عموم قوله الأسماء يقتضي الاستغراق ، واقتران قوله سبحانه بكُلها يوجب الشمول والتحقيق ، وكما علّمه أسماء المخلوقات كلها - على ما نطق به تفسير ابن عباس وغيره- علَّمه أسماء الحق سبحانه ، ولكن إنما أظهر لهم محل تخصصه في علمه أسماء المخلوقات وبذلك المقدار بأن رجحانه عليهم ، فأما انفراده بمعرفة أسمائه - سبحانه - فذلك سِرٌّ لم يَطَّلِع عليه مَلَكٌ مُقَرَّب . ومن ليس له رتبة مساواة آدم في معرفة أسماء المخلوقات فأي طمعٍ في مداناته في أسماء الحق ، ووقوفه على أسرار الغيب ؟
وإذا كان التخصيص بمعرفة أسماء المخلوقات يقتضي أن يصحَّ ( به سجود ) الملائكة فما الظن بالتخصيص بمعرفة أسماء الحق سبحانه ؟ ما الذي يُوجَبُ لِمَنْ أُكْرِمَ به ؟
ويقال خصوصية الملائكة بالتسبيح والتقديس وهذه طاعات تليق بالمخلوقين ؛ فإنَّ الطاعةَ سِمَةُ العبيد ولا تتعداهم ، والعلم في الجملة صفة مدح يجب في نعت الحق سبحانه واجباً لا يصحُّ لغيره ، فالذي يُكْرِمهُ بما يتصف هو سبحانه ( بيانه وإن كان للمساواة أتم من الكرام بما يكون مخلوقاً على جنس المخلوقات ) .
ويقال أكرمه في السر بما علَّمه ثم بيَّن تخصيصه يوم الجهر وقدَّمه . ويقال قوله : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } ثم : حرف تراخٍ ومهلة . . إمّا على آدم ؛ فإنه أمهله من الوقت ما تقرر ذلك في قلبه ، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذٍ استخبره عما تحقَّق به واستيقنه . وإمّا على الملائكة ؛ فقال لهم على وجه الوهلة : " أنبئوني " فلمَّا لم يتقدم لهم تعريف تحيَّروا ، ولمَّا تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر ، ونطق وأفلح ، إظهاراً لعنايته السابقة - سبحانه - بشأنه .
وقوله : { إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فيه إشارة إلى أنهم تَعَرَّضوا لدعوى الخصوصية ، والفضيلة والمزية على آدم ، فعرَّفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه في قديم تخصيصه . ولمَّا عَلِمَ الحقُّ سبحانه تَقَاصُرَ علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات ثم كلَّفهم الإنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أنَّ الأمر أمرهُ ، والحكمَ حُكمُه ، فَلَهُ تكليف المستطيع ، ردَّاً على من تَوَهَّمَ أن أحكام الحق سبحانه مُعَلَّلَة باستحسان أرباب الغفلة بما يدعونه من قضايا العقول ، لا بل له أن يلزم ما يشاء لمن يشاء ، الحَسَنُ ما حكم بتحسينه والقبيح ما حكم بتقبيحه .
{ وعلم ءادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين( 31 ) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم( 32 ) قال يا ءادم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون( 33 ) }
( عرض الله على آدم من أفراد كل نوع ما يصلح أن يكون نموذجا : يتعرف منه على أحوال البقية وأحكامها ) .
{ وعلم آدم الأسماء كلها . . . } اختلف في هذه الأسماء التي علمها الله سبحانه آدم أعني الإنسان والرأي في هذا أن الله سبحانه أودع في الإنسان القدرة على البحث والنظر والكشف عن خصائص الأشياء وعللها وأسبابها والوقوف على أسرارها المودعة فيها ، وحلها وتركيبها . . .
وبهذه القدرة عرف حقائق كثير من الأشياء ، وهو جاد أبدا في الكشف عن المزيد منها يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل وعصرا إثر عصر ، وكلما عرف حقيقة وضع لها اسما تعرف به .
فالمراد بالأسماء هنا هو مسميات تلك الأسماء ، والمراد بالمسميات خصائص هذه المسميات وحقائقها .
( والأسماء كلها لا يراد بها أسماء جميع الموجودات في هذا الوجود إذ إن آدم لا يمكن أن يحيط علمه بكل موجود ظاهر أو خفي ، قريب أو بعيد ، وإنما المراد والله أعلم المسميات التي تكشف حقائقها لآدم وذريته واهتدوا إلى التعرف عليها وتحديد موقفهم منها إيجابا أو سلبا .
ففي دائرة هذه المعرفة كان امتحان الملائكة وكان عجزهم ، وكان إعلام آدم بما عجزوا عن معرفته . . فكان ذلك أبلغ رد على اعتراض الملائكة وجلاء الموقف الذي وقفوه من آدم .
( فالمراد من آدم هنا هو الإنسانية كلها ، وكان امتحان الملائكة فيها عرف أبناء آدم من أسرار هذا الوجود ) ( 76 ) .
وفي تفسير ابن كثير عن ابن عباس أن الله علم آدم الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجمل وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .
( وفي الصحيح أن الله علم آدم أسماء كل شيء ) ( 77 ) .
{ ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء } . أي عرض المسميات المدلول عليها بالأسماء التي علمها آدم . { فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء } .
فالمعروض لنظر الملائكة ذوات مشخصة يراد من الملائكة أن يضعوا لها أسماء تدل عليها ، وتكشف عن حقيقة كل واحدة منها .
{ إن كنتم صادقين } . أي في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته ، وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء إظهارا لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجاءهم من أمر الخلافة ( 78 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.