في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} (198)

189

ثم يمضي في بيان أحكام الحج وشعائره ، فيبين حكم مزاولة التجارة أو العمل بأجر بالنسبة للحاج . وحكم الإفاضة ومكانها . وما يجب من الذكر والاستغفار بعدها :

( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم . فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين . ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم ) . .

قال البخاري - بإسناده - عن ابن عباس . قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية . فتأثموا أن يتجروا في الموسم . فنزلت : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم )في مواسم الحج .

وروى أبو داود - بإسناده من طريق آخر - إلى ابن عباس . قال : كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج ، يقولون : أيام ذكر . فأنزل الله : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) . .

وفي رواية عن أبي أمامة التيمي قال : قلت لابن عمر : إنا نكري . فهل لنا من حج ؟ قال : أليس تطوفون بالبيت ، وتأتون بالمعروف ، وترمون الجمار ، وتحلقون رؤوسكم ؟ قال : قلنا : بلى . فقال ابن عمر : جاء رجل إلى النبي [ ص ] فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) .

وفي رواية عن أبي صالح مولى عمر [ رواها ابن جرير ] قال : قلت : يا أمير المؤمنين . كنتم تتجرون في الحج ؟ قال : وهل كانت معايشهم إلا في الحج ؟

وهذا التحرج الذي تذكره الروايتان الأوليان من التجارة ، والتحرج الذي تذكره الرواية الثالثة عن الكراء أو العمل بأجر في الحج . . هو طرف من ذلك التحرج الذي أنشأه الإسلام في النفوس من كل ما كان سائغا في الجاهلية ، وانتظار رأي الإسلام فيه قبل الإقدام عليه . وهي الحالة التي تحدثنا عنها في أوائل هذا الجزء ، عند الكلام عن التحرج من الطواف بالصفا والمروة .

وقد نزلت إباحة البيع والشراء والكراء في الحج ، وسماها القرآن ابتغاء من فضل الله :

( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) . .

ليشعر من يزاولها أنه يبتغي من فضل الله حين يتجر وحين يعمل بأجر وحين يطلب أسباب الرزق : إنه لا يرزق نفسه بعمله . إنما هو يطلب من فضل الله ، فيعطيه الله . فأحرى ألا ينسى هذه الحقيقة ؛ وهي أنه يبتغي من فضل الله ، وأنه ينال من هذا الفضل حين يكسب وحين يقبض وحين يحصل على رزقه من وراء الأسباب التي يتخذها للارتزاق . ومتى استقر هذا الإحساس في قلبه ، وهو يبتغي الرزق ، فهو إذن في حالة عبادة لله ، لا تتنافى مع عبادة الحج ، في الاتجاه إلى الله . . ومتى ضمن الإسلام هذه المشاعر في قلب المؤمن أطلقه يعمل وينشط كما يشاء . . وكل حركة منه عبادة في هذا المقام .

لهذا يجعل الحديث عن طلب الرزق جزءاً من آية تتحدث عن بقية شعائر الحج ، فتذكر الإفاضة والذكر عند المشعر الحرام :

( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام . واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) . .

والوقوف بعرفة عمدة أفعال الحج . . روى أصحاب السنن بإسناد صحيح عن الثوري عن بكير ، عن عطاء ، عن عبد الرحمن بن معمر الديلمي . قال : سمعت رسول الله [ ص ] يقول : " الحج عرفات - ثلاثا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك . وأيام منى ثلاثة . فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه " . .

ووقت الوقوف بعرفة من الزوال [ الظهر ] يوم عرفة - وهو اليوم التاسع من ذي الحجة - إلى طلوع الفجر من يوم النحر . . وهناك قول ذهب إليه الإمام أحمد ، وهو أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة . استنادا إلى حديث رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي . عن الشعبي عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي قال : " أتيت رسول الله [ ص ] بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت : يا رسول الله إني جئت من جبل طيء . أكللت راحلتي وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه . فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله [ ص ] : " من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه وقضى تفثه " .

وقد سن رسول الله [ ص ] للوقوف هذا الوقت - على أي القولين - ومد وقت الوقوف بعرفة إلى فجر يوم النحر - وهو العاشر من ذي الحجة - ليخالف هدي المشركين في وقوفهم بها . . روى ابن مردويه والحاكم في المستدرك كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي - بإسناده - عن المسور ابن مخرمة قال : " خطبنا رسول الله [ ص ] وهو بعرفات . فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " أما بعد - وكان إذا خطب خطبة قال : أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الأكبر . ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس ، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها . وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس ، مخالفا هدينا هدي أهل الشرك " . .

والذي ورد عن فعل رسول الله [ ص ] أنه دفع بعد غروب شمس يوم عرفة ، وقد جاء في حديث جابر بن عبد الله - في صحيح مسلم - " فلم يزل واقفا - يعني بعرفة - حتى غربت الشمس وبدتالصفرة قليلا ، حتى غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول الله [ ص ] وقد شنق للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى : " أيها الناس ، السكينة السكينة " كلما اتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد . حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا . ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام . فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، فدفع قبل أن تطلع الشمس " . .

وهذا الذي فعله رسول الله [ ص ] هو الذي تشير إليه الآية :

( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام . واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) . .

والمشعر الحرام هو المزدلفة . والقرآن هنا يأمر بذكر الله عنده بعد الإفاضة من عرفات . ثم يذكر المسلمين بأن هذا الذكر من هداية الله لهم ؛ وهو مظهر الشكر على هذه الهداية . ويذكرهم بما كان من أمرهم قبل أن يهديهم :

( وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) . .

والجماعة المسلمة الأولى كانت تدرك حق الإدراك مدى وعمق هذه الحقيقة في حياتها . . لقد كانت قريبة عهد بما كان العرب فيه من ضلال . . ضلال في التصور ، مظهره عبادة الأصنام والجن والملائكة ، ونسبة بنوة الملائكة إلى الله ، ونسبة الصهر إلى الله مع الجن . . إلى آخر هذه التصورات السخيفة المتهافتة المضطربة ، التي كانت تنشىء بدورها اضطرابا في العبادات والشعائر والسلوك : من تحريم بعض الأنعام ظهورها أو لحومها بلا مبرر إلا تصور علاقات بينها وبين شتى الآلهة . ومن نذر بعض أولادهم للآلهة وإشراك الجن فيها . ومن عادات جاهلية شتى لا سند لها إلا هذا الركام من التصورات الاعتقادية المضطربة . . وضلال في الحياة الاجتماعية والأخلاقية . . تمثله تلك الفوارق الطبقية التي تشير الآية التالية في السياق : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) إلى إزالتها كما سيجيء . وتمثله تلك الحروب والمشاحنات القبلية التي لم تكن تجعل من العرب أمة يحسب لها حساب في العالم الدولي . وتمثله تلك الفوضى الخلقية في العلاقات الجنسية ، والعلاقات الزوجية ، وعلاقات الأسرة بصفة عامة . وتمثله تلك المظالم التي يزاولها الأقوياء ضد الضعاف في المجتمع بلا ميزان ثابت يفيء إليه الجميع . . وتمثلها حياة العرب بصفة عامة ووضعهم الإنساني المتخلف الذي لم يرفعهم منه إلا الإسلام .

وحين كانوا يسمعون :

( واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) . .

كانت ولا شك تتواكب على خيالهم وذاكرتهم ومشاعرهم صور حياتهم الضالة الزرية الهابطة التي كانت تطبع تاريخهم كله ؛ ثم يتلفتون على أنفسهم ليروا مكانهم الجديد الذي رفعهم إليه الإسلام ، والذي هداهم الله إليه بهذا الدين ، فيدركون عمق هذه الحقيقة وأصالتها في وجودهم كله بلا جدال . .

وهذه الحقيقة ما تزال قائمة بالقياس إلى المسلمين من كل أمة ومن كل جيل . . من هم بغير الإسلام ؟ وما هم بغير هذه العقيدة ؟ إنهم حين يهتدون إلى الإسلام ، وحين يصبح المنهج الإسلامي حقيقة في حياتهم ينتقلون من طور وضيع صغير ضال مضطرب إلى طور آخر رفيع عظيم مهتد مستقيم . ولا يدركون هذه النقلة إلا حين يصبحون مسلمين حقا ، أي حين يقيمون حياتهم كلها على النهج الإسلامي . . وإن البشرية كلها لتتيهفي جاهلية عمياء ما لم تهتد إلى هذا النهج المهتدي . . لا يدرك هذه الحقيقة إلا من يعيش في الجاهلية البشرية التي تعج بها الأرض في كل مكان ، ثم يحيا بعد ذلك بالتصور الإسلامي الرفيع للحياة ، ويدرك حقيقة المنهج الإسلامي الشامخة على كل ما حولها من مقاذر ومستنقعات وأوحال !

وحين يطل الإنسان من قمة التصور الإسلامي والمنهج الإسلامي ، على البشرية كلها في جميع تصوراتها ، وجميع مناهجها ، وجميع نظمها - بما في ذلك تصورات أكبر فلاسفتها قديما وحديثا ، ومذاهب أكبر مفكريها قديما وحديثا - حين يطل الإنسان من تلك القمة الشامخة يدركه العجب من انشغال هذه البشرية بما هي فيه من عبث ، ومن عنت ومن شقوة ، ومن ضآلة ، ومن اضطراب لا يصنعه بنفسه عاقل يدعي - فيما يدعي - أنه لم يعد في حاجة إلى إله ! أو لم يعد على الأقل - كما يزعم - في حاجة لاتباع شريعة إله ومنهج إله !

فهذا هو الذي يذكر الله به المسلمين ، وهو يمتن عليهم بنعمته الكبرى :

( واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} (198)

{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ } أي حرج في { ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ } أي تطلبوا { فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } أي رزقاً منه تعالى بالربح بالتجارة في مواسم الحج ، أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في الموسم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم / عن ذلك فنزلت ، واستدل بها على إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب في الحج وإن ذلك لا يحبط أجراً ولا ينقص ثواباً ، ووجه الارتباط أنه تعالى لما نهى عن الجدال في الحج كان مظنة للنهي عن التجارة فيه أيضاً لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها فعقب ذلك بذكر حكمها ، وذهب أبو مسلم إلى المنع عنها في الحج ، وحمل الآية على ما بعد الحج ، وقال ؛ المراد واتقون في كل أفعال الحج ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح الخ كقوله تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا مِن فَضْلِ الله } [ الجمعة : 0 1 ] وزيف بأن حمل الآية على محل الشبهة أولى من حملها على ما لا شبهة فيه ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج .

وأما بعد الفراغ فنفي الجناح معلوم وقياس الحج على الصلاة فاسد فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها ، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في أثنائها ، وأيضاً الآثار لا تساعد ما قاله فقد سمعت ما أخرجه البخاري ، وقد أخرج أحمد وغيره عن أبي أمامة التيمي قال سألت ابن عمر فقلت : إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قوماً يزعمون أنه لا حج لنا قال : ألستم تلبون ألستم تطوفون بين الصفا والمروة ألستم ألستم ؟ ؟ قلت بلى قال : إن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما سألت عنه فلم يدر ما يرد عليه حتى نزلت { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } الآية فدعاه فتلا عليه حين نزلت وقال : «أنتم الحجاج » وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقرأ فيما أخرجه البخاري وعبد ابن حميد وابن جرير وغيرهم عنه { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } في مواسم الحج ، وكذلك روي عن ابن مسعود ، وأيضاً الفاء في قوله تعالى : { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات } ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك مؤذن بأن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ، نعم قال بعضهم : إذا كان الداعي للخروج إلى الحج هو التجارة أو كانت جزء العلة أضر ذلك بالحج لأنه ينافي الإخلاص لله تعالى به وليس بالعيد و{ أَفَضْتُمْ } من الإفاضة من فاض الماء إذا سال منصبا .

