( فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا . قال لأهله : امكثوا إني آنست نارا ، لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ) . .
ترى أي خاطر راود موسى ، فعاد به إلى مصر ، بعد انقضاء الأجل ، وقد خرج منها خائفا يترقب ? وأنساه الخطر الذي ينتظره بها ، وقد قتل فيها نفسا ? وهناك فرعون الذي كان يتآمر مع الملأ من قومه ليقتلوه ?
إنها اليد التي تنقل خطاه كلها ، لعلها قادته هذه المرة بالميل الفطري إلى الأهل والعشيرة ، وإلى الوطن والبيئة ، وأنسته الخطر الذي خرج هاربا منه وحيدا طريدا . ليؤدي المهمة التي خلق لها ورعي منذ اللحظة الأولى .
على أية حال ها هو ذا عائد في طريقه ، ومعه أهله ، والوقت ليل ، والجو ظلمة ؛ وقد ضل الطريق ، والليلة شاتية ، كما يبدو من أنسه بالنار التي شاهدها ، ليأتي منها بخبر أو جذوة . . هذا هو المشهد الأول في هذه الحلقة .
{ فَلَمَّا قضى مُوسَى الاجل } أي أتم المدة المضروبة لما أراد شعيب منه والمراد به الأجل الآخر كما أخرجه ابن مردويه عن مقسم عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما . وأخرج البخاري وجماعة عن ابن عباس أنه سئل أي الأجلين قضى موسى عليه السلام ؟ فقال : قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل . وأخرج ابن مردويه من طريق علي بن عاصم عن أبي هرون عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً سأله أي الأجلين قضى موسى فقال : لا أدري حتى اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال : لا أدري حتى أسأل جبريل عليه السلام فسأل جبريل فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل عليه السلام فسأل ميكائيل فقال : لا أدري حتى أسأل الرفيع فسأل الرفيع فقال : لا أدري حتى أسأل إسرافيل عليه السلام فسأل إسرافيل فقال : لا أدري حتى أسأل ذا العزة جل جلاله فنادى إسرافيل بصوته الأشد ياذا العزة أي الأجلين قضى موسى قال : { أتم الأجلين وأطيبها عشر سِنِينَ } قال علي بن عاصم : فكان أبو هرون إذا حدث بهذا الحديث يقول : حدثني أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن ميكائيل عن الرفيع عن إسرافيل عن ذي العزة تبارك وتعالى : { أن موسى قَضَى أتم الأجلين وأطيبها عشر سِنِينَ } والفاء قيل : فصيحة أي فعقد العقدين وباشر موسى ما أريد منه فلما أتم الأجل { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } قيل : نحو مصر بإذن من شعيب عليه السلام لزيارة والدته وأخيه وأخته وذوي قرابته وكأنه عليه السلام أقدمه على ذلك طول مدة الجنابة وغلبة ظنه خفاء أمره ، وقيل : سار نحو بيت المقدس وهذا أبعد عن القيل والقال .
{ ءانَسَ مِن جَانِبِ الطور } أي أبصر من الجهة التي تلي الطور لا من بعضه كما هو المتبادر ، وأصل الإيناس على ما قيل الإحساس فيكون أعم من الإبصار ، وقال الزمخشري : هو الإبصار البيت الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين لأنه يبين به الشيء والإنس لظهورهم كما قيل : الجن لاستتارهم ، وقيل : هو إبصار ما يؤنس به .
{ نَارًا } استظهر بعضهم أن المبصر كان نوراً حقيقة إلا أنه عبر عنه بالنار اعتباراً لاعتقاد موسى عليه السلام ، وقال بعض العارفين : كان المبصر في صورة النار الحقيقية وأما حقيقته فوراء طور العقل إلا أن موسى عليه السلام ظنه النار المعروفة { قَالَ لأهله امكثوا } أي أقيموا مكانكم وكان معه عليه السلام على قول امرأته وخادم ويخاطب الاثنان بصيغة الجمع ، وعلى قول آخر كان معه ولدان له أيضا اسم الأكبر جير شوم واسم الأصغر اليعازر ولداً له زمان إقامته عند شعيب وهذا مما يتسنى على القول بأنه عليه السلام دخل على زوجته قبل الشروع فيما أريد منه ، وأما على القول بأنه لم يدخل عليها حتى أتم الأجل فلا يتسنى إلا بالتزام أنه عليه السلام مكث بعد ذلك سنين ، وقد قيل به ، أخرج عبد بن حميد .
وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : قضى موسى عشر سنين ثم مكث بعد ذلك عشراً أخرى ، وعن وهب أنه عليه السلام ولد له ولد في الطريق ليلة إيناس النار ، وفي «البحر » أنه عليه السلام خرج بأهله وماله في فصل الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام وامرأته حامل لا يدري أليلاً تضع أم نهاراً فسار في البرية لا يعرف طرقها فالجأه السير إلى جانب الطور المغربي الأيمن في ليلة ملمة مثلجة شديدة البرد ، وقيل : كان لغيرته على حرمه يصحب الرفقة ليلاً ويفارقهم نهاراً فأضل الطريق يوماً حتى أدركه الليل فأخذ امرأته الطلق فقدح زنده فأصلد فنظر فإذا نار تلوح من بعد فقال امكثوا { إِنّي ءانَسْتُ نَاراً لَّعَلّي ءاتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ } أي بخبر الطريق بأن أجد عندها من يخبرني به وقد كانوا كما سمعت ضلوا الطريق ، والجملة استئناف في معنى التعليل للأمر { أَوْ جَذْوَةٍ } أي عود غليظ سواء كان في رأسه نار كما في قوله :
وألقى على قيس من النار جذوة *** شديداً عليها جرها والتهابها
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها *** جزل الجذا غير خوار ولا دعر
ولذا بينت كما قال بعض المحققين بقوله تعالى : { مِنَ النار } وجعلها نفس النار للمبالغة كأنها لتشبث النا ربها استحالت ناراً ، وقال الراغب : الجذوة ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب ، وفي معناه قول أبي حيان : عود فيه نار بلا لهب ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : هي عود من حطب فيه النار .
/ وأخرج هو وجماعة عن قتادة أنها أصل شجرة في طرفها النار ، قيل : فتكون من على هذا للابتداء ، والمراد بالنار هي التي آنسها .
وقرأ الأكثر { جَذْوَةٍ } بكسر الجيم . والأعمش . وطلحة . وأبو حيوة . وحمزة بضمها { لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون وتتسخنون بها ، وفيه دليل على أنهم أصابهم برد .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فلما قضى موسى الأجل} السنين العشر، {وسار بأهله}... {آنس} يعني رأى {من جانب} يعني: من ناحية {الطور} يعني: الجبل {نارا} وهو النور بالأرض المقدسة، ف {قال لأهله امكثوا} مكانكم {إني آنست نارا} يقول: إني رأيت نارا {لعلي آتيكم منها بخبر} أين الطريق، وكان قد تحير ليلا، فإن لم أجد من يخبرني، {أو جذوة} يعني: آتيكم بشعلة، وهو عود قد احترق بعضه {من النار لعلكم} يعني: لكي {تصطلون} من البرد.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فلما وفّى موسى صاحبه الأجل الذي فارقه عليه، عند إنكاحه إياه ابنته، وذكر أن الذي وفّاه من الأجلين، أتمهما وأكملهما، وذلك العشر الحجج... حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: «أوْفاهُما وأتَمّهُما»...
وقوله:"وَسارَ بأهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطورِ نارا" يقول تعالى ذكره: "فَلَمّا قَضَى موسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأهْلِهِ "شاخصا بهم إلى منزله من مصر "آنَسَ مِنْ جانِبِ الطّورِ" يعني بقوله: "آنس": أبصر وأحسّ... وقوله: "قال لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنّي آنَسْتُ نارا" يقول: قال موسى لأهله: تمهّلوا وانتظروا: إنّي أبصرت نارا، "لَعَلّي آتِيكُمْ مِنْها" يعني من النار "بِخَبرٍ أو جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ" يقول: أو آتيكم بقطعة غليظة من الحطب فيها النار، وهي مثل الجِذْمة من أصل الشجرة... عن ابن عباس، قوله "أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ" يقول: شهاب... وقال قتادة "أوْ جَذْوَةٍ": أو شُعلة من النار...
