ومرة أخرى يقع القوم في المعصية والخطيئة . . وهم في هذه المرة لا يخالفون الأمر جهرة ولكنهم يحتالون على النصوص ليفلتوا منها ! ويأتيهم الابتلاء فلا يصبرون عليه ، لأن الصبر على الابتلاء يحتاج إلى طبيعة متماسكة في تملك الارتفاع عن الأهواء والأطماع :
( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ، إذ يعدون في السبت ، إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم . كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون . وإذ قالت أمة منهم : لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ؟ قالوا : معذرة إلى ربكم ، ولعلهم يتقون . فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء ، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون . فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم : كونوا قردة خاسئين . وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) . .
يعدل السياق هنا عن أسلوب الحكاية عن ماضي بني إسرائيل ، إلى أسلوب المواجهة لذراريهم التي كانت تواجه رسول الله [ ص ] في المدينة . . والآيات من هنا إلى قوله تعالى : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة )آيات مدنية . نزلت في المدينة لمواجهة اليهود فيها ؛ وضمت إلى هذه السورة المكية في هذا الموضع ، تكملة للحديث عما ورد فيها من قصة بني إسرائيل مع نبيهم موسى . .
يأمر الله سبحانه رسوله [ ص ] أن يسأل اليهود عن هذه الواقعة المعلومة لهم في تاريخ أسلافهم . وهو يواجههم بهذا التاريخ بوصفهم أمة متصلة الأجيال ؛ ويذكرهم بعصيانهم القديم ، وما جره على فريق منهم من المسخ في الدنيا ؛ وما جره عليهم جميعاً من كتابة الذل عليهم والغضب أبداً . . اللهم إلا الذين يتبعون الرسول النبي ، فيرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .
ولا يذكر اسم القرية التي كانت حاضرة البحر ؛ فهي معروفة للمخاطبين ! فأما الواقعة ذاتها فقد كان أبطالها جماعة من بني إسرائيل يسكنون مدينة ساحلية . . وكان بنو إسرائيل قد طلبوا أن يجعل لهم يوم راحة يتخذونه عيداً للعبادة ؛ ولا يشتغلون فيه بشؤون المعاش ، فجعل لهم السبت . . ثم كان الابتلاء ليربيهم الله ويعلمهم كيف تقوى إرادتهم على المغريات والأطماع ؛ وكيف ينهضون بعهودهم حين تصطدم بهذه المغريات والأطماع . . وكان ذلك ضرورياً لبني إسرائيل الذين تخلخلت شخصياتهم وطباعهم بسبب الذل الذي عاشوا فيه طويلاً ؛ ولا بد من تحرير الإرادة بعد الذل والعبودية ، لتعتاد الصمود والثبات . فضلاً على أن هذا ضروري لكل من يحملون دعوة الله ؛ ويؤهلون لأمانة الخلافة في الأرض . . وقد كان اختبار الإرادة والاستعلاء على الإغراء هو أول اختبار وجه من قبل إلى آدم وحواء . . فلم يصمدا له واستمعا لإغراء الشيطان بشجرة الخلد وملك لا يبلى ! ثم ظل هو الاختبار الذي لا بد أن تجتازه كل جماعة قبل أن يأذن الله لها بأمانة الاستخلاف في الأرض . . إنما يختلف شكل الابتلاء ، ولا تتغير فحواه !
ولم يصمد فريق من بني إسرائيل - في هذه المرة - للابتلاء الذي كتبه الله عليهم بسبب ما تكرر قبل ذلك من فسوقهم وانحرافهم . . لقد جعلت الحيتان في يوم السبت تتراءى لهم على الساحل ، قريبة المأخذ ، سهلة الصيد . فتفوتهم وتفلت من أيديهم بسبب حرمة السبت التي قطعوها على أنفسهم ! فإذا مضى السبت ، وجاءتهم أيام الحل . لم يجدوا الحيتان قريبة ظاهرة ، كما كانوا يجدونها يوم الحرم ! . . وهذا ما أمر رسول الله [ ص ] أن يذكرهم به ؛ ويذكرهم ماذا فعلوا وماذا لاقوا :
( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر . إذ يعدون في السبت . إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم . كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون )
فأما كيف وقع لهم هذا ، وكيف جعلت الأسماك تحاورهم هذه المحاورة ، وتداورهم هذه المداورة . . فهي الخارقة التي تقع بإذن الله عندما يشاء الله . . والذين لا يعلمون ينكرون أن تجري مشيئة الله بغير ما يسمونه هم " قوانين الطبيعة " ! والأمر في التصور الإسلامي - وفي الواقع - ليس على هذا النحو . . إن الله سبحانه هو الذي خلق هذا الكون ، وأودعه القوانين التي يسير عليها بمشيئته الطليقة . ولكن هذه المشيئة لم تعد حبيسة هذه القوانين لا تملك أن تجري إلا بها . . لقد ظلت طليقة بعد هذه القوانين كما كانت طليقة . . وهذا ما يغفل عنه الذين لا يعلمون . . وإذا كانت حكمة الله ورحمته بعباده المخاليق قد اقتضت ثبات هذه القوانين ؛ فإنه لم يكن معنى هذا تقيد هذه المشيئة وانحباسها داخل هذه القوانين . . فحيثما اقتضت الحكمة جريان أمر من الأمور مخالفاً لهذه القوانين الثابتة جرت المشيئة طليقة بهذا الأمر . . ثم إن جريان هذه القوانين الثابتة في كل مرة تجريفيها إنما يقع بقدر من الله خاص بهذه المرة . فهي لا تجري جرياناً آلياً لا تدخل لقدر الله فيه . . وهذا مع ثباتها في طريقها ما لم يشأ الله أن تجري بغير ذلك . . وعلى أساس أن كل ما يقع - سواء من جريان القوانين الثابتة أو جريان غيرها - إنما يقع بقدر من الله خاص ، فإنه تستوي الخارقة والقانون الثابت في جريانه بهذا القدر . . ولا آلية في نظام الكون في مرة واحدة - كما يظن الذين لا يعلمون ! - ولقد بدأوا يدركون هذا في ربع القرن الأخير !
على أية حال ، لقد وقع ذلك لأهل القرية التي كانت حاضرة البحر من بني إسرائيل . . فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء ، فتتهاوى عزائمهم ، وينسون عهدهم مع ربهم وميثاقهم ، فيحتالون الحيل - على طريقة اليهود - للصيد في يوم السبت ! وما أكثر الحيل عندما يلتوي القلب ، وتقل التقوى ، ويصبح التعامل مع مجرد النصوص ، ويراد التفلت من ظاهر النصوص ! . . إن القانون لا تحرسه نصوصه ، ولا يحميه حراسه . إنما تحرسه القلوب التقية التي تستقر تقوى الله فيها وخشيته ، فتحرس هي القانون وتحميه . وما من قانون تمكن حمايته أن يحتال الناس عليه ! ما من قانون تحرسه القوة المادية والحراسة الظاهرية ! ولن تستطيع الدولة - كائناً ما كان الإرهاب فيها - أن تضع على رأس كل فرد حارساً يلاحقه لتنفيذ القانون وصيانته ؛ ما لم تكن خشية الله في قلوب الناس ، ومراقبتهم له في السر والعلن . .
من أجل ذلك تفشل الأنظمة والأوضاع التي لا تقوم على حراسة القلوب التقية . وتفشل النظريات والمذاهب التي يضعها البشر للبشر ولا سلطان فيها من الله . . ومن أجل ذلك تعجز الأجهزة البشرية التي تقيمها الدول لحراسة القوانين وتنفيذها . وتعجز الملاحقة والمراقبة التي تتابع الأمور من سطوحها !
وهكذا راح فريق من سكان القرية التي كانت حاضرة البحر يحتالون على السبت ، الذي حرم عليهم الصيد فيه . . وروي أنهم كانوا يقيمون الحواجيز على السمك ويحوّطون عليه في يوم السبت ؛ حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه ؛ وقالوا : إنهم لم يصطادوه في السبت ، فقد كان في الماء - وراء الحواجيز - غير مصيد !
وراح فريق منهم آخر يرى ما يفعلون من الاحتيال على الله ! فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله ! وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال !
{ وسألهم } عطف على اذكر المشار إليه فيما تقدم آنفاً ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وضمير الغيبة لمن بحضرته عليه الصلاة والسلام من نسل اليهود أي واسأل اليهود المعاصرين لك سؤال تقريع وتقرير بتقدم تجاوزهم لحدود الله تعالى ، والمراد إعلامهم بذلك لأنهم كانوا يخفونه ، وفي الإطلاع عليه مع كونه عليه الصلاة والسلام ليس ممن مارس كتبهم أو تعلمه من علمائهم ما يقضي بأن ذلك عن وحي فيكون معجزة شاهدة عليهم { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية } أي عن خبرها وحالها وما وقع بأهلها من ثالثة الأثافي ، والمراد بالسؤال عن ذلك بما يعم السؤال عن النفس وعن الأهل أو الكلام على تقدير مضاف ، والمراد عن حال أهل القرية ، وجوز التجوز فيها ، وهي عند ابن عباس وابن جبير إيلة قرية بين مدين والطور .