وأفضته أسلته والهمزة فيه للتعدية ، ومفعوله مما التزم حذفه للعلم به ، وأصله أفيضتم فنقلت حركة الياء إلى الفاء قبلها فتحركت الياء في الأصل وانفتح ما قبلها الآن فقلبت ألفاً ثم حذفت ، والمعنى هنا فإذا دفعتم أنفسكم بكثرة من عرفات و{ مِنْ } لابتداء الغاية وعرفات موضع بمنى وهي اسم في لفظ الجمع فلا تجمع قال الفراء : ولا واحد له بصحة ، وقول الناس نزلنا عرفة شبيه بمولد وليس بعربي محض واعترض عليه بخبر " الحج عرفة " وأجيب بأن عرفة فيه اسم لليوم التاسع من ذي الحجة كما صرح به الراغب والبغوي والكرماني ، والذي أنكره استعماله في المكان ، فالاعتراض ناشئ من عدم فهم المراد ومن هنا قيل : إنه جمع عرفة وعليه صاحب «شمس العلوم » ، والتعدد حينئذ باعتبار تسمية كل جزء من ذلك المكان عرفة كقولهم : جب مذاكيره فلا يرد ما قاله العلامة : من أنه لو سلم كون عرفة عربياً محضا ، ً فعرفة وعرفات مدلولهما واحد ، وليس ثمة أماكن متعددة كل منها عرفة لتجمع على عرفات ، وإنما نون وكسر مع أن فيه العلمية والتأنيث ؛ لأن تنوين جمع المؤنث في مقابلة نون جمع المذكر فإن النون في جمع المذكر قائم مقام التنوين الذي في الواحد في المعنى الجامع لأقسام التنوين وهو كونه علامة تمام الاسم فقط ، وليس في النون شيء من معاني الأقسام للتنوين فكذا التنوين في جمع المؤنث علامة لتمام الاسم فقط ، وليس فيها أيضاً شيء من تلك المعاني سوى المقابلة وليس الممنوع من غير المنصرف هذا التنوين بل تنوين التمكين ؛ لأنه الدال على عدم مشابهة الاسم بالفعل وأن ذهاب الكسرة على المذهب المرضي تبع لذهاب التنوين من غير عوض لعدم الصرف ، وهنا ليس كذلك قاله الجمهور وقال الزمخشري : إنما نون وكسر لأنه منصرف لعدم الفرعيتين المعتبرتين إذ التأنيث/ المعتبر مع العلمية في منع الصرف إما أن يكون بالتاء المذكورة وهي ليست تاء تأنيث بل علامة الجمع ، وإما أن يكون بتاء مقدرة كما في زينب ، واختصاص هذه التاء بجمع المؤنث يأبى تقدير تاء لكونه بمنزلة الجمع بين علامتي تأنيث فهذه التاء كتاء بنت ليست للتأنيث بل عوض عن الواو المحذوفة ، واختصت بالمؤنث فمنعت تقدير التاء فعلى هذا لو سمي بمسلمات ، وبنت مؤنث كان منصرفاً ، وقول ابن الحاجب : إن هذا يقتضي أنه إذا سمي بذلك منع صرفه ليس بشيء إذ الاقتضاء غير مسلم ، وكذا ما قاله عصام الدين من أن التأنيث لمنع الصرف لا يستدعي قوة ألا يرى أن طلحة يعتبر تأنيثه لمنع الصرف ولا يعتبر لتأنيث ضمير يرجع إليه لأن بناء الاستدلال ليس على اعتبار القوة والضعف بل على عدم تحقق التأنيث ، نعم يرد ما أورده الرضي من أن لو لم يكن فيه تأنيث لما التزم تأنيث الضمير الراجع إليه ، ويجاب بأن اختصاص هذا الوزن بالمؤنث يكفي لإرجاع الضمير ولا يلزم فيه وجود التاء لفظاً أو تقديراً ، وإنما سمي هذا المكان المخصوص بلفظ ينبئ عن المعرفة ؛ لأنه نعت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فعرفه ، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو لأن جبريل كان يدور به في المشاعر ( فلما رآه ) قال : قد عرفت ، وروي عن عطاء ؛ أو لأن آدم وحواء اجتمعا فيه فتعارفا ، وروي عن الضحاك والسدي ؛ أو لأن جبريل عليه السلام قال لآدم فيه اعترف بذنبك واعرف مناسكك قاله بعضهم . وقيل : سمي بذلك لعلوه وارتفاعه ، ومنه عرف الديك ، واختير الجمع للتسمية مبالغة فيما ذكر من وجوهها كأنه عرفات متعددة وهي من الأسماء المرتجلة قطعاً عند المحققين ، وعرفة يحتمل أن تكون منها وأن تكون منقولة من جمع عارف ولا جزم بالنقل إذ لا دليل على جعلها جمع عارف والأصل عدم النقل .

{ فاذكروا الله } بالتلبية والتهليل والدعاء ، وقيل : بصلاة العشاءين لأن ظاهر الأمر للوجوب ولا ذكر واجب { عِندَ المشعر الحرام } إلا الصلاة ، والمشهور أن المشعر مزدلفة كلها ، فقد أخرج وكيع وسفيان وابن جرير والبيهقي وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن المشعر الحرام فسكت حتى إذا هبطت أيدي الرواحل بالمزدلفة قال : هذا المشعر الحرام وأيد بأن الفاء تدل على أن الذكر عند المشعر يحصل عقيب الإفاضة من عرفات وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة ، وذهب كثير إلى أنه جبل يقف عليه الإمام في المزدلفة ويسمى قزح ، وخص الله تعالى الذكر عنده مع أنه مأمور به في جميع المزدلفة لأنها كلها موقف إلا وادي محسر كما دلت عليه الآثار الصحيحة لمزيد فضله وشرفه ، وعن سعيد بن جبير ما بين جبلي مزدلفة فهو المشعر الحرام ومثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإنما سمي مشعراً لأنه معلم العبادة ، ووصف بالحرام لحرمته ، والظرف متعلق باذكروا أو بمحذوف حال من فاعله .

{ واذكروه كَمَا } أي كما علمكم المناسك والتشبيه لبيان الحال وإفادة التقييد أي اذكروه على ذلك النحو ولا تعدلوا عنه ، ويحتمل أن يراد مطلق الهداية ومفاد التشبيه التسوية في الحسن والكمال أي : اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك وغيرها . و( ما ) على المعنيين تحتمل أن تكون مصدرية فمحل { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } النصب على المصدرية بحذف الموصوف أي ذكراً مماثلاً لهدايتكم ، وتحتمل أن تكون كافة فلا محل لها من الإعراب ، والمقصود من الكاف مجرد تشبيه مضمون الجملة بالجملة ، ولذا لا تطلب عاملاً تفضي بمعناه إلى مدخولها ، وذهب بعضهم إلى أن الكاف للتعليل وأنها متعلقة بما عندها وما مصدرية لا غير أي : اذكروه وعظموه لأجل هدايته السابقة منه تعالى لكم .

{ وَإِن كُنتُمْ } أي وإنكم كنتم فخففت ( إن ) وحذف الاسم وأهملت عن العمل ولزم اللام فيما بعدها ، وقيل : إن ( إن ) / نافية ، واللام بمعنى إلا { مِن قَبْلِهِ } أي الهدى والجار متعلق بمحذوف يدل عليه { لَمِنَ الضالين } ولم يعلقوه به لأن ما بعد أل الموصولة لا يعمل فيما قبلها وفيه تأمل ، والمراد من الضلال الجهل بالإيمان ومراسم الطاعات ، والجملة تذييل لما قبلها كأنه قيل : اذكروه الآن إذ لا يعتبر ذكركم السابق المخالف لما هداكم لأنه من الضلالة ، وحمله على الحال توهم بعيد عن المرام .

( ومن باب الإشارة ) :{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ } حرج عند الرجوع إلى الكثرة أن تطلبوا رفقاً لأنفسكم على مقتضى ما حده المظهر الأعظم صلى الله عليه وسلم فإذا دفعتم أنفسكم من عرفات المعرفة { فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام } أي شاهدوا جماله سبحانه عند السر الروحي المسمى بالخفي وسمي مشعراً لأنه محل الشعور بالجمال ، ووصف بالحرام لأنه محرم أن يصل إليه الغير { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } إلى ذكره في المراتب { وَإِن كُنتُمْ مّن } قبل الوصول إلى عرفات المعرفة والوقوف بها { لَمِنَ الضالين } [ البقرة : 198 ] عن هذه الأذكار في طلب الدنيا .