فأما من أراد الذي هو خير . . خير من ذلك كله . خير لأنه أرفع في ذاته . وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق في الشهوات ، والإنكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء . . من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير . وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات :
( قل : أؤنبئكم بخير من ذلكم ؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار - خالدين فيها - وأزواج مطهرة ، ورضوان من الله ، والله بصير بالعباد ) . .
وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا ، ويؤمر الرسول [ ص ] أن يبشر به المتقين ، هو نعيم حسي في عمومه . . ولكن هنالك فارقا أساسيا بينه وبين متاع الدنيا . . إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا . الذين كان خوف الله وذكره في قلوبهم . وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعا . شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات ، وأن تنساق فيها كالبهيمة . فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس ! وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة ! ويرتفعون بالتطلع إليه - وهم في هذه الأرض - قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله . .
وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا . . وفيه زيادة . .
فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثا معطيا مخصبا ، ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار . وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها ، لا كالحرث المحدود الميقات !
وإذا كان متاعهم في الدنيا نساء وبنين ، ففي الآخرة أزواج مطهرة . وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة !
فأما الخيل المسومة والأنعام . وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة . فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع . فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات !
ثم . . هنالك ما هو أكبر من كل متاع . . هنالك ( رضوان من الله ) . رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما . . ويرجح . . رضوان . بكل ما في لفظه من نداوة . وبكل ما في ظله من حنان .
بصير بحقيقة فطرتهم وما ركب فيها من ميول ونوازع . بصير بما يصلح لهذه الفطرة من توجيهات وإيحاءات . بصير بتصريفها في الحياة وما بعد الحياة .
{ المآب { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } تقرير وتثبيت لما فهم مما قبل من أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا ، والمراد من الإنباء الإخبار و { ذلكم } إشارة إلى المذكور من النساء وما معه ، والقراء فيما إذا اجتمع همزتان ، أولاهما : مفتوحة ، والثانية : مضمومة ، كما هنا وكما في سورة ص ( 8 ) { أَءنزِلَ } وسورة القمر ( 52 ) { أألقى } على خمس مراتب : إحداها : مرتبة قالون وهي تسهيل الثانية بين بين وإدخال ألف بين الهمزتين . الثانية : مرتبة ورش وابن كثير وهي تسهيل الثانية أيضاً بين بين من غير إدخال ألف بينهما . الثالثة : مرتبة الكوفيين وابن ذكوان عن ابن عامر وهي تحقيق الثانية من غير إدخال ألف . الرابعة : مرتبة هشام وهي أنه روي عنه ثلاثة أوجه : الأول : التحقيق وعدم إدخال ألف بين الهمزتين . الوجه الثاني : التحقيق وإدخال ألف بينهما في السور الثلاث . الوجه الثالث : / التفرقة بين السور فيحقق ويقصر هنا ويمد في الأخيرتين . الخامسة : مرتبة أبي عمرو وهي تسهيل الثانية مع إدخال الألف وعدمه ؛ والظرف الأول : متعلق بالفعل قبله . والثاني : متعلق بأفعل التفضيل ولا يجوز أن يكون صفة كما قال أبو البقاء لأنه يوجب أن تكون الجنة وما فيها مما رغبوا فيه بعضاً لما زهدوا عنه من الأموال ونحوها .
وقوله تعالى : { لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات } استئناف مبين لذلك الخير المبهم على أن { لِلَّذِينَ } خبر مقدم ، و { جنات } مبتدأ مؤخر ، و { عِندَ رَبّهِمْ } يحتمل وجهين كونه ظرفاً للاستقرار وكونه صفة للجنات في الأصل قدم فانتصب حالاً منها ، وفي ذكر ذلك إشارة إلى علو رتبة الجنات ورفعة شأنها ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين إيذان بمزيد اللطف بهم ، والمراد منهم المتبتلون إليه تعالى المعرضون عمن سواه كما ينبئ عن ذلك الأوصاف الآتية وتعليق حصول الجنات وما يأتي بعد بهذا العنوان للترغيب في تحصيله والثبات عليه ، وجوز أن تكون اللام متعلقة بخير أيضاً أو بمحذوف صفة له ، و جنات حينئذٍ خبر لمحذوف أي هي جنات والجملة مبينة لخير و عند ربهم حينئذٍ إما أن يتعلق بالفعل على معنى ثبت تقواهم عنده شهادة لهم بالإخلاص ، وجاز أن يجعل خبراً مقدماً فلا يحتاج إلى حذف المبتدأ ، واعترض بأنه يقال : عند الله تعالى الثواب ولا يقال عند الله تعالى الجنة ، وبذلك يصرح كلام السعد وغيره وفي النفس منه شيء وقرئ جنات بكسر التاء وفيه وجهان : أحدهما : أنه مجرور على البدلية من لفظ خير وثانيهما : أنه منصوب على إضمار أعني مثلاً أو البدلية من محل بخير { تَجْرِى } في محل الرفع أو النصب أو الجر صفة لجنات على القراءتين { مِن تَحْتِهَا الأنهار } تقدم ما فيه { خالدين فيها } حال مقدرة من المستكن في للذين والعامل ما فيه من معنى الاستقرار ، وجوز أبو البقاء كونه حالاً من الهاء في تحتها أو من الضمير في اتقوا ولا يخفى ما فيه .
{ وأزواج مُّطَهَّرَةٌ } أي منزهة مما يستقذر من النساء خَلْقاً وخُلُقاً ، والعطف على جنات على قراءة الرفع وأما على قراءة النصب فلا بدّ من تقدير لهم في الكلام { ورضوان } أي رضا عظيم على ما يشعر به التنوين ، وقرأه عاصم بضم الراء وهما لغتان وقراءتان سبعيتان في جميع القرآن إلا في قوله تعالى : { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام } [ المائدة : 16 ] فإنه بالكسر بالاتفاق ، وقيل : المكسور اسم ، والمضموم مصدر ، وهو قول لا ثبت له { مِنَ الله } صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة { والله بَصِيرٌ بالعباد } أي خبير بهم وبأحوالهم وأفعالهم فيثيب المحسن فضلاً ويعاقب المسىء عدلاً ، أو خبير بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعدّ لهم ما أعدّ ، فالعباد على الأول : عام ؛ وعلى الثاني : خاص ، وقد بدأ سبحانه في هذه الآية أولاً بذكر الْمَقَرّ وهو الجنات ، ثم ثَنى بذكر ما يحصل به الأنس التام وهو الأزواج المطهرة ، ثم ثلث بذكر ما هو الإكسير الأعظم والروح لفؤاد الواله المغرم وهو رضا الله عز وجل . وفي الحديث : أنه سبحانه «يسأل أهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول جل شأنه ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً » .
هذا ( من باب الإشارة ) :{ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } المذكور { لّلَّذِينَ اتقوا } النظر إلى الأغيار { جنات } جنة يقين وجنة مكاشفة وجنة مشاهدة وجنة رضا وجنة لا أقولها وهي التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وليس في تلك الجنة عند العارفين إلا الله عز وجل { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا } أنهار التجليات المترعة بماء الغيوب { خالدين فيها } ببقائهم بعد فنائهم { وأزواج مُّطَهَّرَةٌ } وهي الأرواح المقدسة عن أدناس الطبيعة المقصورة في خيام الصفات الإلهية { ورضوان مّنَ الله } لا يقدر قدره { والله بَصِيرٌ بالعباد } [ آل عمران : 15 ] في تقلب أرواحهم في عالم الملكوت محترقات من سطوات أنوار الجبروت حباً لجواره وشوقاً إلى لقائه يجازيها بقدر همومها في طلب وجهه الأزلي وجماله الأبدي
قوله تعالى : { قل أؤنبئكم } أي أخبركم .
قوله تعالى : { بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله } قرأ العامة بكسر الراء ، وروى أبو بكر عن عاصم بضم الراء ، وهما لغتان كالعدوان والعدوان .
أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي ، أنا احمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد ابن إسماعيل ، أنا يحيى بن سليمان ، حدثني ابن وهب حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : يا رب وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك ؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا رب ، وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً " .