قوله جلّ ذكره : { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فََأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } .
كان عالماً بأنه : { لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ } فأمره بالثبات عليها ؛ قال ( ص ) : " أنا أعلمكم بالله ، وأخشاكم له " .
ويقال : كيف قيل له : { . . . فَاعْلَمْ } ولم يقل : عَلِمْتُ ، وإبراهيم قيل له : { أَسْلِمْ } [ البقرة : 131 ] فقال : " سلمت . . . " ؟ فيُجاب بأن إبراهيمَ لمَّا قال " اسلمت " ابْتُلِيَ ، ونبيَّنا صلى الله عليه وسلم لم يقل : علمت فعُوفِيَ .
وإبراهيم عليه السلام أتى بَعْدَه شَرْع كَشَف َ سِرَّه ، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم لم يأتِ بعدَه شرعٌ . ويقال : نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أخبر الحقُّ عنه بقوله : { آمَنَ الرَّسُولُ . . . } [ البقرة : 285 ] والإيمان هو العلم- وإخبارُ الحقِّ سبحانه عنه أَتَمُّ من إخباره بنفسه عن نفسه : " عَلِمْتُ " .
ويقال : فرقٌ بين موسى عليه السلام لمَّا احتاج إلى زيادةِ العلم فأُحيلَ على الخضر ، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم قال له : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } [ طه : 114 ] . . . فكم بين مَنْ أُحيلَ في استزادة العلم على عَبْدٍ وبين مَنْ أمِرَ باستزادة العلم من الحق ! ! .
ويقال لمَّا قال له : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ } كان يأمره بالانقطاع إليه عن الخَلْق ، ثم بالانقطاع منه - أي من الرسول - إليه . . . أي إلى الحق سبحانه . والعبدُ إذا قال هذه الكلمةَ على سبيلِ العادةِ والغفلةِ عن الحقيقة - أي كان بصفة النسيان - فليس لقوله كثيرُ قيمةٍ ؛ كأن تُقال عند التعجب من شيء . . . فليس لهذا قَدْرٌ . أمَّا إذا قالها مخلصاً فيها ، ذاكراً لمعناها ، متحققاً بحقيقتها . . . فإنْ كان بنفسه فهو في وطن التفرقة . . . وعندهم هذا من الشِّرْكِ الخفِّي ، وإن قالها بحقٍّ فهو الإخلاص . فالعبد يعلم أولاً ربَّه بدليل وحُجَّةٍ ؛ فعِلْمُه بنفسه كَسْبيٌّ . . . وهو أصل الأصول ، وعليه ينبني كل علم استدلالي ! ثم تزداد قوةُ علمه بزيادة البيان وزيادة الحجج ، ويتناقص علمُه بنفسه لغَلَبَاتِ ذِكْرِ اللَّهِ على القلب . فإذا انتهى إلى حال المشاهدة ، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار عِلْمُه في تلك الحالة ضرورياً . ويقلُّ إحساسُه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلاليّ وكأنه غافلٌ عن نفسه أو ناسٍ لنفسه .
ويقال : الذي على البحر يغلب عليه ما يأخذه من رؤية البحر ، فإذا ركب البحر قويت هذه الحالة ، حتى إذا غرق في البحر فلا إحساسَ له بشيء سوى ما هو مستغرقٌ فيه ومستهلك .
{ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } : أي إذا عَلِمْتَ أنك علمت فاستغفِرْ لذنبك من هذا ؛ فإن الحقَّ - على جلال قدْرِه - لا يعلمه غيره .
متقلبكم : تصرفكم وتقلبكم لأشغالكم في الدنيا .
ومثواكم : إما سكونكم ومأواكم إلى مضاجعكم في الليل ، وإما مأواكم في الجنة أو النار . أي : هو عالم بجميع أحوالكم في الدنيا والآخرة ، لا يخفى عليه شيء منها .
19- { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم } .
الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد كل من يتأتى منه العلم ، أي : ازدد يقينا وعلما وإيمانا بأن الكون جميعه ليس له إلا إله واحد ، هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد ، وكرر الاستغفار والتوبة والإنابة وطلب المغفرة ، وستر الذنوب ومحو السيئات ، وتثبيت الحسنات ، وادع الله أن يغفر لك وللمؤمنين والمؤمنات .
وقد أورد ابن كثير في تفسيره طائفة من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تدل على فضل الاستغفار ، ومنزلته العالية في مغفرة الذنب ، ومن هذه الأحاديث ما يأتي : -
في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر الصلاة : ( اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت ، وما أنت أعلم به مني ، أنت إلهي لا إله إلا أنت ) .
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( يا أيها الناس ، توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) .
{ والله يعلم متقلبكم ومثواكم } .
والله تعالى مطلع وعالم بمتقلبكم وتصرفاتكم في نهاركم ، ويعلم ، { مثواكم } . ومستقركم في ليلكم .
كقوله تعالى : { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار . . . } ( الأنعام : 60 ) .
وقوله سبحانه : { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } . ( هود : 6 ) .
وعن ابن عباس قال : { متقلبكم } . في الدنيا ، { ومثواكم } . في الآخرة .
وقال السدي : { متقلبكم } . في الدنيا ، { ومثواكم } . في قبوركم .
وأرى أن الآية تتسع لتناول الوجوه المذكورة كلها ، فالله سبحانه مطلع وعالم بحركاتنا بالنهار ومثوانا بالليل ، وهو عالم في نفس الوقت بحركتنا وعملنا في الدنيا ، ومثوانا في قبرونا ، ومآلنا في آخرتنا ، والله أعلم .
{ 19 } { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ }
العلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته ، بمعنى ما طلب منه علمه ، وتمامه أن يعمل بمقتضاه .
وهذا العلم الذي أمر الله به -وهو العلم بتوحيد الله- فرض عين على كل إنسان ، لا يسقط عن أحد ، كائنا من كان ، بل كل مضطر إلى ذلك . والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا هو أمور : أحدها بل أعظمها : تدبر أسمائه وصفاته ، وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلالته{[787]} فإنها توجب بذل الجهد في التأله له ، والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال .
الثاني : العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير ، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية .
الثالث : العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة ، الدينية والدنيوية ، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته ، والتأله له وحده لا شريك له .
الرابع : ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر والنعم العاجلة ، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به ، فإن هذا داع إلى العلم ، بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها .
الخامس : معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله ، واتخذت آلهة ، وأنها ناقصة من جميع الوجوه ، فقيرة بالذات ، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، ولا ينصرون من عبدهم ، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة ، من جلب خير أو دفع شر ، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا هو وبطلان إلهية ما سواه .
السادس : اتفاق كتب الله على ذلك ، وتواطؤها عليه .
السابع : أن خواص الخلق ، الذين هم أكمل الخليقة أخلاقا وعقولا ، ورأيا وصوابا ، وعلما -وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون- قد شهدوا لله بذلك .
الثامن : ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية ، التي تدل على التوحيد أعظم دلالة ، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته ، وبديع حكمته ، وغرائب خلقه .
فهذه الطرق التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله ، وأبداها في كتابه وأعادها عند تأمل العبد في بعضها ، لا بد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك ، فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت ، وقامت أدلة التوحيد من كل جانب ، فهناك يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد ، بحيث يكون كالجبال الرواسي ، لا تزلزله الشبه والخيالات ، ولا يزداد -على تكرر الباطل والشبه- إلا نموا وكمالا .
هذا ، وإن نظرت إلى الدليل العظيم ، والأمر الكبير -وهو تدبر هذا القرآن العظيم ، والتأمل في آياته- فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد ويحصل به من تفاصيله وجمله ما لا يحصل في غيره .
وقوله : { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } أي : اطلب من الله المغفرة لذنبك ، بأن تفعل أسباب المغفرة من التوبة والدعاء بالمغفرة ، والحسنات الماحية ، وترك الذنوب والعفو عن الجرائم .
{ و } استغفر أيضا { للمؤمنين وَالْمُؤْمِنَات } فإنهم -بسبب إيمانهم- كان لهم حق على كل مسلم ومسلمة .
ومن جملة حقوقهم أن يدعو لهم ويستغفر لذنوبهم ، وإذا كان مأمورا بالاستغفار لهم المتضمن لإزالة الذنوب وعقوباتها عنهم ، فإن من لوازم ذلك النصح لهم ، وأن يحب لهم من الخير ما يحب لنفسه ، ويكره لهم من الشر ما يكره لنفسه ، ويأمرهم بما فيه الخير لهم ، وينهاهم عما فيه ضررهم ، ويعفو عن مساويهم ومعايبهم ، ويحرص على اجتماعهم اجتماعا تتألف به قلوبهم ، ويزول ما بينهم من الأحقاد المفضية للمعاداة والشقاق ، الذي به تكثر ذنوبهم ومعاصيهم .
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } أي : تصرفاتكم وحركاتكم ، وذهابكم ومجيئكم ، { وَمَثْوَاكُمْ } الذي به تستقرون ، فهو يعلمكم في الحركات والسكنات ، فيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه .