في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ، وكان تحته كنز لهما ، وكان أبوهما صالحا ، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ، رحمة من ربك وما فعلته عن أمري . . ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) . .

فهذا الجدار الذي أتعب الرجل نفسه في إقامته ، ولم يطلب عليه أجرا من أهل القرية - وهما جائعان وأهل القرية لا يضيفونهما - كان يخبى ء تحته كنزا ، ويغيب وراءه مالا لغلامين يتيمين ضعيفين في المدينة . ولو ترك الجدار ينقض لظهر من تحته الكنز فلم يستطع الصغيران أن يدفعا عنه . . ولما كان أبوهما صالحا فقد نفعهما الله بصلاحه في طفولتهما وضعفهما ، فأراد أن يكبرا ويشتد عودهما ، ويستخرجا كنزهما وهما قادران على حمايته .

ثم ينفض الرجل يده من الأمر . فهي رحمة الله التي اقتضت هذا التصرف . وهو أمر الله لا أمره . فقد أطلعه على الغيب في هذه المسألة وفيما قبلها ، ووجهه إلى التصرف فيها وفق ما أطلعه عليه من غيبه ( رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ) . .

فالآن ينكشف الستر عن حكمة ذلك التصرف ، كما انكشف عن غيب الله الذي لا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضى .

وفي دهشة السر المكشوف والستر المرفوع يختفي الرجل من السياق كما بدا . لقد مضى في المجهول كما خرج من المجهول . فالقصة تمثل الحكمة الكبرى . وهذه الحكمة لا تكشف عن نفسها إلا بمقدار . ثم تبقى مغيبة في علم الله وراء الأستار .

وهكذا ترتبط - في سياق السورة - قصة موسى والعبد الصالح ، بقصة أصحاب الكهف في ترك الغيب لله ، الذي يدبر الأمر بحكمته ، وفق علمه الشامل الذي يقصر عنه البشر ، الواقفون وراء الأستار ، لا يكشف لهم عما وراءها من الأسرار إلا بمقدار . . .

انتهى الجزء الخامس عشر ويليه الجزء السادس عشر

مبدواً بقوله تعالى : ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر . . . )

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

قوله : ( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما ) هذا تأويل المسألة الثالثة ، وهي إقامة الجدار الآيل للسقوط ؛ فقد كان الجدار لغلامين صغيرين في المدينة ، ودليل صغرهما وصفهما باليتم ؛ إذ لا يتم مع البلوغ . وكان تحت الجدار مال مدفون لهما وكان أبو الغلامين صالحا . ويستدل من ذلك على أن الرجل الصالح يحفظ الله بصلاحه ذريته ثم تشملهم بركته في الدنيا ، وكذا في الآخرة بشفاعته فيهم ورفعهم ببركته إلى الدرجات العلا في الجنة .

قوله : ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجها كنزهما ) أسند الإرادة في بلوغ الحلم واستخراج الكنز إلى الله ؛ لأن بلوغ الحلم لا يكون إلا بقدرة الله ، ولأن الله قد حفظ لهما كنزهما تحت الجدار ؛ إذ لم ينقضّ ولو انقضّ لخرج الكنز من تحته ( رحمة من ربك ) أي فعلت ما فعلته من بناء الجدار رحمة من الله باليتيمين ( وما فعلته عن أمري ) أي ما فعلت الذي فعلته من تلقاء نفسي واجتهادي وإنما فعلته بأمر الله .

قوله : ( ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) حذف التاء في تسطع للتخفيف . والمعنى : هذا تفسير ما أنكرته وضقت به ذرعا فلم تصبر حتى أخبرك بتأويله{[2858]} .


[2858]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 98-100 وتفسير الطبري جـ16 ص 6 وتفسير النسفي جـ3 ص 22..