ثم يجيء مشهد النشأة الأولى للإنسان بعد الكلام عن نشأة الحياة كلها بالماء . ويذكر ما يلابس تلك النشأة من حمل في البطون ؛ ومن عمر طويل وعمر قصير . وكله في علم الله المكنون .
( والله خلقكم من تراب ، ثم من نطفة ، ثم جعلكم أزواجاً . وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه . وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب . إن ذلك على الله يسير ) . .
والإشارة إلى النشأة الأولى من التراب تتردد كثيراً في القرآن ؛ وكذلك الإشارة إلى أول مراحل الحمل : النطفة . . والتراب عنصر لا حياة فيه ، والنطفة عنصر فيه الحياة . والمعجزة الأولى هي معجزة هذه الحياة التي لا يعلم أحد كيف جاءت ، ولا كيف تلبست بالعنصر الأول . وما يزال هذا سراً مغلقاً على البشر ؛ وهو حقيقة قائمة مشهودة ، لا مفر من مواجهتها والاعتراف بها . ودلالتها على الخالق المحيي القدير دلالة لا يمكن دفعها ولا المماحكة فيها .
هذا والنقلة من غير الحي إلى الحي نقلة بعيدة بعيدة أكبر وأضخم من كل أبعاد الزمان والمكان . وتأمل هذه النقلة لا ينتهي ولا يمله القلب الحي الذي يتدبر أسرار هذا الوجود العجيبة . وكل سر منها أضخم من الآخر وأعجب صنعاً .
والنقلة بعد ذلك من النطفة التي تمثل مرحلة الخلية الواحدة إلى الخلقة الكاملة السوية للجنين ، حين يتميز الذكر من الأنثى ، وتتحقق الصورة التي يشير إليها القرآن في هذه الآية : ( ثم جعلكم أزواجاً ) . . سواء كان المقصود جعلكم ذكراً وأنثى وأنتم أجنة ، أو كان المقصود جعلكم أزواجاً بعد ولادتكم وتزاوج الذكر والأنثى . . هذه النقلة من النطفة إلى هذين النوعين المتميزين نقلة بعيدة كذلك بعيدة ! فأين الخلية الواحدة في النطفة من ذلك الكائن الشديد التركيب والتعقيد ، الكثير الأجهزة المتعدد الوظائف ? وأين تلك الخلية المبهمة من ذلك الخلق الحافل بالخصائص المتميزة ?
إن تتبع هذه الخلية الساذجة وهي تنقسم وتتوالد ؛ وتتركب كل مجموعة خاصة من الخلايا المتولدة منها لتكوين عضو خاص له وظيفة معينة وطبيعة معينة . ثم تعاون هذه الأعضاء وتناسقها وتجمعها لتكون مخلوقاً واحداً على هذا النحو العجيب ؛ ومخلوقاً متميزاً من سائر المخلوقات الأخرى من جنسه ، بل من أقرب الناس إليه ، بحيث لا يتماثل أبداً مخلوقان اثنان . . وكلهم من نطفة لا تميز فيها يمكن إدراكه ! . . ثم تتبع هذه الخلايا حتى تصير أزواجاً ، قادرة على إعادة النشأة بنطف جديدة ، تسير في ذات المراحل ، دون انحراف . . إن هذا كله لعجب لا ينقضي منه العجب . ومن ثم هذه الإشارة التي تتردد في القرآن كثيراً عن تلك الخارقة المجهولة السر ؛ بل تلك الخوارق المجهولة الأسرار ! لعل الناس يشغلون قلوبهم بتدبرها ، ولعل أرواحهم تستيقظ على الإيقاع المتكرر عليها !
وإلى جوار هذه الإشارة هنا يعرض صورة كونية لعلم الله [ كالصور التي جاء ذكرها في هذا الجزء في سورة سبأ ] صورة علم الله المحيط بكل حمل تحمله أنثى في هذه الأرض جميعاً :
( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) .
والنص يتجاوز إناث الإنسان إلى إناث الحيوان والطير والأسماك والزواحف والحشرات . وسواها مما نعلمه ومما لا نعلمه وكلها تحمل وتضع حتى ما يبيض منها ، فالبيضة حمل من نوع خاص . جنين لا يتم نموه في داخل جسم الأم ؛ بل ينزل بيضة ، ثم يتابع نموه خارج جسم الأم بحضانتها هي أو بحضانة صناعية حتى يصبح جنيناً كاملاً ثم يفقس ويتابع نموه العادي .
وعلم الله على كل حمل وعلى كل وضع في هذا الكون المترامي الأطراف ! ! !
وتصوير علم الله المطلق على هذا النحو العجيب ليس من طبيعة الذهن البشري أن يتجه إليه لا في التصور ولا في التعبير - كما قلنا في سورة سبأ - فهو بذاته دليل على أن الله هو منزل هذا القرآن . وهذه إحدى السمات الدالة على مصدره الإلهي المتفرد .
