال خمودُك تحت جريان حكمه - على ما سبق به اختياره - أحظَى لكَ من تعرضك لوجود مناك ، إذ قد يكون حتفك في مُنيتك .
ويقال مَنْ لم يؤدّب ظاهرهُ بفنون المعاملات ، ولم يهذِّب باطنه بوجوه المنازلات فلا ينبغي أن يتصدَّى لنيل المواصلات ، وهيهات هيهات متى يكون ذلك !
{ وَسْئَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ } : الفرق بين التمني وبين السؤال من فضله من وجوه : يكون التمني للشيء مع غفلتك عن ربك ؛ فتتمنى بقلبك وجود ذلك الشيء من غير توقعه من الله ، فإذا سألت الله فلا محالة تذكره ، والآخر أن السائل لا يرى استحقاق نفسه فيحْمِلُه صِدْقُ الإرادة على التملُّق والتضرع ، والتمني يخلو عن هذه الجملة .
والآخر أن الله نهى عن تمني ما فضل الله به غيرك إذ معناه أن يسلب صاحبك ما أعطاه ويعطيك إياه ، وأباح السؤال من فضله بأن يعطيك مثل ما أعطى صاحبك .
ويقال لا تتمنَّ العطاء وسَلْ الله أن يعطيك من فضله الرضا بِفَقْدِ العطاء وذلك أتمُّ من العطاء ، فإنَّ التَّحرُّرَ من رقِّ الأشياء أتمُّ مِنْ تملُّكِها .
{ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }
ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور الممكنة وغير الممكنة . فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضلهم على النساء ، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكمال تمنيا مجردا لأن هذا هو الحسد بعينه ، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها . ولأنه يقتضي السخط على قدر الله والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة التي لا يقترن بها عمل ولا كسب . وإنما المحمود أمران : أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية ، ويسأل الله تعالى من فضله ، فلا يتكل على نفسه ولا على غير ربه . ولهذا قال تعالى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا } أي : من أعمالهم المنتجة للمطلوب . { وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ } فكل منهم لا يناله غير ما كسبه وتعب فيه . { وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } أي : من جميع مصالحكم في الدين والدنيا . فهذا كمال العبد وعنوان سعادته لا من يترك العمل ، أو يتكل على نفسه غير مفتقر لربه ، أو يجمع بين الأمرين فإن هذا مخذول خاسر .
وقوله : { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } فيعطي من يعلمه أهلا لذلك ، ويمنع من يعلمه غير مستحق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.