لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

إن الرسل موقوفون حيثما وُقِفُوا ، ومخبرون عمَّا عُرِّفوا بمقدار ما عَرفُوا ؛ فإذا أُيِّدُوا بأنوار البصائر اطَّلعوا على مكنونات السرائر بلطائف التلويح بمقدار ما أُعْطُوا من الإشراق بوظائف البلوغ .

{ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } لما تُوُفّى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - سقمت البصائر إلا بصيرة الصديق رضي الله عنه فأمدَّه الله بقوة السكينة ، وأفرغ عليه قوة التولي فقال : " من كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات " فصار الكل مقهورين تحت سلطان قالته لِمَا انبسط عليهم من نور حالته ، كالشمس بطلوعها تندرج في شعاعها أنوارُ الكواكب فيستتر فيها مقادير مطارح شعاع كل نجم .

وإنما قال : { أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } لأنه صلى الله عليه وسلم مات . وقيل أيضاً لأنه قال : " ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري " .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (144)

144- { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل . . } الآية

المفردات :

خلت : مضت .

ومن ينقلب على عقبيه : من يرتد عن دينه أو ينهزم .

التفسير :

لما التقى الجمعان في أحد ظهر المسلمون على المشركين في أول اللقاء وجعلوا يتعقبوهم ويجمعون الغنائم في إثرهم ولكن الرماة الذين أمرهم الرسول بحماية ظهور المسلمين منتصرين على المشركين : يتعقبونهم ويجمعون غنائمهم فتركوا أماكنهم ليشاركوا إخوانهم في جمع الغنائم مخالفين أمر الرسول فيما فعلوا فانتبه المشركون لما فعل الرماة فاحتلوا مكانهم فوق الجبل وجعلوا ينضحون المسلمين بالنبل واستطاعوا بذلك أن ينالوا من المسلمين حتى رمي ابن قميئة الرسول عليه السلام بحجر فشج رأسه وكسر رباعيته ثم أقبل يريد قتله ، فدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير فقتله ابن قميئة – وهو يرى أنه قتل رسول الله – فصاح قائلا . قتلت محمدا وصرخ بها صارخ فسمع المسلمون فسرى الوهن في نفوس كثير منهم حتى قال بعض المستضعفين : ليت عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان .

وقال ناس من المنافقين : لو كان نبيا حقا لما قتل . . ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم .

والتقى انس بن النضر بالمنهزمين من المسلمين فقال : يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد حي لا يموت فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا كراما على ما مات عليه .

وشاء الله أن يحفظ رسوله لامته وان يظهر كذب ابن قميئة .

فنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلى عباد الله وكان حوله حينئذ أبو بكر وعمر وعلي وطلحة بن عبيد الله وجماعة من المسلمين فأقبل المنهزمون بعد ما سمعوا صوته عليه السلام فأنزل الله عتابا للمنهزمين : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل… إلى نهاية الآية فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ( آل عمران 148 ) .

والمعنى وما محمد إلا رسول كسائر من مضى قبله من الرسل مهمته التبليغ وإلزام الحجة وسيمضي إلى ربه كسائر من مضى من الأنبياء { سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ( الأحزاب 62 )

{ إنك ميت وإنهم ميتون ( الزمر 30 ) .

{ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم }

أي توليتم مدبرين من القتال منهزمين أمام الكفار أو ارتددتم عن دينكم كما وقع من بعض المنافقين .

وعلى كل : فالمراد أنه لا ينبغي أن تجعلوا وفاة الرسول بموت أو قتل سببا في توليكم منهزمين عن قتال الكفار وجهادهم واستبعادا لقتله فقد مضى من قبله أمثاله من الرسل وما كان موتهم أو قتلهم سببا في ارتداد أتباعهم عن دينهم ولا في تخليهم عن جهاد أعدائهم .

ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا . هذا وعيد من الله لكل من تهتز عقيدته أو يفر من المعركة أمام أعداء الإسلام .

والمعنى : ومن يدبر عن دينه لأي سبب أو ينهزم أمام الكافرين ولا يستبسل في الدفاع عن دينه ووطنه فلن يضر الله بما فعل من تولية مدبرا شيئا أي أقل ضرر وإنما يضر نفسه بتعرضها لسخط الله وازدراء الناس له كما يضر قومه فإن الله سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين .

{ وسيجزي الله الشاكرين } أي وسيجزي الله من شكروه بصبرهم على دينهم ولقاء عدوهم جزاء يليق بكرمه ومن ذلك النصر على الأعداء وحسن ثواب الآخرة .

والتعبير بقوله : وسيجزي الله الشاكرين يفيد ان جزاؤهم متوقع قريبا فإن السين للتقريب وقد حقق الله وعده ونصرهم فيما استقبلوه من غزوات وما عند الله في الآخرة أعظم وأكرم .