ومثلها الحديث عن العمر في الآية ذاتها :
( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب . إن ذلك على الله يسير ) . .
فإن الخيال إذا مضى يتدبر ويتتبع جميع الأحياء في هذا الكون من شجر وطير وحيوان وإنسان وسواه على اختلاف في الأحجام والأشكال والأنواع والأجناس والمواطن والأزمنة ؛ ثم يتصور أن كل فرد من أفرادهذا الحشد - الذي لا يمكن حصره ، ولا يعلم إلا خالقه عدده - يعمر فيطول عمره ، أو ينقص من عمره فيقصر وفق قدر مقدور ، ووفق علم متعلق بهذا الفرد ، متابع له ، عمر أم لم يعمر .
بل متعلق بكل جزء من كل فرد . يعمر أو ينقص من عمره . فهذه الورقة من تلك الشجرة يطول عمرها أو تذبل أو تسقط عن قريب . وهذه الريشة من ذلك الطائر يطول مكثها أو تذهب مع الريح . وهذا القرن من ذلك الحيوان يبقى طويلاً أو يتحطم في صراع . وهذه العين في ذلك الإنسان أو هذه الشعرة تبقى وتسقط وفق تقدير معلوم .
كل ذلك ( في كتاب ) . . من علم الله الشامل الدقيق . وأن ذلك لا يكلف جهداً ولا عسراً : ( إن ذلك على الله يسير ) . .
إذا مضى الخيال يتدبر هذا ويتتبعه ؛ ثم يتصور ما وراءه . . إنه لأمر عجيب جد عجيب . . وإنه لاتجاه إلى حقيقة لا يتجه إليها التفكير البشري على هذا النحو . واتجاه إلى تصور هذه الحقيقة وتصويرها على غير مألوف البشر كذلك . وإنما هو التوجيه الإلهي الخاص إلى هذا الأمر العجيب .
والتعمير يكون بطول الأجل وعد الأعوام ؛ كما يكون بالبركة في العمر ، والتوفيق إلى إنفاقه إنفاقاً مثمراً ، واحتشاده بالمشاعر والحركات والأعمال والآثار . وكذلك يكون نقص العمر بقصره في عد السنين ؛ أو نزع البركة منه وإنفاقه في اللهو والعبث والكسل والفراغ .
ورب ساعة تعدل عمراً بما يحتشد فيها من أفكار ومشاعر ، وبما يتم فيها من أعمال وآثار . ورب عام يمر خاوياً فارغاً لا حساب له في ميزان الحياة ، ولا وزن له عند الله !
وكل ذلك في كتاب . . كل ذلك من كل كائن في هذا الكون الذي لا يعرف حدوده إلا الله . .
والجماعات كالآحاد . والأمم كالأفراد . . كل منها يعمر أو ينقص من عمره . والنص يشمله .
بل إن الأشياء لكالأحياء . وإني لأتصور الصخرة المعمرة ، والكهف المعمر ، والنهر المعمر ، والصخرة التي ينتهي أجلها أو يقصر فإذا هي فتات ؛ والكهف الذي ينتهي أجله أو يقصر فإذا هو محطم أو مسدود ؛ والنهر الذي ينتهي أجله أو يقصر فإذا هو غائض أو مبدد !
ومن الأشياء ما تصنعه يد الإنسان . البناء المعمر أو القصير العمر . والجهاز المعمر أو قصير العمر . والثوب المعمر أو قصير العمر . . وكلها ذات آجال وأعمار في كتاب الله كالإنسان .
وكلها من أمر الله العليم الخبير . .
وإن تصور الأمر على هذا النحو ليوقظ القلب إلى تدبر هذا الكون بحس جديد ، وأسلوب جديد . وإن القلب الذي يستشعر يد الله وعينه على كل شيء بمثل هذه الدقة ليصعب أن ينسى أو يغفل أو يضل . وهو حيثما تلفت وجد يد الله . ووجد عين الله . ووجد عناية الله ، ووجد قدرة الله ، متمثلة ومتعلقة بكل شيء في هذا الوجود .
{ والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } دليل آخر على صحة البعث والنشور أي خلقكم ابتداءً منه في ضمن خلق آدم عليه السلام خلقاً إجمالياً { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } أي ثم خلقكم منها خلقاً تفصيلياً { ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا } أي أصنافاً ذكراناً وإناثاً كما قال سبحانه : { أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإناثا } [ الشورى : 0 5 ] وأخرجه ابن أبي حاتم عن السدي ، وأخرج هو وغيره عن قتادة أنه قال قدر بينكم الزوجية وزوج بعضكم بعضاً { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } حال من الفاعل ومن زائدة أي إلا ملتبسة بعلمه تعالى ومعلومية الفاعل راجعة إلى معلومية أحواله مفصلة ومنها حال ما حملته الأنثى ووضعته فجعله من ذلك أبلغ معنى وأحسن لفظاً من جعله من المفعول أعني المحمول والموضوع لأن المفعول محذوف متروك كما صرح به الزمخشري في حم السجدة ، وجعله حالاً من الحمل والوضع أنفسهما خلاف الظاهر { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } أي من أحد أي وما يمد في عمر أحد وسمي معمراً باعتبار الأول نحو { إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } [ يوسف : 36 ] ومن قتل قتيلاً على ما ذكر غير واحد وهذا لئلا يلزم تحصيل الحاصل ، وجوز أن يقال لأن { يُعَمَّرُ } مضارع فيقتضي أن لا يكون معمراً بعد ولا ضرورة للحمل على الماضي { وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } الضمير عائد على معمر آخر نظير ما قال ابن مالك في عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر ، ولا يضر في ذلك احتمال أن يكون المراد مثل نصفه لأنه مثال وهو استخدام أو شبيه به وإلى ذلك ذهب الفراء وبعض النحويين ولعله الأظهر ، وفسروا المعمر بالمزاد عمره بدليل ما يقابله من قوله تعالى : { وَلاَ يُنقَصُ } الخ وهو الذي دعاهم إلى إرجاع الضمير إلى نظير المذكور دون عينه ضرورة أنه لا يكون المزيد في عمره منقوصاً من عمره ، وقيل : عليه هب أن مرجع الضمير معمر آخر أليس قد نسب النقص في العمر إلى معمر وقد قلتم إنه المزاد عمره . أجيب بأن الأصل وما يعمر من أحد فسمي معمراً باعتبار ما يؤول إليه وعاد الضمير باعتبار الأصل المحول عنه فمآل ذلك ولا ينقص من عمر أحد أي ولا يجعل من ابتداء الأمر ناقصاً فهو نظير قولهم ضيق فم الركية ، وقال آخرون : الضمير عائد على المعمر الأول بعينه والمعمر هو الذي جعل الله تعالى له عمراً طال أو قصر ؛ ولا مانع أن يكون المعمر ومن ينقص من عمره شخصاً واحداً والمراد بنقص عمره ما يمر منه وينقضي مثلاً يكتب عمره مائة سنة ثم يكتب تحته مضى يوم مضى يومان وهكذا حتى يأتي الخ وروي هذا عن ابن عباس .
وابن جبير . وأبي مالك وحسان بن عطية . والسدي ، وقيل بمعناه :
حياتك أنفاس تعد فكلما *** مضى نفس منها انتقصت به جزأ
وقيل الزيادة والنقص في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح كما ورد في الخبر الصدقة تزيد في العمر فيجوز أن يكون أحد معمراً أي مزاداً في عمره إذا عمل عملاً وينقص من عمره إذا لم يعمله ، وهذا لا يلزم منه تغيير التقدير لأنه في تقديره تعالى معلق أيضاً وإن كان ما في علمه تعالى الأزلي وقضائه المبرم لا يعتريه محو على ما عرف عن السلف ولذا جاز الدعاء بطول العمر .
وقال كعب : لو أن عمر رضي الله تعالى عنه دعا الله تعالى أخر أجله ، ويعلم من هذا أن قول ابن عطية : هذا قول ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين كما ذهبت إليه المعتزلة ليس بشيء ، ومن العجيب قول ابن كمال : النظر الدقيق يحكم بصحة أن المعمر أي الذي قدر له عمر طويل يجوز أن يبلغ ذلك العمر وأن لا يبلغ فيزيد عمره على الأول وينقص على الثاني ومع ذلك لا يلزم التغيير في التقدير لأن المقدر في كل شخص هو الأنفاس المعدودة لا الأيام المحدودة والأعوام الممدودة ثم قال : فافهم هذا السر العجيب وكتب في الهامش حتى ينكشف لك سر اختيار حبس النفس ويتضح وجه صحة قوله عليه الصلاة والسلام : «إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار » اه . وتعقبه الشهاب الخفاجي بأنه مما لا يعول عليه عاقل ولم يقل به أحد غير بعض جهلة الهنود مع أنه مخالف لما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم . والنسائي . وابن أبي شيبة . وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة وقد قالت : اللهم امتعني بزوجي النبي صلى الله عليه وسلم وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية ، سألت الله تعالى لآجال مضروبة وأيام معدودة الحديث وأطال الجلبي في رده وهو غني عنه اه .
