في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

180

وعندما تكون هذه الحقيقة قد استقرت في النفس . عندما تكون النفس قد أخرجت من حسابها حكاية الحرص على الحياة - إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال - وأخرجت من حسابها حكاية متاع الغرور الزائل . . عندئذ يحدث الله المؤمنين عما ينتظرهم من بلاء في الأموال والأنفس . وقد استعدت نفوسهم للبلاء :

( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا . وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) . .

إنها سنة العقائد والدعوات . لا بد من بلاء ، ولا بد من أذى في الأموال والأنفس ، ولا بد من صبر ومقاومة واعتزام .

إنه الطريق إلى الجنة . وقد حفت الجنة بالمكاره . بينما حفت النار بالشهوات .

ثم إنه هو الطريق الذي لا طريق غيره ، لإنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة ، وتنهض بتكاليفها . طريق التربية لهذه الجماعة ؛ وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال . وهو طريق المزاولة العملية للتكاليف ؛ والمعرفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة .

ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودا . فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها إذن والصبر عليها . فهم عليها مؤتمنون .

وذلك لكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو ، بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء ، وبقدر ما يضحون في سبيلها من عزيز وغال . فلا يفرطوا فيها بعد ذلك ، مهما تكن الأحوال .

وذلك لكي يصلب عود الدعوة والدعاة . فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة ، وتنميها وتجمعها وتوجهها . والدعوة الجديدة في حاجة إلى استثارة هذه القوى لتتأصل جذورها وتتعمق ؛ وتتصل بالتربة الخصبة الغنية في أعماق الفطرة . .

وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم هم أنفسهم ؛ وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة عملية واقعية . ويعرفوا حقيقة النفس البشرية وخباياها . وحقيقة الجماعات والمجتمعات . وهم يرون كيف تصطرع مبادىء دعوتهم ، مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس . ويعرفون مداخل الشيطان إلى هذه النفوس ، ومزالق الطريق ، ومسارب الضلال !

ثم . . لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لا بد فيها من خير ، ولا بد فيها من سر ، يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون . . فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها . . أفواجا . . في نهاية المطاف !

إنها سنة الدعوات . وما يصبر على ما فيها من مشقة ؛ ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله ، فلا يشط فيعتدي وهو يرد الاعتداء ؛ ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في نصره وهو يعاني الشدائد . . ما يصبر على ذلك كله إلا أولو العزم الأقوياء :

( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) . .

وهكذا علمت الجماعة المسلمة في المدينة ما ينتظرها من تضحيات وآلام . وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال . من أهل الكتاب من حولها . ومن المشركين أعدائها . . ولكنها سارت في الطريق . لم تتخاذل ، ولم تتراجع ، ولم تنكص على أعقابها . . لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت . وأن توفية الأجور يوم القيامة . وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز . وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور . . على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف ؛ وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو . . والأرض الصلبة المكشوفة باقية لأصحاب هذه الدعوة في كل زمان . والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان . وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها ، تتوالى القرون والأجيال ؛ وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال . . والقرآن هو القرآن . .

وتختلف وسائل الابتلاء والفتنة باختلاف الزمان ؛ وتختلف وسائل الدعاية ضد الجماعة المسلمة ، ووسائل إيذائها في سمعتها وفي مقوماتها وفي أعراضها وفي أهدافها وأغراضها . . ولكن القاعدة واحدة : ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) !

ولقد حفلت السورة بصور من مكايد أهل الكتاب والمشركين ؛ وصور من دعايتهم للبلبلة والتشكيك . أحيانا في أصول الدعوة وحقيقتها ، وأحيانا في أصحابها وقيادتها . وهذه الصور تتجدد مع الزمان . وتتنوع بابتداع وسائل الدعاية الجديدة ، وتوجه كلها إلى الإسلام في أصوله الاعتقادية ، وإلى الجماعة المسلمة والقيادة الإسلامية . فلا تخرج على هذه القاعدة التي كشف الله عنها للجماعة المسلمة الأولى ، وهو يكشف لها عن طبيعة الطريق ، وطبيعة الأعداء الراصدين لها في الطريق . .

ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيدا للجماعة المسلمة كلما همت أن تتحرك بهذه العقيدة ، وأن تحاول تحقيق منهج الله في الأرض ؛ فتجمعت عليها وسائل الكيد والفتنة ، ووسائل الدعاية الحديثة ، لتشويه أهدافها ، وتمزيق أوصالها . . يبقى هذا التوجيه القرآني حاضرا يجلو لأبصارها طبيعة هذه الدعوة ، وطبيعة طريقها . وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق . ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد الله ذاك ؛ فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالأذى ، وحين تعوي حولها بالدعاية ، وحين يصيبها الابتلاء والفتنة . . أنها سائرة في الطريق ، وأنها ترى معالم الطريق !

ومن ثم تستبشر بالابتلاء والأذى والفتنة والادعاء الباطل عليها وإسماعها ما يكره وما يؤذي . . تستبشر بهذا

كله ، لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل . وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق . ويبطل عندها الكيد والبلبلة ويصغر عندها الابتلاء والأذى ؛ وتمضي في طريقها الموعود ، إلى الأمل المنشود . . في صبر وفي تقوى . . وفي عزم أكيد . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

قوله تعالى : { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } . الآية ، قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج نزلت الآية في أبي بكر وفنحاص بن عازوراء ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص بن عازوراء سيد بني قينقاع ليستمده ، وكتب إليه كتاباً وقال لأبي بكر رضي الله عنه لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع فجاء أبو بكر رضي الله عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال : قد احتاج ربك إلى أن نمده ؟ فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع " " فكف . فنزلت هذه الآية . وقال الزهري : نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسب المسلمين ، ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، في شعره ويسب نساء المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله . فقال محمد بن مسلمة الأنصاري : أنا لك يا رسول الله ، أنا أقتله ، قال : فافعل إن قدرت على ذلك . فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثاً لا يطعم ولا يشرب إلا ما تعلق به نفسه ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه ، وقال له : لم تركت الطعام والشراب ؟ قال : يا رسول الله قلت قولاً ولا أدري هل أفي به أم لا ، فقال : إنما عليك الجهد . فقال : يا رسول الله إنه لابد لنا من أن نقول ، قال : قولوا ما بدا لكم وأنتم في حل من ذلك ، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلام وأبو نائلة -وكان أخا كعب من الرضاعة- وعباد بن بشر والحارس بن أوس وأبو عيسى بن جبير ، فمشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم ، وقال : انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم ، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك في ليلة مقمرة . فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا الشعر ، وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال : ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي ، قال : افعل ، قال : كان قدوم هذا الرجل بلادنا بلاءً ، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة ، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس ، فقال كعب : أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرتك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا ، فقال أبو نائلة : إن معي أصحاباً أردنا أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك ، قال : أترهنوني أبناءكم ؟ قال : إنا نستحي أن يعير أبناؤنا ، فيقال هذا رهينة وسق ، وهذا رهينة وسقين ، قال : ترهنوني نساءكم ؟ قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك ، وأية امرأة تمنع منك لجمالك ، ولكنا نرهنك الحلقة ، يعني : السلاح ، وقد علمت حاجتنا إلى السلاح ، قال : نعم ، وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه فوعده أن يأتيه فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره . فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ليلاً ، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب من ملحفته ، فقالت امرأته :أسمع صوتاً يقطر منه الدم ، وإنك رجل محارب ، وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة فكلمهم من فوق الحصن ، فقال : إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة وإن هؤلاء لو وجدوني نائماً أيقظوني ، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب ، فنزل إليهم فتحدثوا معه ساعة ثم قالوا : يا ابن الأشرف هل لك إلى أن نتماشى إلى شعب العجود نتحدث فيه بقية ليلتنا هذه ، قال : إن شئتم . فخرجوا يتماشون ، وكان أبو نائلة قال : لأصحابه إني نائل شعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه ، ثم إنه شام يده في فود رأسه ثم شم يده ، فقال : ما رأيت كالليلة طيب عروس قط ، قال : إنه طيب أم فلان يعني امرأته ، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها ثم أخذ بفود رأسه حتى استمكن ثم قال : اضربوا عدو لله ، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئاً ، قال محمد بن مسلمة . فذكرت مغولاً في سيفي فأخذته ، وقد صاح عدو الله صيحةً لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار ، قال : فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ، ووقع عدو الله ، وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا ، فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس بجرح في رأسه ونزفه الدم ، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي ، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه ، وتفل على جرح صاحبنا ، فرجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت اليهود وقعتنا بعدو الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ظفرتم به من رجال اليهود فاقتلوه فوثب محيصة بن مسعود على سفينة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله ، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله ، جعل حويصة يضربه ويقول أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله . قال محيصة : والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك ، قال : لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني ، قال : نعم ، قال والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة ، فأنزل الله تعالى في شأن كعب .