وعن ابن شهاب هي طبرية ، وقيل : مدين وهي رواية عن الحبر ، وعن ابن زيد أنها مقتاً بين مدين وعينونا { التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر } أي قريبة منه مشرفة على شاطئه { إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } أي يظلمون ويتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد يوم البست أو بتعظيمه ، وإذ بدل من المسؤول عنه بدل اشتمال أو ظرف للمضاف المصدر ، قيل : واحتمال كونه ظرفاً لكانت أو حاضرة ليس بشيء إذ لا فائدة بتقييد الركون أو الحضور بوقت العدوان وضمير يعدون للأهل المقدر أو المعلوم من الكلام ، وقيل : إلى القرية على سبيل الاستخدام ، وقرىء { يَعْدُونَ } بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدار ونقلت حركتها إلى العين { *ويعدون } من الإعداد حيث كانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم منهيون عن الاشتغال فيه بغير العبادة { إِذْ تَأْتِيهِمْ } ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ، وإلى الأول ذهب أكثر المعربين ، وهو الأولى لأن السؤال عن عدوانهم أبلغ في التقريع ، وحيتان جمع حوت أبدلت الواو ياءاً لسكونها وانكسار ما قبلها كنون ونينات لفظاً ومعنى وإضافتها إليهم باعتبار أن المراد الحيتان الكائنة في تلك الناحية التي هم فيها ، وقيل : للإشعار باختصاصها بهم لاستقلالها بما لا يكاد يوجد في سائر أفراد الجنس من الخواص الخارقة للعادة ، ولا يخفى بعده { حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ } ظرف لتأتيهم أي تأتيهم يوم تعظيمهم لأمر السب ، وهو مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت بترك العمل والتفرغ للعبادة فيه ، وقيل : اسم لليوم والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه ، ويؤيد الأول قراءة عمرو بن عبد العزيز { يَوْمٍ } ، وكذا التفي الآتي { سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } أي ظاهرة على وجه الماء كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قريبة من الساحل ، وهو جمع شارع من شرع عليه إذا دنا وأشرف ، وفي الشرع معنى الإظهار والتبيين ، وقيل : حيتان شرع رافعة رؤسها كأنه جعل ذلك إضهاراً وتبييناً ، وقيل : المعنى متتابعة ونسب إلى الضحاك ، والظاهر أنها ظاهرة وهو نصب على الحال من الحيتان { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ } أي لا يراعون أمر السب وهو على حد قوله :
على لا حب لا يهتدي بمناره *** إذ المقصود انتفاء السبت والمراعاة .
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه { لاَ يَسْبِتُونَ } بضم حرف المضارعة من أسبت إذا دخل في السبت كاصبح إذا دخل في الصباح ، وعن الحسن أنه قرأ لا يسبتون على البناء للمفعول بمعنى لا يدخلون في السبت ولا يؤمرون فيه بما أمروا به يوم السبت ، وقرىء { لاَ يَسْبِتُونَ } بضم الباء والظرف متعلق بقوله سبحانه : { لاَ تَأْتِيهِمْ } أي لا تأتيهم يوم لا يسبتون كما كانت تأتيهم يوم السبت حذراً من صيدهم لاعتيادها أحوالهم وأن ذلك لمحض تقدير العزيز العليم ، وتغيير البسك حيث قدم الظرف على الفعل ولم يعكس لما أن الإتيان يوم سبتهم مظنة كما قيل : لأن يقال فماذا حالها يوم لا يسبتون ؟ فقيل : يوم لا يسبتون لا تأتيهم { كذلك نَبْلُوهُم } أي نعاملهم معاملة المختبرين لهم ليظهر منهم ما يظهر فنؤاخذهم به ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحشار صورتها والتعجيب منها ، والإشارة إما إلى الابتلاء السابق أو إلى الابتلاء المذكور بعد كما مر غير مرة ؛ وقيل : الإشارة إلى الاتيان يوم السبت وهي متصلة بما قبل أي لا تأتيهم كذلك الاتيان يوم السبت ، والكاف في موضع نصب على الحال عند الطبرسي ، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لمصدر مقدر أي إتياناً كائناً كذلك ، وجملة نبلوهم استئناف مبني على السؤال عن حكم اختلاف حال الحيتان بالاتيان تارة وعدمه أخرى { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } أي بسبب فسقهم المستمر في كل ما يأتون ويذرون ، وهو متعلق بماعنده ، وتعلق إذ يعدون بنبلوهم وبما يبعدون على معنى نبلوهم وقت العدوان بالفسق مما لا ينبغي تخريج كتاب الله تعالى الجليل عليه .
( هذا ومن باب الإشارة ) : قالوا : { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية } أي عن أهل قرية الجسد وهم الروح والقلب والنفس الأمارة وتوابعها { التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر } أي مشرفة على شاطىء بحر البشرية { إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } يتجاوزون حدود الله تعالى يوم يحرم عليهم تناول بعض الملاذ النفسانية والعادي من أولئك الأهل إنما هو النفس الأمارة فإنها في مواسم الطاعات والكف عن الشهوات كشهر رمضان مثلاً حريصة على تناول ما نهيت عنه والمرء حريص على ما منع { إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ } وهي الأمور التي نهوا عن تناولها { يَوْمَ سَبْتِهِمْ } الذي أمروا بتعظيمه شرعاً قريبة المأخذ { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } بأن لا يتهيأ لهم ما يريدونه { كذلك نَبْلُوهُم } نعاملهم معاملة من يختبرهم { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } [ الأعراف : 163 ] أي بسبب فسقهم المستمر طبعاً .
قال بعضهم : ما كان ما قص الله تعالى إلا كحال الإسلاميين من أهل زماننا في اجتماع أنواع الحظوظ النفسانية من المطاعم والمشارب والملاهي والمناكح ظاهرة في الأسواق والمحافل في الأيام المعظمة كالأعياد والأوقات المباركة كأوقات زيارة مشاهد الصالحين المعلومة المشهورة بين الناس