وقال بعضهم : يجوز أن لا يبلغ من قدر له عمر طويل ما قدر له بأن يغير ما قدر أولاً بتقدير آخر ولا حجر على الله تعالى ، ويشير إلى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث التراويح «خشيت أن تفرض عليكم » وقوله صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت «وقنى شر ما قضيت » وخوفه عليه من الله تعالى آلاف آلاف صلاة وسلام من قيام الساعة إذا اشتدت الريح مع إخباره بأن بين يديها خروج المهدي والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها إلى غير ذلك مما لم يحدث بعد ، وغاية ما يلزم من ذلك تغير المعلوم ولا يلزم منه تغير العلم على ما بين في موضعه وعلى هذا لا إشكال في خبر
" الصدقة تزيد في العمر " ويتضح أمر فائدة الدعاء ، وما يحكي عن بعضهم من نفي القضاء المبرم يرجع إليه ، وقد رأيت كراسة لبعض الأفاضل أطال الكلام فيها لتشييد هذا القول وتثبيت أركانه ، والحق عندي أن ما في العلم الأزلي المتعلق بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر لا يتغير ويجب أن يقع كما علم وإلا يلزم الانقلاب ، وما يتبادر منه خلاف ذلك إذا صح مؤول ، وخبر " الصدقة تزيد في العمر " قيل إنه خبر آحاد فلا يعارض القطعيات ، وقيل المراد أن الصدقة وكذا غيرها من الطاعات تزيد فيما هو المقصود الأهم من العمر وهو اكتساب الخير والكمال والبركة التي بها بها تستكمل النفوس الإنسانية فتفوز بالسعادة الأبدية ، والدعاء حكمه حكم سائر الأسباب من الأكل والشرب والتحفظ من شدة الحر والبرد مثلاً ففائدته كفائدتها ، وقيل هو لمجرد إظهار الاحتياج والعبودية فليتدبر .
وقيل الضمير للمعمر والنقص لغيره أي ولا ينقص من عمر المعمر لغيره بأن يعطى له عمر ناقص من عمره ، وقيل الضمير للمنقوص من عمره وهو وإن لم يصرح به في حكم المذكور كما قيل :
وبضدها تتبين الأشياء *** فيكون عائداً على ما علم من السياق أي ولا ينقص من عمر المنقوص من عمره بجعله ناقصاً .
وقرأ الحسن . وابن سيرين . وعيسى { وَلاَ يُنقَصُ } بالبناء للفاعل وفاعله ضمير المعمر أو { عُمُرِهِ } و { مِنْ } زائدة في الفاعل وإن كان متعدياً جاز كونه ضمير الله تعالى . وقرأ الأعرج { مِنْ عُمُرِهِ } بسكون الميم { إِلاَّ في كتاب } عن ابن عباس هو اللوح المحفوظ ، وجوز أن يراد به صحيفة الإنسان فقد أخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد أذكر أم أنثى فيقول الله تعالى ويكتب ثم يكتب عمله ورزقه وأجله وأثره ومصيبته ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها ، وجوز أيضاً أن يراد به علم الله عز وجل ، وذكر في ربط الآيات إن قوله تعالى : { والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } الخ مساق للدلالة على القدرة الكاملة وقوله سبحانه : { مَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى } الخ للعلم الشامل وقوله عز وجل : { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } الخ لإثبات القضاء والقدر ، والمعنى وما يعمر منكم خطاباً لأفراد النوع الإنساني وأيد بذلك الوجه الأول من أوجه { وَمَا يُعَمَّرُ } الخ { إِنَّ ذلك } أي ما ذكر من الخلق وما بعده مع كونه محاراً للعقول والأفهام { عَلَى الله يَسِيرٌ } لاستغنائه تعالى عن الأسباب فكذلك البعث والنشور .
ومن باب الإشارة : { والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } وهو أبعد المخلوقات من الحضرة وأسفلها وأكثفها { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وفيها نوع ما من اللطافة { ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا } [ فاطر : 11 ] إشارة إلى ما حصل لهم من ازدواج الروح اللطيف العلوي والقالب الكثيف السفلى وهو مبدأ استعداد الوقوف على عوالم الغيب والشهادة
قوله عز وجل :{ والله خلقكم من تراب } أي : آدم ، { ثم من نطفة } يعني : نسله ، { ثم جعلكم أزواجاً } ذكراناً وإناثاً ، { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر } لا يطول عمره ، { ولا ينقص من عمره } يعني : من عمر آخر ، كما يقال لفلان عندي درهم ونصفه أي : نصف درهم آخر ، { إلا في كتاب } وقيل : قوله : { ولا ينقص من عمره } ينصرف إلى الأول ، قال سعيد بن جبير : مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره . وقال كعب الأحبار حين حضر عمر رضي الله عنه الوفاة : والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر أجله لأخر ، فقيل له إن الله عز وجل يقول : { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فقال : هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص ، وقرأ هذه الآية { إن ذلك على الله يسير } أي : كتابة الأجل والأعمال على الله هين .