والتعبير يرسم صورة لهذا الصنف من الناس . صورة فيها الكبر المتعجرف : ( ثاني عطفه )مائلا مزورا بجنبه . فهو لا يستند إلى حق فيعوض عن هذا بالعجرفة والكبر . ( ليضل عن سبيل الله )فلا يكتفي بأن يضل ، إنما يحمل غيره على الضلال .
هذا الكبر الضال المضل لا بد أن يقمع ، ولا بد أن يحطم : ( له في الدنيا خزي ) فالخزي هو المقابل للكبر . والله لا يدع المتكبرين المتعجرفين الضالين المضلين حتى يحطم تلك الكبرياء الزائفة وينكسها ولو بعد حين . إنما يمهلهم أحيانا ليكون الخزي أعظم ، والتحقير أوقع . أما عذاب الآخرة فهو أشد وأوجع : ( ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ) .
{ ثَانِي عِطْفِهِ } حال من ضمير { يجادل } [ الحج : 8 ] كالجار والمجرور السابق أي لاوياً لجانبه وهو كناية عن عدم قبوله ، وهو مراد ابن عباس بقوله متكبراً والضحاك بقوله شامخاً بأنفه وابن جريج بقوله معرضاً عن الحق .
وقرأ الحسن { عِطْفِهِ } بفتح العين أي مانعاً لتعطفه وترحمه { لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله } متعلق بيجادل علة له فإن غرضه من الجدال الإضلال عن سبيله تعالى وإن لم يعترف بأنه إضلال ، وجوز أبو البقاء تعلقه بثاني وليس بذاك ، والمراد بالإضلال إما الإخراج من الهدى إلى الضلال فالمفعول من يجادل من المؤمنين أو الناس جميعاً بتغليب المؤمنين على غيرهم وأما التثبيت على الضلال أو الزيادة عليه مجازاً فالمفعول هم الكفرة خاصة .
وقرأ مجاهد . وأهل مكة . وأبو عمرو في رواية { لِيُضِلَّ } بفتح الياء أي ليضل في نفسه ؛ والتعبير بصيغة المضارع مع أنه لم يكن مهتدياً لجعل تمكنه من الهدى كالهدى لكونه هدى بالقوة ، ويجوز أن يراد ليستمر على الضلال أو ليزيد ضلاله ، وقيل : إن ذلك لجعل ضلاله الأول كالإضلال ، وأياماً كان فاللام للعاقبة { لَهُ فِي الدنيا خِزْي } جملة مستأنفة لبيان نتيجة ما سلكه من الطريق ، وجوز أبو البقاء أن تكون حالاً مقدرة أو مقارنة على معنى استحقاق ذلك والأول أظهر أي ثابت له في الدنيا بسبب ما فعله ذل وهوان ، والمراد به عند القائلين بأن هذا المجادل النضر أو أبو جهل ما أصابه يوم بدر ، ومن عمم وهو الأولى حمله على ذم المؤمنين إياه وإفحامهم له عند البحث وعدم إدلائه بحجة أصلاً أو على هذا مع ما يناله من النكال كالقتل لكن بالنسبة إلى بعض الأفراد .
{ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق } أي النار البالغة في الإحراق ، والإضافة على ما قيل من إضافة المسبب إلى السبب ، وفسر الحريق أيضاً بطبقة من طباق جهنم ، وجوز أن تكون الإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة والمراد العذاب الحريق أي المحرق جداً ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنه { وأذيقه } بهمزة المتكلم .
قوله تعالى : { ثاني عطفه } أي : متبختراً لتكبره . وقال مجاهد ، و قتادة : لاوي عنقه . قال عطية ، و ابن زيد : معرضاً عما يدعى إليه تكبراً . وقال ابن جريج : يعرض عن الحق تكبراً . والعطف : الجانب ، وعطفا الرجل : جانباه عن يمين وشمال وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان أي يلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء ، نظيره قوله تعالى : { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً } . وقال تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } { ليضل عن سبيل الله } عن دين الله ، { له في الدنيا خزي } عذاب وهوان القتل ببدر ، فقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط يوم بدر صبراً . { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.