لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ} (4)

الرجوع يقتضي ابتداء الأرواح قبل حصولها في الأشباح ، فإن لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة ، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند مُحبِّيه وذويه ، كما قيل :

أيا قداماً من سَفْرةِ الهجر مرحباً *** أناديك لا أنساك ما هبَّت الصِّبا

ويقال المطيع إذا رجع إلى الله فله الزُّلفى ، والثواب والحسنى . والعاصي إذا رجع إلى ربِّه فَبنَعْتِ الإفلاس وخسران الطريق ؛ فيتلقى لِباس الغفران ، وحُلَةَ الصفح والأمان ، فرحمةُ مولاه خيرٌ له من نُسْكِه وتقواه .

قوله : { وَعْدَ اللَّهِِ حَقَاً } : موعودُ المطيع الفرادِيسُ العَلَى ، وموعودُ العاصي الرحمة والرِّضى . والجنَّةُ لُطْفُ الحقِّ والرَّحمةُ وصفُ الحق ؛ فاللُّطفُ فِعْلٌ لم يكن ثم حصل ، والنَّعْتُ لم يزل .

قوله : { إنَّهُ يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } : مَنْ كان له في جميع عمره نَفَسٌ على وصفِ ما ابتدأَ الحقُّ سبحانه به ففي الإشارة : تكون لذلك إعادة ، وأنشدوا :

كلُّ نَهْرٍ فيه ماءٌ قد جَرَى *** فإِليه الماءُ يوماً سيعودُ

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ} (4)

المفردات :

بالقسط : بالعدل .

شراب من حميم : شراب من ماء شديد الحرارة .

التفسير :

3 { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا . . . } الآية .

إلى الله تعالى وحده رجوعكم جميعا بالبعث والحشر لا إلى غيره . وعد الله ذلك وعدا حقا ، لا خلف فيه ؛ فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه ؛ لتناولوا ثوابه وتنجوا من عقابه .

{ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ } .

تقع هذه الجملة موقع الدليل على وقوع البعث ؛ فإنه سبحانه وتعالى بدأ الخلق بدون مثال سابق ، ومن بدأ الخلق كان قادرا على إعادته ، بل الإعادة أهون وأيسر ، فقال تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } . ( الروم : 28 ) .

وحكمة البعث والجزاء : هي إثابة الطائعين ومعاقبة المكذبين ، قال تعالى :

{ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط . . } .

أي : ليكافئ المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحة بالعدل ، فيحسن جزاءهم ويزيدهم من فضله .

{ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } .

إن الدنيا ليست دار جزاء ، وربما تنعم فيها المفسدون ، ونالوا حظا من المال والجاه والسلطان ؛ فلا بد من دار جزاء يكافأ فيها المحسنون ، أما الكافرون فيلقون جزاء كفرهم ، ومن ذلك : أن يشربوا ماء كالمهل يشوي الوجوه ، وأن ينالوا عذابا شديد الإيلام ؛ بسبب إصرارهم على كفرهم واستمرارهم على الجحود والتكذيب برسالات السماء .