مِنْ عزيزِ تلك النصرة أنه لم يستأنِسْ بثانية الذي كان معه بل رد الصِّدِّيقَ إلى الله ، ونهاه عن مساكنته إياه ، فقالَ : " ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما ؟ " .
قال تعالى : { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } .
ويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه في كشوفاته في تلك الحالة ، ولولا نصرتُه لتلاشى تحت سطواتِ كَشْفِه .
ويقال كان - عليه السلام - أمانَ أهل الأرض على الحقيقة ، قال تعالى :
{ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِم }[ الأنفال : 33 ] ، وجعله - في الظاهر - في أمان العنكبوت حين نَسَجَ خَيْطَه على باب الغار فَخَلَّصَه من كيدهم .
ويقال لو دخل هذا الغار لا تشقَّ نسيج العنكبوت . . . فيا عجباً كيف سَتَرَ قصةَ حبيبه - صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ؟ ! .
ويقال صحيحٌ ما قالوا : للبقاع دول ، فما خَطَرَ ببالِ أحدٍ أنَّ تلك الغار تصير مأوى ذلك السيِّد - صلى الله عليه وسلم ! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء{ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ }[ البقرة : 105 ] .
ويقال ليست الغِيران كلها مأوى الحيَّاتِ ، فمنها ما هو مأوى الأحباب . ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه ، وهو تعالى يقول :
{ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } فهو سبحانه - وإن تقدَّس عن كل مكان - ولكن في هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد ، وأنشدوا :
يا طالبَ الله في العرشِ الرفيعِ به *** لا تطلب العرشَ إن المجد في الغار
وفي الآية دليل على تحقيق صحبة الصدِّيق - رضي الله عنه - حيث سمَّاه الله سبحانه صاحبَه ، وعَدَّه ثانِيه ، في الإيمان ثانية ، وفي الغار ثانيه ثم في القبر ضجيعه ، وفي الجنة يكون رفيقه .
قوله جلّ ذكره : { فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } .
الكناية في الهاء من " عليه " تعود إلى الرسول عليه السلام ، ويحتمل أن تكون عائدةٌ إلى الصديق رضي الله عنه ، فإن حُمِلَتْ على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد ، فقد قال عز وجلّ لجميع المؤمنين :{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين }[ الفتح : 4 ] .
وقال للصدِّيق - على التخصيص - فأنزل الله سكينته عليه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله يتجلّى للناس عامة ويتجلَّى لأبي بكر خاصة " .
وإنما كان حزنُ الصديقِ ذلك اليوم لأجل الرسول - صلى الله عليه وسلم- إشفاقاً عليه . . لا لأجل نَفْسِه . ثم إنه - عليه السلام - نفى حزنه وسلاّه بأن قال : { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } ، وحُزْنٌ لا يذهب لِمَعِيَّة الحقِّ لا يكون إلاَّ " لحقِّ الحق " .
قوله جلّ ذكره : { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِىَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .
يريد به النبي صلى الله عليه وسلم . وتلك الجنودُ وفودُ زوائد اليقين على أسراره بتجلِّي الكشوفات .
{ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى } بإظهار حُجج دينه ، وتمهيد سُبُل حقِّه ويقينه ؛ فراياتُ الحقِّ إلى الأبدِ عالية ، وتمويهات الباطل واهية ، وحِزْبُ الحقِّ منصورون ، ووفد الباطل مقهورون .
ويقال لما خلا الصديق بالرسول عليه السلام في الغار ، وأشرقت على سِرِّه أنوار صحبة الرسول عليه السلام ، ووقع عليه شعاعُ أنواره ، واشتاق إلى الله تعالى لفَقْدِ قراره - أزال عنه لواعِجه بما أخبره مِنْ قُرْبه - سبحانه - فاستبدل بالقلق سكوناً ، وبالشوق أُنساً ، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود الهيبة .
ويقال كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثاني اثنين في الظاهر بشبه ولكن كان مُسْتَهْلَكَ الشاهد في الواحِد بِسِرِّه .
{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( 40 ) } .
ثاني اثنين : أي : أحد اثنين ، هما الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر رضي الله عنه .
الغار : هو في اللغة : فجوة في الجبل تشبه البيت ، كالمغارة والكهف ، والمراد به هنا : غار جبل ثور الواقع على بعد ساعة سيرا من مكة ، وقد مكثا فيه ثلاثة أيام .
سكينته : طمأنينته التي تسكن عندها القلوب .
40 – { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ . . . . }الآية .
أي : إن تركتم نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فالله تعالى متكفل به ، فقد نصره في مواطن القلة ، وأظهره على عدوه بالغلبة والقهر .
