ومن مشهد الحياة النابضة في الموات ينتقل نقلة عجيبة - شيئاً - إلى معنى نفسي ومطلب شعوري .
ينتقل إلى معنى العزة والرفعة والمنعة والاستعلاء . ويربط هذا المعنى بالقول الطيب الذي يصعد إلى الله والعمل الصالح الذي يرفعه الله . كما يعرض الصفحة المقابلة . صفحة التدبير السيّىء والمكر الخبيث ، وهو يهلك ويبور :
( من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً ، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ، والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ، ومكر أولئك هو يبور ) . .
ولعل الرابط الذي يصل بين الحياة النامية في الموات ، والكلمة الطيبة والعمل الصالح ، هو الحياة الطيبة في هذه وفي تلك ؛ وما بينهما من صلة في طبيعة الكون والحياة . وهي الصلة التي سبقت الإشارة إليها في سورة إبراهيم . ( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ) . . وهو شبه حقيقي في طبيعة الكلمة وطبيعة الشجرة ؛ وما فيهما من حياة ونماء . والكلمة تنمو وتمتد وتثمر كما تنمو الشجرة وتمتد وتثمر سواء بسواء !
وقد كان المشركون يشركون استبقاء لمكانتهم الدينية في مكة ، وما يقوم عليها من سيادة لقريش على القبائل بحكم العقيدة ، وما تحققه هذه السيادة من مغانم متعددة الألوان . العزة والمنعة في أولها بطبيعة الحال . مما جعلهم يقولون : ( إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ) . .
( من كان يريد العزة فلله العزّة جميعاً )
وهذه الحقيقة كفيلة حين تستقر في القلوب أن تبدل المعايير كلها ، وتبدل الوسائل والخطط أيضاً !
إن العزة كلها لله . وليس شيء منها عند أحد سواه . فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره . ليطلبها عند الله ، فهو واجدها هناك وليس بواجدها عند أحد ، ولا في أي كنف ، ولا بأي سبب ( فلله العزّة جميعاً ) . .
إن الناس الذين كانت قريش تبتغي العزة عندهم بعقيدتها الوثنية المهلهلة ؛ وتخشى اتباع الهدى - وهي تعترف أنه الهدى - خشية أن تصاب مكانتها بينهم بأذى . إن الناس هؤلاء ، القبائل والعشائر وما إليها ، إن هؤلاء ليسوا مصدراً للعزة ، ولا يملكون أن يعطوها أو يمنعوها ( فلله العزّة جميعاً ) . . وإذا كانت لهم قوة فمصدرها الأول هو الله . وإذا كانت لهم منعة فواهبها هو الله . وإذن فمن كان يريد العزة والمنعة فليذهب إلى المصدر الأول ، لا إلى الآخذ المستمد من هذا المصدر . ليأخذ من الأصل الذي يملك وحده كل العزة ، ولا يذهب يطلب قمامة الناس وفضلاتهم . وهم مثله طلاب محاويج ضعاف !
إنها حقيقة أساسية من حقائق العقيدة الإسلامية . وهي حقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين ، وتعديل الحكم والتقدير ، وتعديل النهج والسلوك ، وتعديل الوسائل والأسباب ! ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب لتقف به أمام الدنيا كلها عزيزاً كريماً ثابتاً في وقفته غير مزعزع ، عارفاً طريقه إلى العزة ، طريقه الذي ليس هنالك سواه !
إنه لن يحني رأسه لمخلوق متجبر . ولا لعاصفة طاغية . ولا لحدث جلل . ولا لوضع ولا لحكم . ولا لدولة ولا لمصلحة ، ولا لقوة من قوى الأرض جميعاً . وعلام ? والعزة لله جميعاً . وليس لأحد منها شيء إلا برضاه ?
ومن هنا يذكر الكلم الطيب والعمل الصالح :
( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) . .
ولهذا التعقيب المباشر بعد ذكر الحقيقة الضخمة مغزاه وإيحاؤه . فهو إشارة إلى أسباب العزة ووسائلها لمن يطلبها عند الله . القول الطيب والعمل الصالح . القول الطيب الذي يصعد إلى الله في علاه ؛ والعمل الصالحالذي يرفعه الله إليه ويكرمه بهذا الارتفاع . ومن ثم يكرم صاحبه ويمنحه العزة والاستعلاء .
والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس . حقيقة تستقر في القلب فيستعلي بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله . حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي . يستعلي بها على شهواته المذلة ، ورغائبه القاهرة ، ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس . ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه . فإنما تذل الناس شهواتهم ورغباتهم ، ومخاوفهم ومطامعهم . ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شيء وعلى كل إنسان . . وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة والاستعلاء والسلطان !
إن العزة ليست عناداً جامحاً يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل . وليست طغياناً فاجراً يضرب في عتو وتجبر وإصرار . وليست اندفاعاً باغياً يخضع للنزوة ويذل للشهوة . وليست قوة عمياء تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح . . كلا ! إنما العزة استعلاء على شهوة النفس ، واستعلاء على القيد والذل ، واستعلاء على الخضوع الخانع لغير الله . ثم هي خضوع لله وخشوع ؛ وخشية لله وتقوى ، ومراقبة لله في السراء والضراء . . ومن هذا الخضوع لله ترتفع الجباه . ومن هذه الخشية لله تصمد لكل ما يأباه . ومن هذه المراقبة لله لا تعنى إلا برضاه .
هذا مكان الكلم الطيب والعمل الصالح من الحديث عن العزة ، وهذه هي الصلة بين هذا المعنى وذاك في السياق . ثم تكمل بالصفحة المقابلة :
( والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ) .
ويمكرون هنا مضمنة معنى يدبرون . ولكنه عبر بها لغلبة استعمالها في السوء . فهؤلاء لهم عذاب شديد . فوق أن مكرهم وتدبيرهم يبور . فلا يحيا ولا يثمر . من البوار ومن البوران سواء . وذلك تنسيقاً مع إحياء الأرض وإثمارها في الآية السابقة .
والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلباً للعزة الكاذبة ، والغلبة الموهومة . وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء ، وأنهم أعزاء وأنهم أقوياء . ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله ، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه . وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل . فأما المكر السيى ء قولاً وعملاً فليس سبيلاً إلى العزة ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان . إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد . وعد الله ، لا يخلف الله وعده . وإن أمهل الماكرين بالسوء حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم .
{ مَن كَانَ يُرِيدُ العزة } الشرف والمنعة من قولهم أرض عزاز أي صلبة وتعريفها للجنس ، والآية في الكافرين كانوا يتعززون بالأصنام كما قال تعالى : { واتخذوا مِن دُونِ الله ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } [ مريم : 1 8 ] والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما قال سبحانه : { الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة } [ النساء : 139 ] ومن اسم شرط وما بعده فعل الشرط ، والجمع بين كان ويريد للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها ، وقوله تعالى : { فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً } دليل الجواب ولا يصح جعله جواباً من حيث الصناعة لخلوه عن ضمير يعود على من ، وقد قالوا : لا بد أن يكون في جملة الجواب ضمير يعود على اسم الشرط إذا لم يكن ظرفاً ، والتقدير من كان يريد العزة فليطلبها من الله تعالى فلله وحده لا لغيره العزة فهو سبحانه يتصرف فيها كما يريد فوضع السبب موضع المسبب لأن الطلب ممن هي له وفي ملكه جميعها مسبب عنه ، وتعريف العزة للاستغراق بقرينة { جَمِيعاً } وانتصابه على الحال ، والمراد عزة الدنيا والآخرة ، وتقديم الخبز على المبتدأ للاختصاص كما أشرنا إليه .
ولا ينافي ذلك قوله تعالى : { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [ المنافقون : 8 ] لأن ما لله تعالى وحده العزة بالذات وما للرسول صلى الله عليه وسلم العزة بواسطة قربه من الله تعالى وما للمؤمنين العزة بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكأنه للإشارة إلى ذلك أعيد الجار ، وقدر بعضهم الجواب فليطع الله تعالى ، وأيد بما رواه أنس كما في «مجمع البيان » عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز " ومن قدر فليطلبها من الله تعالى قال : إن الطلب منه تعالى إنما يكون بالطاعة والانقياد ، وعن الفراء المعنى من كان يريد علم العزة أي القدرة على القهر لمن هي فلينسبها إلى الله تعالى فهي له تعالى وحده ، وقيل : المعنى من كان يريد العزة أي الغلبة فهو مغلوب لأن الغلبة لله تعالى وحده ولا تتم إلا به عز وجل ونسب هذا إلى مجاهد ، وقيل : تعريف العزة الأولى للاستغراق أيضاً أو للعهد والمراد الفرد الكامل ، والمعنى من كان يريد العزة جميعها أو الفرد الكامل منها وهي العزة التي لا يشوبها ذلة من وجه فهو لا ينالها فإنها لله تعالى وحده ، وهذا القول أحسن من القولين قبله ، وأظهر الأقوال عندي الأول وهو منسوب إلى قتادة ، وقوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب } إلى آخره كالبيان لطريق تحصيل العزة وسلوك السبيل إلى نيلها وهو الطاعة القولية والفعلية ، وقيل : بيان لكون العزة كلها لله تعالى وبيده سبحانه لأنها بالطاعة وهي لا يعتد بها ما لم تقبل ، وقيل : استئناف كلام ، وعلى الأول المعول .
