في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا} (73)

71

فأما إذا كانت الأخرى . . فانتصر المجاهدون ؛ الذين خرجوا مستعدين لقبول كل ما يأتيهم به الله . . ونالهم فضل من الله بالنصر والغنيمة . . ندم المتخلفون أن لم يكونوا شركاء في معركة رابحة ! رابحة بحسب مفهومهم القريب الصغير للربح والخسارة ! ( ولئن أصابكم فضل من الله ، ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيمًا ) .

إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب ، هي التي يقولون عنها : ( فوزا عظيمًا ) والمؤمن لا يكره الفوز بالإياب والغنيمة ؛ بل مطلوب منه أن يرجوه من الله . والمؤمن لا يتمنى وقوع البلاء بل مطلوب منه أن يسأل الله العافية . . ولكن التصور الكلي للمؤمن غير هذا التصور ، الذي يرسمه التعبير القرآني لهذه الفئة رسما مستنكرا منفرا . .

إن المؤمن لا يتمنى البلاء بل يسأل الله العافية . ولكنه إذا ندب للجهاد خرج - غير متثاقل - خرج يسأل الله إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة . . وكلاهما فضل من الله ؛ وكلهما فوز عظيم . فيقسم له الله الشهادة ، فإذا هو راض بما قسم الله ؛ أو فرح بمقام الشهادة عند الله . ويقسم له الله الغنيمة والإياب ، فيشكر الله على فضله ، ويفرح بنصر الله . لا لمجرد النجاة !

وهذا هو الأفق الذي أراد الله أن يرفع المسلمين إليه ؛ وهو يرسم لهم هذه الصورة المنفرة لذلك الفريق( منهم )وهو يكشف لهم عن المندسين في الصف من المعوقين ، ليأخذوا منهم حذرهم ؛ كما يأخذون حذرهم من أعدائهم !

ومن وراء التحذير والاستنهاض للجماعة المسلمة في ذلك الزمان ، يرتسم نموذج إنساني متكرر في بني الإنسان ، في كل زمان ومكان ، في هذه الكلمات المعدودة من كلمات القرآن !

ثم تبقى هذه الحقيقة تتملاها الجماعة المسلمة أبدا . وهي أن الصف قد يوجد فيه أمثال هؤلاء . فلا ييئس من نفسه . ولكن يأخذ حذره ويمضي . ويحاول بالتربية والتوجيه والجهد ، أن يكمل النقص ، ويعالج الضعف ، وينسق الخطى والمشاعر والحركات !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا} (73)

{ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ } كفتح وغنيمة { مِنَ الله } متعلق بأصابكم أو بمحذوف وقع صفة لفضل ، وفي نسبة إصابة الفضل إلى ( جانب ) الله تعالى دون إصابة المصيبة تعليم لحسن الأدب مع الله تعالى وإن كانت المصيبة فضلاً في الحقيقة ، وتقديم الشرطية الأولى لما أن مضمونها لمقصدهم أوفق ، وأثر نفاقهم فيها أظهر { لَّيَقُولَنَّ } ندامة على تثبطه وتهالكاً على حطام الدنيا وحسرة على فواته ، وفي تأكيد القول دلالة على فرط التحسر المفهوم من الكلام ولم يؤكد القول الأول ، وأتى به ماضياً إما لأنه لتحققه غير محتاج إلى التأكيد أو لأن العدول عن المضارع للماضي تأكيد ، وقرأ الحسن ( ليقولن ) بضم اللام مراعاة لمعنى ( من ) وذلك شائع سائغ .

وقوله تعالى : { كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } من كلامه تعالى اعتراض بين القول ومقوله الذي هو . { ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً } لئلا يتوهم من مطلع كلامه أن تمنيه المعية للنصرة والمظاهرة حسبما يقتضيه ما في البين من المودة بل هو للحرص على حطام الدنيا كما ينطق به آخره فإن الفوز العظيم الذي عناه هو ذلك ، وليس إثبات المودة في البين بطريق التحقيق بل بطريق التهكم ، وقيل : الجملة التشبيهية حال من ضمير يقولن ، أي ليقولن مشبهاً بمن لا مودة بينكم وبينه حيث لم يتمن نصرتكم ومظاهرتكم ، وقيل : هي من كلام المبطىء داخلة كجملة التمني في المقول أي ليقولن المبطىء لمن يثبطه من المنافقين وضعفة المؤمنين كأن لم تكن بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم مودة حيث لم يستصحبكم معه في الغزو حتى تفوزوا بما فاز به المستصحبون يا ليتني كنت معهم الخ ، وغرضه إلقاء العداوة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأكيدها ، وإلى ذلك ذهب الجبائي ، وذهب أبو علي الفارسي والزجاج وتبعه الماتريدي إلى أنها متصلة بالجملة الأولى أعني قال : قد أنعم الخ أي قال : ذلك كأن لم يكن الخ ورده الراغب والأصفهاني بأنها إذا كانت متصلة بالجملة الأولى فكيف يفصل بها بين أبعاض الجملة الثانية ومثله مستقبح ، واعتذر بأن مرادهم أنها معترضة بين أجزاء هذه الجملة ومعناها صريحاً متعلق بالأولى وضمناً بهذه ، و { كَانَ } مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وهو محذوف ، وقيل : إنها لا تعمل إذا خففت .

وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب { تَكُنْ } بالتاء لتأنيث لفظ المودة ، والباقون يكن بالياء للفصل ولأنها بمعنى الودّ ، والمنادى في { ياويلتا لَيْتَنِى } عند الجمهور محذوف أي يا قومي ، وأبو علي يقول في نحو هذا : ليس في الكلام منادي محدوف بل تدخل يا خاصة على الفعل والحرف لمجرد التنبيه ، ونصب أفوز على جواب التمني ، وعن يزيد النحوي والحسن { فَأَفُوزَ } بالرفع على تقدير فأنا أفوز في ذلك الوقت ، أو العطف على ( خبر ليت فيكون داخلاً في ) التمني .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله } مواهب غيبية وعلوم لدنية ومراتب سنية وقبول عند الخواص والعوام { لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } أي حسداً لكم { مَوَدَّةٌ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ } دونهم { فَوْزاً عَظِيماً } [ النساء : 73 ] وأنال ذلك وحدي