أو المعنى : فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد وقت إخراج الذين كفروا له ، وهو واحد من اثنين فحسب ، إذ كان معه أبو بكر رضي الله عنه فقد حفظهما الله تعالى وهما يسيران وحدهما نحو الغار للاختفاء فيه ، حتى ينقطع الطلب عنهما ، ثم حفظهما في الغار ثلاث ليال ، وأعمى عنهما عيون الأعداء ، حيث كان الكفار فوق الغار ؛ فقال أبو بكر : يا رسول الله : لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ، ما بالك باثنين الله ثالثهما { لا تحزن إن الله معنا } . أي : بالعون والحماية من المكاره ؛ فلن تصل إلينا أيديهم بسوء .
روى أحمد والشيخان عن أنس قال : " حدثني أبو بكر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، فرأيت آثار المشركين ، فقلت : يا رسول الله ، لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه ؛ فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين ، الله ثالثهما ، وفي رواية أحمد : " لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه " 77 .
فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها .
أي : فأنزل الله طمأنينته وتأييده ونصره عليه أي : على الرسول صلى الله عليه وسلم في أشهر القولين وقيل : على أبي بكر حتى هدأ واطمأن .
أيد الله رسوله بجنود خفية لم تقع عليها أبصاركم ، فلم يستطع أعداؤه بسبب هذه الحراسة الربانية أن يصلوا إلى مأربهم ، وإن وصلوا إلى الغار الذي يؤويه وعادوا خائبين .
روى : أن قريشا أتت بقائف معروف بقفاء الأثر ، حتى وقف على الغار ، فقال : هنا انقطع الأثر فنظروا فإذا العنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته78 .
رغبت قريش في قتل الرسول صلى الله عليه وسلم فبيتوه ورصدوه ، واجتمعوا على باب منزله طوال ليلتهم ؛ ليقتلوه إذا خرج ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ، وفي هذه مخاطرة من علي بحياته ؛ لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم . ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمى الله عليهم أثره ؛ فطمس الله على أبصارهم ؛ فخرج وقد غشيهم النوم .
فلما أصبحوا خرج عليهم علي وأخبرهم : أن ليس في الدار أحد ؛ فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر ، ثم خرجا من خوخة( ثغرة ) في ظهر دار أبي بكر ؛ ونهضا نحو الغار في جبل ثور .
واتفقا مع عبد الله بن أريقط ، أن يأتي إليهما بعد ثلاث ليال إلى الغار ، وكان عارفا بالطريق ، فاستأجراه ؛ ليدل بهما إلى المدينة ، وكان كافرا على دين قومه ، لكنهما وثقا به ودفعا إليه راحلتين ؛ ليأتي بهما إلى الغار .
وكان عبد الله بن أبي بكر يستمع ما يقول الناس ، وينقله إليهما ، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام ، وكان عامر بن فهيرة يرعى غنمه إلى الغار ، فيخفى آثار عبد الله وأسماء .
عناية الله إن تولت ضعيفا *** تعبت مراسه الأقوياء
{ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } .
أي : قضى الله على دولة المشركين ، وجعل كلمتهم وضيعة مقهورة .
{ وكلمة الله هي العليا } . أي : كلمة التوحيد ، ودعوة الإسلام ، ودعوة الإسلام ؛ صفتها الدائمة أنها فوق كل كلمة ، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه .
وقد مكن الله رسوله من الهجرة إلى المدينة ، وحفظه في الغار ، ويسر الله له طرق الجهاد حتى فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا .
{ والله عزيز حكيم } . أي : هو سبحانه غالب قاهر ، لا يفعل إلا ما فيه حكمة وصواب .
1 – فضل أبي بكر الصديق ؛ فهو صاحب الرسول وعونه ورفيقه في الغار ؛ في وقت تكالب عليه الأعداء .
2 – جواز الاستعانة بالمشركين ؛ كما استعان النبي بعبد الله بن أريقط ، وائتمنه على سره وعلى الراحلتين .
قال المهلب : وفي هذا من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال ؛ إذا علم منهم وفاء ومروءة ، كما ائتمن النبي هذا المشرك على سره في الخروج من مكة وعلى الناقتين .
وقال ابن المنذر : فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق .
3 – عناية الله لرسوله وحفظه وحراسته وهو أمام عدو قوي عنيد .
4 – من وجد الله ؛ وجد كل شيء ومن فقد الله ؛ فقد كل شيء79 .
5 – ساق الإمام فخر الدين الرازي ، والشيخ رشيد رضا في تفسير المنار اثني عشر وجها في فضل أبي بكر الصديق ، فهو أول من أسلم من الرجال ، وهو وزير النبي وصاحبه في الغار ، وخليفته على الصلاة ، وقائد المسلمين في حروب الردة ، والمنفق ماله في سبيل الله ، وورد فضله في الأحاديث الصحيحة .