و { الكلم } اسم جنس جمعي عند جمع واحده كلمة ، والمراد بالكلم الطيب على ما في «الكشاف » و «البحر » عن ابن عباس لا إله إلا الله ، ومعنى كونه طيباً على ما قيل أن العقل السليم يستطيبه ويستلذه لما فيه من الدلالة على التوحيد الذي هو مدار النجاة والوسيلة إلى النعيم المقيم أو يستلذه الشرع أو الملائكة عليهم السلام ، وقيل : إنه حسن يقبله العقل ولا يرده ، وإطلاق الكلم على ذلك إن كان واحده الكلمة بالمعنى الحقيقي ظاهر لتضمنه عدة كلمات لكن في وصفه بالطيب بالنظر إلى غير الاسم الجليل خفاء ؛ ولعل ذلك باعتبار خصوصية التركيب ، وإن كان واحده هنا الكلمة بالمعنى المجازي كما في قوله تعالى : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } [ الأنعام : 5 11 ] ؛ و { كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } [ المؤمنون : 100 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد » وقولهم لا إله إلا الله كلمة التوحيد إلى ما لا يحصى كثرة فإطلاق الكلم على ذلك لتعدده بتعدد القائل . وكأن القرينة على إرادة المعنى المجازي للكلمة الصادق على الكلام الوصف بالطيب بناءً على أن ما يستطيب ويستلذ هو الكلام دون الكلمة العرية عن إفادة حكم تنبسط منه النفس أو تنقبض .
أو يقال : إن كثرة إطلاق الكلمة على الكلام وشيوعه فيما بينهم حتى قال بعضهم كما نقل الحمصي في حواشي التصريح عن بعض شراح الآجرومية أنه حقيقية لغوية تغني عن القرينة ، وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والبيهقي في الأسماء والصفات عن الحبر أنه فسر الكلم الطيب بذكر الله تعالى ، وقيل : هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وهو ظاهر أثر أخرجه ابن مردويه . والديلمي عن أبي هريرة .
وقيل : هو سبحان الله وبحمده والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله ، وهو ظاهر أثر أخرجه جماعة عن ابن مسعود ، وأخرجه ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب أنه القرآن ، وقيل : هو الثناء بالخير على صالحي المؤمنين ، وقيل : هو الدعاء الذي لا ظلم فيه ، وقال الإمام وبه اقتدى : المختار أنه كل كلام هو ذكر الله تعالى أو هو لله سبحانه كالنصيحة والعلم ، وأما ما أفاده كلام الملا صدرا في أسفاره من أنه النوس الطاهرة الزكية فإنه تطلق الكلمة على النفس إذا كانت كذلك كما قال تعالى في عيسى عليه السلام : { وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ } [ النساء : 171 ] فلا ينبغي أن يعد في عداد أقوال المفسرين كما لا يخفي ؛ وصعود الكلم إليه تعالى مجاز مرسل عن قبوله بعلاقة اللزوم أو استعارة بتشبيه القبول بالصعود ، وجوز أن يجعل الكلم مجازاً عما كتب فيه بعلاقة الحلول أو يقدر مضاف أي إليه يصعد صحيفة الكلم الطيب أو يشبه وجوده الخارجي هنا ثم الكتابي في السماء بالصعود ثم يطلق المشبه به على المشبه ويشتق منه الفعل على ما هو المعروف في الاستعارة التبعية ، وقيل : لا مانع من اعتبار حقيقة الصعود للكلم فلله تعالى تجسيد المعاني ، وكون الصعود إليه عز وجل من المتشابه والكلام فيه شهير ، والكلام بعد ذلك كناية عن قبوله والاعتناء بشأن صاحبه ، وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه .
وابن مسعود رضي الله تعالى عنه . والسلمي . وإبراهيم { يَصْعَدُ } من أصعد الكلام الطيب بالنصب ، وقال ابن عطية : وقرأ الضحاك { يَصْعَدُ } بضم الياء ولم يذكر مبنياً للفاعل ولا مبنياً للمفعول ولا إعراب ما بعده ، وفي «الكشاف » وقرئ { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب } على البناء للمفعول و { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب } من أصعد والمصعد هو الرجل أي يصعد إلى الله عز وجل الكلم الطيب ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { إِلَيْهِ يَصْعَدُ } من صعد الكلام بالرفع .
{ والعمل الصالح يَرْفَعُهُ } مبتدأ وخبر على المشهور ، واختلف في فاعل { يَرْفَعُ } فقيل ضمير يعود على العمل الصالح وضمير النصب يعود على { الكلم } أي والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب وروي ذلك عن ابن عباس . والحسن . وابن جبير . ومجاهد . والضحاك . وشهر بن حوشب على ما أخرجه عنه سعيد بن منصور وغيره .
وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه فسر العمل الصالح بأداء الفرائض ثم قال : فمن ذكر الله تعالى وأدى فرائضه حمل عمله ذكر الله تعالى فصعد به إلى الله تعالى ومن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله وكان عمله أولى به ، وتعقب ذلك ابن عطية فقال : هذا قول يرد معتقد أهل السنة ولا يصح عن ابن عباس ، والحق أن العاصي بترك فرائضه إذا ذكر الله تعالى وقال كلاماً طيباً كتب له ذلك وتقبل منه وعليه وزر ترك الفرائض ، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك انتهى .
ولعل المراد برفع العمل الصالح الكلم الطيب رفع قدره وجعله بحيث يترتب عليه من الثواب ما لم يترتب عليه إذا كان بلا عمل ، وحديث " لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا يقبل قولاً وعملاً إلا بنية ولا يقبل قولاً وعملاً ونية إلا بإصابة السنة " المذكور في «الكشاف » لا أظن صحته ، وقيل : إنه لو سلم صحته فالمراد نفي القبول التام ؛ ويجوز أن يكون المراد برفعه إياه تحقيقه وتقويته وذلك باعتبار أن الكلام الطيب هو الإيمان فإنه لا شك أن العمل الصالح يثبت الإيمان ويحققه بإظهار آثاره إذ به يعلم التصديق القلبي ، وقيل : الفاعل ضمير يعود على الكلم الطيب وضمير النصب يعود على العمل الصالح أي يرفع الكلم الطيب العمل الصالح .
ونسب أبو حيان هذا القول إلى أبي صالح . وشهر بن حوشب ، وأيد بقراءة عيسى . وابن أبي عبلة { والعمل الصالح } بالنصب على الاشتغال ، وفيه بحث لعدم تعين ضمير { الكلم } للفاعلية عليها ، ومعنى رفع الكلم الطيب العمل الصالح قيل أن يزيده بهجة وحسناً . ومن فسر الكلم الطيب بالتوحيد قال : معنى ذلك جعله مقبولاً فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد ، وقيل : الفاعل ضميره تعالى وضمير النصب يعود على العمل ، وأخرج ذلك ابن المبارك عن قتادة أي والعمل الصالح يرفعه الله تعالى ويقبله . قال ابن عطية : هذا أرجح الأقوال عندي ، وقيل : ضمير الفاعل يعود على العمل وكذا الضمير المنصوب والكلام على حذف مضاف أي والعمل الصالح يرفع عامله ويشرفه ، ونسب ذلك أبو حيان إلى ابن عباس ثم قال : ويجوز عندي أن يكون { *العمل } معطوفاً على { يَصْعَدُ الكلم } و { يَرْفَعُهُ } استئناف أخبار أي يرفعهما الله تعالى ، ووحد الضمير لاشتراكهما في الصعود والضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة فيكون لفظه مفرداً والمراد به التثنية فكأنه قيل : ليس صعودهما من ذاتهما بل ذلك برفع الله تعالى إياهما اه ، وهو خلاف الظاهر جداً ، ومثله ما نسبه إلى ابن عباس وأنا لا أظن صحة نسبته إليه ، وعلى التسليم يحتمل أنه رضي الله تعالى عنه أراد بقوله العمل الصالح يرفع عامله ويشرفه بيان ما تشير إليه الآية في الجملة . والذي يتبادر إلى ذهني من الآية ما روي عن