وتؤدي هذه اللمسة دورها في مجال الحديث عن أحكام الزواج والطلاق ؛ وفي تقرير التصور الإسلامي لقاعدة الإسلام الكبرى . وهي العبادة ممثلة في كل طاعة . ثم يعود السياق إلى ختام الأحكام :
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا : وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج . فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم . وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين . . كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون . .
والآية الأولى تقرر حق المتوفى عنها زوجها في وصية منه تسمح لها بالبقاء في بيته والعيش من ماله ، مدة حول كامل ، لا تخرج ولا تتزوج إن رأت من مشاعرها أو من الملابسات المحيطة بها ما يدعوها إلى البقاء . . وذلك مع حريتها في أن تخرج بعد أربعة أشهر وعشر ليال كالذي قررته آية سابقة . فالعدة فريضة عليها . والبقاء حولا حق لها . . وبعضهم يرى أن هذه الآية منسوخة بتلك . ولا ضرورة لافتراض النسخ ، لاختلاف الجهة كما رأينا . فهذه تقرر حقا لها إن شاءت استعملته . وتلك تقرر حقا عليها لا مفر منه :
( فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) . .
وكلمة ( عليكم ) توحي بمعنى الجماعة المتضامنة المسؤولة عن كل ما يقع فيها . فالجماعة هي التي يناط بها أمر هذه العقيدة وأمر هذه الشريعة وأمر كل فرد وكل فعل في محيطها . وهي التي يكون عليها جناح فيما يفعل أفرادها أو لا يكون . . ولهذا الإيحاء قيمته في إدراك حقيقة الجماعة المسلمة وتبعاتها ، وفي ضرورة قيام هذه الجماعة لتقوم على شريعة الله وتحرسها من خروج أي فرد عليها . فهي المسؤولة في النهاية عن الأفراد في الصغيرة والكبيرة . والخطاب يوجه إليها بهذه الصفة لتقرير هذه الحقيقة في حسها وفي حس كل فرد فيها . . والتعقيب :
للفت القلوب إلى قوة الله . وحكمته فيما يفرض وما يوجه . وفيه معنى التهديد والتحذير . .
{ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا } عود إلى بيان بقية الأحكام المفصلة فيما سبق ، وفي { يُتَوَفَّوْنَ } مجاز المشارفة { وَصِيَّةٍ } قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة عن عاصم بنصب { بَعْدِ وَصِيَّةٍ } على المصدرية ، أو على أنها مفعول به ، والتقدير ليوصوا أو يوصون وصية أو كتب الله تعالى عليهم ، أو/ ألزموا وصية ويؤيد ذلك قراءة عبد الله ( كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول ) مكان { والذين } الخ ، وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر بتقدير ليصح الحمل أي ووصية ( الذين يتوفون ) أو حكمهم وصية أو { والذين يُتَوَفَّوْنَ } أهل وصية ، وجوّز أن يكون نائب فاعل فعل محذوف ، أو مبتدأ لخبر محذوف مقدّم عليه أي : كتب عليهم أو عليهم وصية وقرأ أبيّ ( متاع لأزواجهم ) ، وروي عنه { فمتاع } بالفاء .
{ متاعا إِلَى الحول } نصب بيوصون إن أضمرته ويكون من باب الحذف والإيصال ، وإلا فبالوصية لأنها بمعنى التوصية ، وبمتاع على قراءة أبيّ لأنه بمعنى التمتع { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } بدل منه بدل اشتمال إن اعتبر اللزوم بين التمتع { إِلَى الحول } وبين غير الإخراج وبدل الكل بحسب الذات فإنهما متحدان بالذات ، ومتغايران بالوصف ، وذكر بعضهم أنه على تقدير البدل لا بدّ من تقدير مضاف إلى غير تقديره : متاعاً إلى الحول متاع غير إخراج وإلا لم يصح لأن متاعاً مفسر بالإنفاق ، { غَيْر إِخْرَاجٍ } عبارة عن الإسكان وليس مدلوله مدلول الأوّل ، ولا جزأه ، ولا ملابساً له ، فيكون بدل غلط وهو لا يصح في الكلام المجيد فيتعين التقدير ، وحينئذ يكون إبدال الخاص من العام وهو من قبيل إبدال الكل من الجزء نحو رأيت القمر فلكه ، وهو بدل الاشتمال كما صرح به صاحب «المفتاح » وأجيب بأنا لا نسلم أنّ متاعاً مفسر بالإنفاق فقط بل المتاع عام شامل للإنفاق والإسكان جميعاً ، فيكون { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } عبارة عن الإسكان الذي هو بعض من { متاعا } فيكون بدل البعض من الكل ، وجوّز أن يكون مصدراً مؤكداً لأن الوصية بأن يمتعن حولا يدل على أنهنّ لا يخرجن ، فكأنه قيل : لا يخرجن غير إخراج ويكون تأكيداً لنفي الإخراج الدال عليه { لا يَخْرُجْنَ } [ الطلاق : 1 ] فيؤول إلى قولك : لا يخرجن لا يخرجن ، وأن يكون حالا من ( أزواجهم ) والأكثرون على أنها حال مؤكدة إذ لا معنى لتقييد الإيصاء بمفهوم هذه الحالة وأنها مقدّرة ؛ لأنّ معنى نفي الإخراج إلى الحول ليس مقارناً للإيصار وفيه تأمّل ، وأن يكون صفة ( متاع ) أو منصوباً بنزع الخافض ، والمعنى : يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولا بالنفقة والسكنى ، وكان ذلك على الصحيح في أوّل الإسلام ثم نسخت المدّة بقوله تعالى :
{ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } [ البقرة : 234 ] وهو وإن كان متقدماً في التلاوة فهو متأخر في النزول وكذا النفقة بتوريثهنّ الربع أو الثمن ، واختلف في سقوط السكنى وعدمه ، والذي عليه ساداتنا الحنفية الأوّل ، وحجتهم أنّ مال الزوج صار ميراثاً للوارث ، وانقطع ملكه بالموت ، وذهب الشافعية إلى الثاني لقوله صلى الله عليه وسلم : «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله » واعترض بأنه ليس فيه دلالة على أنّ لها السكنى في مال الزوج ، والكلام فيه { فَإِنْ خَرَجْنَ } بعد الحول ، ومضى العدّة ، وقيل : في الأثناء باختيارهن { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يا أولياء الميت ، أو أيها الأئمة . { فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ } لا ينكره الشرع كالتطيب والتزين وترك الحداد والتعرض للخطاب أو في ترك منعهنّ من الخروج ، أو قطع النفقة عنهنّ ، فلا نص في الآية على أنه لم يكن يجب عليهنّ ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وإنما كنّ مخيرات بين الملازمة وأخذ النفقة ، وبين الخروج وتركها { والله عَزِيزٌ } غالب على أمره ينتقم ممن خالف أمره في الإيصاء وإنفاذ الوصية وغير ذلك { حَكِيمٌ } يراعي/ في أحكامه مصالح عباده فينبغي أن يمتثل أمره ونهيه .
قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم } . يا معشر الرجال .
قوله تعالى : { ويذرون } . أي يتركون .
قوله تعالى : { أزواجاً } . أي زوجات .
قوله تعالى : { وصية لأزواجهم } . قرأ أهل البصرة وابن عامر وحمزة وحفص وصية بالنصب على معنى " فليوصوا وصية " ، وقرا الباقون بالرفع ، أي كتب عليكم الوصية .
قوله تعالى : { متاعاً إلى الحول } . " متاعاً " نصب على المصدر أي متعوهن متاعاً ، وقيل : جعل الله ذلك لهن متاعاً ، والمتاع نفقة سنة لطعامها ، وكسوتها وسكنها وما تحتاج إليه .
قوله تعالى : { غير إخراج } . نصب على الحال ، وقيل بنزع حرف على الصفة ، أي من غير إخراج ، نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له حكيم بن الحارث ، هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته فمات ، فأنزل الله هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ، ولم يؤت امرأته شيئاً ، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولاً كاملاً ، وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً كاملا ، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول ، وكانت نفقتها وسكنها واجبة في مال زوجها تلك السنة ما لم تخرج ، ولم يكن لها الميراث ، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها ، وكان على الرجل أن يوصي بها فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث ، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن ، ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر .
قوله تعالى : { فإن خرجن } . يعني من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة .
قوله تعالى : { فلا جناح عليكم } . يا أولياء الميت .
قوله تعالى : { في ما فعلن في أنفسهن من معروف } . يعني التزين للنكاح ، وارفع الجناح عن الرجال وجهان : أحدهما : لا جناح عليكم في قطع النفقة إذا خرجن قبل انقضاء الحول . والآخر : لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج لأن مقامها في بيت زوجها حولا غير واجب عليها ، خيرها الله تعالى بين أن تقيم حولاً ولها النفقة والسكنى ، وبين أن تخرج فلا نفقة ولا سكنى إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشر .