في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ} (67)

58

وحين يصل السياق إلى هذا المقطع الفاصل من عرض دلائل القدرة في مشاهد الكون الكبرى يتوجه بالخطاب إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ليمضي في طريقه ، غير ملتفت إلى المشركين وجدالهم له ؛ فلا يمكنهم من نزاعه في منهجه الذي اختاره الله له ، وكلفه تبليغه وسلوكه .

( لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ، فلا ينازعنك في الأمر ، وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم . وإن جادلوك فقل : الله أعلم بما تعملون . الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون . ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض ? إن ذلك في كتاب . إن ذلك على الله يسير ) . .

إن لكل أمة منهجا وطريقة في الحياة والتفكير والسلوك والاعتقاد . هذا المنهج خاضع لسنن الله في تصريف الطبائع والقلوب وفق المؤثرات والاستجابات . وهي سنن ثابتة مطردة دقيقة . فالأمة التي تفتح قلوبها لدواعي الهدى ودلائله في الكون والنفس هي أمة مهتدية إلى الله بالاهتداء إلى نواميسه المؤدية إلى معرفته وطاعته . والأمة التي تغلق قلوبها دون تلك الدواعي والدلائل أمة ضالة تزداد ضلالا كلما زادت اعراضا عن الهدى ودواعيه . .

وهكذا جعل الله لكل أمة منسكا هم ناسكوه ، ومنهجا هم سالكوه . . فلا داعي إذن لأن يشغل الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] نفسه بمجادلة المشركين ، وهم يصدون أنفسهم عن منسك الهدى ، ويمعنون في منسك الضلال . والله يأمره ألا يدع لهم فرصة لينازعوه أمره ، ويجادلوه في منهجه . كما يأمره أن يمضي على منهجه لا يتلفت ولا ينشغل بجدل المجادلين . فهو منهج مستقيم : ( وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ) . .

فليطمئن إذن على استقامة منهجه . واستقامته هو على الهدى في الطريق . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ} (67)

قوله تعالى : { لكل أمة جعلنا منسكاهم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ( 67 ) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ( 68 ) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ( 69 ) } المنسك يراد به الشريعة . وقيل : المكان الذي تؤدى فيه الطاعات والعبادات ، والمعنى الأول أظهر . والمعنى : أن الله قد وضع لكل أمة من الأمم شرعا يلائم حياتهم وتصلح عليهم أحوالهم ( هم ناسكوه ) أي عاملون به . وذلك كجعل التوراة منسكا لأمة موسى . وجعل الإنجيل منسكا لأمة عيسى حتى بعثه رسول الله محمد ( ص ) . وجعل القرآن منسكا لهذه الأمة ليكون للعالمين منهاجا دوام الدهر حتى تقوم الساعة ؛ فإن شريعة القرآن يترسخ فيها من المزايا والحقائق والخصائص ما يجعلها صالحة للبشرية في كل زمان ومكان .

قوله : ( فلا ينازعنك في الأمر ) أي ليس لهم أن يخالفوك فيما شرع الله لك من دين ومنهاج ؛ فقد استقر الآمر الآن على شرعك وهو الإسلام ، وعلى أنه ناسخ لما عداه من شرع إلا ما يحتمل النسخ مما تلاقت عليه الأديان واتفقت عليه كلمة النبيين جميعا .

قوله : ( وادع إلى ربك ) أي ادع الناس إلى دين الله . دين الحق والهداية والتوحيد .

قوله : ( إنك لعلى هدى مستقيم ) أي على طريق مستقيم لا عوج فيه .