في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (40)

37

وبهذا ينتهي ذلك المشهد الساخر الأليم ، ليتبعه تقرير وتوكيد لهذا المصير الذي لن يتبدل - وذلك قبل عرض المشهد المقابل للمؤمنين في دار النعيم - :

( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، وكذلك نجزي المجرمين . لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ، وكذلك نجزي الظالمين ) . .

ودونك فقف بتصورك ما تشاء أمام هذا المشهد العجيب . . مشهد الجمل تجاه ثقب الإبرة . فحين يفتح ذلك الثقب الصغير لمرور الجمل الكبير ، فانتظر حينئذ - وحينئذ فقط - أن تفتح أبواب السماء لهؤلاء المكذبين ، فتقبل دعاءهم أو توبتهم - وقد فات الأوان - وأن يدخلوا إلى جنات النعيم ! أما الآن ، وإلى أن يلج الجمل في سم الخياط ، فهم هنا في النار ، التي تداركوا فيها جميعاً وتلاحقوا ؛ وتلاوموا فيها وتلاعنوا ، وطلب بعضهم لبعض سوء الجزاء ، ونالوا جميعاً ما طلبه الأولياء للأولياء !

( وكذلك نجزي المجرمين ) . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (40)

قوله تعالى : { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين 40 لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين } هذا نذير غليظ شديد من الله للكافرين الذين كذبوا بآيات الله ، وهي ما أنزل من الأدلة والحجج والعلامات الدالة على وجوده وقدرته وعظيم سلطانه وعلى صدق كتابه الحكيم ورسوله النبي الكريم ، فكذبوا بذلك كله وجحدوه وأعرضوا عنه مستكبرين مدبرين ، هذا نذير من الله مخوف لهؤلاء الضالين بأنهم سيبوءون بالخسران والحرمان فلا يجدون من نسائهم رحمة الله ما يجيرهم أو ينجيهم بل إنهم ملاقوا مصيرهم الرعيب من الإبعاد والتنكيل والإهانة . هؤلاء قد قال الله فيهم : { لا تفتح لهم أبواب السماء } أي لا تنفتح لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم أبواب السماء ولا يصعد لهم في حياتهم الدنيا إلى الله قول أو عمل ؛ لأن ما يصدر عنهم من شيء فهو مردود عليهم بسبب كفرهم ؛ إذ لا يقبل الله من الكافرين أعمالهم . وقيل : لا يرتفع لهم عمل و لادعاء . والصواب ، عموم ذلك كله ؛ إذ لا يتقبل الله من الكافرين الجاحدين عملهم ولا دعائهم ، والسماء موصدة في وجوههم فلا تلجها أرواحهم بل تصد دونها صدودا إلى أسفل سافلين .

قوله : { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } الجمل هو البعير ، أي ذكر الناقة . وسم الخياط معناه ثقب المخيط أو الإبرة{[1398]} ذلك تيئيس من الله للكافرين المضلين الذين شاقوا الله ورسوله ، والذين استكبروا عن دينه وشرعه وأبوا إلا الجحد والصد عن سبيل الله بكل الوسائل والحيل ؛ فقد أخبر الله في هذه الآية كغيرها من آيات أخريات ان هؤلاء المضلين المفسدين المعاندين لن يدخلوا الجنة البتة ولا رجاء لهم في دخلوها أبدا كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة أبدا . ذلك تصوير بالغ ومؤثر يرتسم للخيال والذهن في مثل هذه العبارة البليغة القصيرة ليتبدد كل احتمال أو ظن في دخول الكافرين الجنة . لا جرم أن دخلوهم الجنة كحال قطعا . وهذه حقيقة لا تقبل الخلاف أو الجدل استنادا إلى العبارة الربانية القطعية في معناه ومدلولها .

قوله : { وكذلك نجزي المجرمين } أي مثل ذلك الجزاء الغليظ والعقاب الأليم نجزي المجرمين . وهم الكافرون الذين أجرموا وفرطوا في دين الله الحق . أولئك يتوعدهم الله بالعذاب الأليم يوم القيامة فضلا عن حرمانهم من دخول الجنة .


[1398]:القاموس المحيط جـ 4 ص 133 ومختار الصحاح ص 195.