قتادة واختاره ابن عطية ، وتخصيص العمل الصالح برفع الله تعالى إياه على ذلك قيل لما فيه من الكلفة والمشقة إذ هو الجهاد الأكبر ، وظاهر هذا أن العمل أشرف من الكلام ولا كلام في ذلك إذا أريد بالعمل الصالح ما يشمل العمل القلبي كالتصديق ، ولعل الكلام عليه نظير قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا } [ الأعراف : 143 ] وقوله سبحانه : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } [ الإسراء : 1 ] وكلام الإمام صريح في أن الكلم الطيب المفسر بالذكر أشرف من العمل حيث جعل صعود الكلم بنفسه دليل ترجيحه على العمل الذي يرفعه غيره ، وقال في وجه ذلك : الكلام شريف فإن امتياز الإنسان عن كل حيوان بالنطق والعمل حركة وسكون يشترك فيه الإنسان وغيره والشريف إذا وصل إلى باب الملك لا يمنع ومن دونه لا يجد الطريق إلا عند الطلب ، ويدل على هذا أن الكافر إذا تكلم بكلمة الشهادة أمن من عذاب الدارين إن كان ذلك عن صدق وأمن في نفسه ودمه وحرمه في الدنيا إن كان ظاهراً ولا كذلك العمل بالجوارح ، وأيضاً أن القلب هو الأصل وما فيه لا يظهر إلا باللسان وما في اللسان لا يبين صدقه إلا بالفعل فالقول أقرب إلى القلب من الفعل فيكون أشرف منه ، اه وفي القلب منه شيء فتدبر .
{ والذين يَمْكُرُونَ السيئات } أي المكرات السيآت أو أصناف المكرات السيآت على أن { السيآت } صفة لمحذوف وليس مفعولاً به ليمكرون لأن مكر لازم ، وجوز أن يكون مفعولاً على تضمين يقصدون أو يكسبون وعلى الأول فيه مبالغة للوعيد الشديد على قصد المكر أو هو إشارة إلى عدم تأثير مكرهم ، والموصول مبتدأ وجملة قوله تعالى : { والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } خبره أي لهم بسبب مكرهم عذاب شديد لا يقادر قدره ولا يعبأ بالنسبة إليه بما يمكرون . والآية على ما روي عن أبي العالية في الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة كما قال تعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } [ الأنفال : 0 3 ] والمضارع لحكاية الحال الماضية ، ووضع اسم الإشارة موضع ضميرهم في قوله سبحانه : { وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ } للإيذان بكمال تميزهم بما هم عليه من الشر والفساد عن سائر المفسدين واشتهارهم بذلك ، وما فيه من معنى البعد للتنبيه على ترامي أمرهم في الطغيان وبعد منزلتهم في العدوان أي ومكر أولئك المفسدين المشهورين { هُوَ يَبُورُ } أي يفسد ، وأصل البوار فرط الكساد أو الهلاك فاستعير هنا للفساد عدم التأثير لأن فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل كسد حتى فسد أو لأن الكاسد يكسد في الغالب لفساده ولأن الهالك فاسد لا أثر له ، و { مَكَرَ } مبتدأ خبره جملة { هُوَ يَبُورُ } وتقديم الضمير للتقوى أو الاختصاص أي مكرهم هو يفسد خاصة لا مكرنا بهم ، وأجاز الحوفي . وأبو البقاء كون الخبر جملة { يَبُورُ } و { هُوَ } ضمير فصل . وتعقبه في «البحر » بأن ضمير الفصل لا يكون ما بعده فعلاً ولم يذهب إلى ذلك أحد فيما علمنا إلا عبد القاهر الجرجاني في شرح الإيضاح له فإنه أجاز في كان زيد هو يقوم أن يكون هو فصلاً . ورد ذلك عليه .
وجوز أبو البقاء أيضاً كون { هُوَ } تأكيداً للمبتدأ ، والظاهر ما قدمناه ، وقد أبار الله تعالى أولئك الماكرين بعد إبارة مكرهم حيث أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم الثلاث التي اكتفوا في حقه عليه الصلاة والسلام بواحدة منهن وحقق عز وجل فيهم قوله سبحانه : { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين } [ آل عمران : 54 ] وقوله تعالى : { وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 3 4 ] ووجه ارتباط الآية بما قبلها على ما ذكره شيخ الإسلام أنها بيان لحال الكلم الخبيث والعمل السيء وأهلهما بعد بيان حال الكلم الطيب والعمل الصالح .