وقوله: "لَعَلّكُمْ تَصْطَلُونَ" يقول: لعلكم تسخَنون بها من البرد، وكان في شتاء.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{جانب الطور} وهو جبل معروف بالشام، و {الطور} كل جبل، وخصصه قوم بأنه الذي لا ينبت.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَذْهَبَ بِأَهْلِهِ حَيْثُ شَاءَ، لِمَا لَهُ عَلَيْهَا من فَضْلِ الْقَوَامِيَّةِ، وَزِيَادَةِ الدَّرَجَةِ، إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ لَهَا أَمْرًا فَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَأَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ طَلَبَ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ، وَحَنَّ إلَى وَطَنِهِ، وَفِي الرُّجُوعِ إلَى الْأَوْطَانِ تُقْتَحَمُ الْأَغْرَارُ، وَتُرْكَبُ الْأَخْطَارُ، وَتُعَلَّلُ الْخَوَاطِرُ، وَيَقُولُ: لَمَّا طَالَتْ الْمُدَّةُ لَعَلَّهُ قَدْ نُسِيَتْ التُّهْمَةُ، وَبَلِيَتْ الْقِصَّةُ.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وتمضي السنوات العشر التي تعاقد عليها موسى -عليه السلام- لا يذكر عنها شيء في سياق السورة، ثم تعرض الحلقة الثالثة بعد ما قضى موسى الأجل وسار بأهله، عائدا من مدين إلى مصر، يسلك إليها الطريق الذي سلكه منذ عشر سنوات وحيدا طريدا. ولكن جو العودة غير جو الرحلة الأولى.. إنه عائد ليتلقى في الطريق ما لم يخطر له على بال. ليناديه ربه ويكلمه، ويكلفه النهوض بالمهمة التي من أجلها وقاه ورعاه، وعلمه ورباه. مهمة الرسالة إلى فرعون وملئه، ليطلق له بني إسرائيل يعبدون ربهم لا يشركون به أحدا ويرثون الأرض التي وعدهم ليمكن لهم فيها ثم ليكون لفرعون وهامان وجنودهما عدوا وحزنا، ولتكون نهايتهم على يديه كما وعد الله حقا: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا،... أنتما ومن اتبعكما الغالبون..)
وقبل أن نستعرض هذين المشهدين في هذه الحلقة نقف قليلا أمام تدبير الله لموسى -عليه السلام- في هذه السنوات العشر، وفي هذه الرحلة ذهابا وجيئة، في هذا الطريق.. لقد نقلت يد القدرة خطى موسى -عليه السلام- خطوة خطوة. مند أن كان رضيعا في المهد حتى هذه الحلقة. ألقت به في اليم ليلتقطه آل فرعون. وألقت عليه المحبة في قلب امرأته لينشأ في كنف عدوه. ودخلت به المدينة على حين غفلة من أهلها ليقتل منهم نفسا. وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعون ليحذره وينصحه بالخروج منها. وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر إلى مدين وهو وحيد مطارد على غير زاد ولا استعداد. وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنوات العشر. ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف.. هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه، ومن التلقي والتجريب، قبل النداء وقبل التكليف.. تجربة الرعاية والحب والتدليل. وتجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس، وتجربة الندم والتحرج والاستغفار. وتجربة الخوف والمطاردة والفزع. وتجربة الغربة والوحدة والجوع. وتجربة الخدمة ورعي الغنم بعد حياة القصور. وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من شتى التجارب الصغيرة، والمشاعر المتباينة، والخوالج والخواطر، والإدراك والمعرفة.. إلى جانب ما آتاه الله حين بلغ أشده من العلم والحكمة. إن الرسالة تكليف ضخم شاق متعدد الجوانب والتبعات؛ يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة والتذوق في واقع الحياة العملي، إلى جانب هبة الله اللدنية، ووحيه وتوجيهه للقلب والضمير. ورسالة موسى بالذات قد تكون أضخم تكليف تلقاه بشر -عدا رسالة محمد. [صلى الله عليه وسلم] فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر، أعتى ملوك الأرض في زمانه، وأقدمهم عرشا، وأثبتهم ملكا، وأعرقهم حضارة، وأشدهم تعبدا للخلق واستعلاء في الأرض. وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس الذل حتى استمرأوا مذاقه، فمردوا عليه واستكانوا دهرا طويلا. والذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن وتتعفن؛ ويذهب بما فيها من الخير والجمال والتطلع ومن الاشمئزاز من العفن والنتن والرجس والدنس. فاستنقاذ قوم كهؤلا ء عمل شاق عسير. وهو مرسل إلى قوم لهم عقيدة قديمة؛ انحرفوا عنها، وفسدت صورتها في قلوبهم. فلا هي قلوب خامة تتقبل العقيدة الجديدة ببراءة وسلامة؛ ولا هي باقية على عقيدتها القديمة. ومعالجة مثل هذه القلوب شاقة عسيرة. والالتواءات فيها والرواسب والانحرافات تزيد المهمة مشقة وعسرا. وهو في اختصار مرسل لإعادة بناء أمة، بل لإنشائها من الأساس. فلأول مرة يصبح بنو إسرائيل شعبا مستقلا، له حياة خاصة، تحكمها رسالة. وإنشاء الأمم عمل ضخم شاق عسير. ولعله لهذا المعنى كان عناية القرآن الكريم بهذه القصة، فهي نموذج كامل لبناء أمة على أساس دعوة، وما يعترض هذا العمل من عقبات خارجية وداخلية. وما يعتوره من انحرافات وانطباعات وتجارب وعراقيل. فأما تجربة السنوات العشر فقد جاءت لتفصل بين حياة القصور التي نشأ فيها موسى- عليه السلام -وحياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة. وإن لحياة القصور جوا خاصا، وتقاليد خاصة، وظلالا خاصة تلقيها على النفس وتطبعها بها مهما تكن هذه النفس من المعرفة والإدراك والشفافية. والرسالة معاناة لجماهير من الناس فيهم الغني والفقير، والواجد والمحروم، وفيهم النظيف والوسخ، والمهذب والخشن؛ وفيهم الطيب والخبيث والخير والشرير. وفيهم القوي والضعيف، والصابر والجزوع.. وفيهم وفيهم.. وللفقراء عادات خاصة في أكلهم وشربهم ولبسهم ومشيهم، وطريقة فهمهم للأمور، وطريقة تصورهم للحياة، وطريقة حديثهم وحركتهم، وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم.. وهذه العادات تثقل على نفوس المنعمين ومشاعر الذين تربوا في القصور؛ ولا يكادون يطيقون رؤيتها فضلا على معاناتها وعلاجها، مهما تكن قلوب هؤلاء الفقراء عامرة بالخير مستعدة للصلاح، لأن مظهرهم وطبيعة عاداتهم لا تفسح لهم في قلوب أهل القصور!
وللرسالة تكاليفها من المشقة والتجرد والشظف أحيانا.. وقلوب أهل القصور- مهما تكن مستعدة للتضحية بما اعتادته من الخفض والدعة والمتعة -لا تصبر طويلا على الخشونة والحرمان والمشقة عند معاناتها في واقع الحياة فشاءت القدرة التي تنقل خطى موسى- عليه السلام -أن تخفض مما اعتادته نفسه من تلك الحياة؛ وأن تزج به في مجتمع الرعاة، وأن تجعله يستشعر النعمة في أن يكون راعي غنم يجد القوت والمأوى، بعد الخوف والمطاردة والمشقة والجوع. وأن ينزع من حسه روح الاشمئزاز من الفقر والفقراء، وروح التأفف من عاداتهم وأخلاقهم وخشونتهم وسذاجتهم؛ وروح الاستعلاء على جهلهم وفقرهم ورثاثة هيئتهم ومجموعة عاداتهم وتقاليدهم. وأن تلقي به في خضم الحياة كبيرا بعد ما ألقت به في خضم الأمواج صغيرا، ليمرن على تكاليف دعوته قبل أن يتلقاها.. فلما أن استكملت نفس موسى- عليه السلام -تجاربها، وأكملت مرانتها ودربتها، بهذه التجربة الأخيرة في دار الغربة، قادت يد القدرة خطاه مرة أخرى عائدة به إلى مهبط رأسه، ومقر أهله وقومه، ومجال رسالته وعمله، سالكة به الطريق التي سلكها أول مرة وحيدا طريدا خائفا يتلفت. فما هذه الجيئة والذهوب في ذات الطريق؟ إنها التدريب والمرانة والخبرة حتى بشعاب الطريق. الطريق الذي سيقود فيه موسى خطى قومه بأمر ربه. كي يستكمل صفات الرائد وخبرته، حتى لا يعتمد على غيره ولو في ريادة الطريق. فقومه كانوا في حاجة إلى رائد يقودهم في الصغيرة والكبيرة، بعد أن أفسدهم الذل والقسوة والتسخير؛ حتى فقدوا القدرة على التدبير والتفكير. وهكذا ندرك كيف صنع موسى على عين الله، وكيف أعدته القدرة لتلقي التكليف. فلنتبع خطى موسى تنقلها يد القدرة الكبرى، في طريقه إلى هذا التكليف.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لم يذكر القرآن أي الأجلين قضى موسى إذ لا يتعلق بتعيينه غرض في سياق القصة. وعن ابن عباس « قضى أوفاهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل» أي أن رسول الله المستقبل لا يصدر من مثله إلا الوفاء التام، وورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث ضعيفة الأسانيد أنه سئل عن ذلك فأجاب بمثل ما قال ابن عباس.