وقال في «الكشف » : كأنه لما حصر سبحانه العزة وخصها به تعالى يعطيها من يشاء وأرشد إلى نيل ما به ينال ذلك المطلوب ذكر على سبيل الاستطراد حال من أراد العزة من عند غيره عز وجل وأخذ في إهانة من أعزه الله تعالى فوق السماكين قدراً وما رجع إليهم من وبال ذلك كالاستشهاد لتلك الدعوى وهو خلاصة ما ذكره الطيبي في وجه الانتظام ، وروي عن مجاهد .
وسعيد بن جبير . وشهر بن حوشب أن الآية في أصحاب الرياء وهي متصلة بما عندها على ما روي عن شهر حيث قال : { والذين يَمْكُرُونَ } أي يراؤن { شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } هم أصحاب الرياء عملهم لا يصعد ، وقال الطيبي : إن الجملة على هذه الرواية عطف على جملة الشرط والجزاء أعني قوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ العزة } الخ فيجب حينئذٍ مراعاة التطابق بين القرينتين والتقابل بين الفقرتين بحسب الإمكان بأن يقدر في كل منهما ما يحصل به التقابل بدلالة المذكور في الأولى على المتروك في الأخرى وبالعكس اه ولا يخفي بعده ، وأياً ما كان فالمضارع للاستمرار التجددي .
ومن باب الإشارة : { مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً } [ فاطر : 0 1 ] إشارة إلى أن العزة الحقيقية لا تحصل بدون الفناء ، ولا تغفل عن حديث «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل » الخ
قوله تعالى :{ من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً } قال الفراء : معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعاً . وقال قتادة : من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله معناه الدعاء إلى طاعة من له العزة ، أي : فليطلب العزة من عند الله بطاعته ، كما يقال : من كان يريد المال فالمال لفلان ، أي : فليطلبه من عنده ، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزز كما قال الله واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا ، وقال : { الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً } { إليه } أي : إلى الله ، { يصعد الكلم الطيب } وهو قوله لا إله إلا الله ، وقيل : هو قول الرجل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .
أحبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أبو منصور السمعاني ، أنبأنا أبو جعفر الرياني ، أنبأنا حميد بن زنجويه ، أنبأنا الحجاج بن نصر ، أنبأنا المسعودي عن عبد الله بن المخارق ، عن أبيه ، عن ابن مسعود قال : إذا حدثتكم حديثاً أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل : " ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، وتبارك الله ، إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيى بها وجه رب العالمين ، ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } ذكره ابن مسعود . وقيل : الكلم الطيب : ذكر الله . وعن قتادة : إليه يصعد الكلم الطيب أي : يقبل الله الكلم الطيب . قوله : { والعمل الصالح يرفعه } أي : يرفع العمل الصالح الكلم الطيب ، فالهاء في قوله يرفعه راجعة إلى الكلم الطيب ، وهو قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وعكرمة ، وأكثر المفسرين . وقال الحسن وقتادة : الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه ، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله ، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ، فمن قال حسناً وعمل غير صالح رد الله عليه قوله ، ومن قال حسناً وعمل صالحاً يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } وجاء في الحديث : " لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا قولاً ولا عملاً إلا بنية " . وقال قوم : الهاء في قوله يرفعه راجعة إلى العمل الصالح أي : الكلم الطيب يرفع العمل الصالح ، فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادراً عن التوحيد ، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل . وقيل : الرفع من صفة الله عز وجل معناه : العمل الصالح يرفعه الله عز وجل . وقال سفيان بن عيينة : العمل الصالح هو الخالص ، يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال ، دليله قوله عز وجل : { فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء ، { والذين يمكرون السيئات } قال الكلبي : أي : الذين يعملون السيئات . وقال مقاتل : يعني الشرك . وقال أبو العالية : يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار النبوة ، كما قال الله تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك } وقال مجاهد : وشهر بن حوشب ، هم أصحاب الرياء . { لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور } يبطل ويهلك في الآخرة .