قوله تعالى : { لتبلون } . لتختبرن اللام للتأكيد ، وفيه معنى القسم والنون لتأكيد القسم .

قوله تعالى : { في أموالكم } . بالجوائح والعاهات والخسران { وأنفسكم } . بالأمراض ، وقيل : بمصائب الأقارب والعشائر ، قال عطاء :هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم ورباعهم وعذبوهم ، وقال الحسن : هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق ، كالصلاة ، والصيام ، والحج ، والجهاد ، والزكاة .

قوله تعالى : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } . يعني اليهود والنصارى .

قوله تعالى : { ومن الذين أشركوا } . يعني مشركي العرب .

قوله تعالى : { أذى كثيراً وإن تصبروا } . على أذاهم .

قوله تعالى : { وتتقوا } . الله .

قوله تعالى : { فإن ذلك من عزم الأمور } . من حق الأمور وخيرها ، وقال عطاء : من حقيقة الإيمان .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

ولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم له بما لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه ، فيفوز من كان من أهل حزبه ، ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه ؛ أعاد التسلية على وجه يشمل المؤمنين ، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر{[20076]} الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكداً لأن الواقف في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء ، هذا طبع البشر وإن تطبّع{[20077]} بخلافه ، وأفاد ذكره{[20078]} قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه{[20079]} ، وأفاد بناؤه للمفعول أن المنكى البلاء ، لا كونه من جهة معينة - : { لتبلون } أي تعاملون معاملة المختبر لتبيين المؤمن من المنافق { في أموالكم } {[20080]}أي بأنواع الإنفاق { وأنفسكم } أي بالإصابة في الجهاد وغيره ، فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي ، وكان إيلاء ذلك للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل الفوز مناسباً من حيث الترغيب في كل ما يكون سبباً لذلك من الصبر على ما يبتلي به سبحانه وتعالى من كل ما يأمر به من التكاليف ، أو يأذن فيه من المصائب ، وقدم المال لأنه - كما قيل - عديل الروح ، وربما هان على الإنسان الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر{[20081]} عنه يده بفقده من أفعال المكارم ، وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل بسبب الإقبال على المال ، وكان ذكرها{[20082]} تعليلاً لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار .

ولما كان يومها{[20083]} يوم بلاء وتمحيص ، وكان ربما أطمع في العافية بعده ، فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله{[20084]} ، وليس ذلك من أخلاق المشمرين{[20085]} أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت {[20086]}عليه الدار{[20087]} من الأثقال والآصار{[20088]} ، فأخبر أن البلاء لم ينقص به ، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار ، ورغب{[20089]} في شعار{[20090]} المتقين : الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصة أحد ، وبناها عليه معلماً أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال : { ولتسمعن } أي بعد هذا اليوم { من الذين } ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه{[20091]} المعلم عن الذكر فبنى للمفعول قوله : { أوتوا الكتاب } ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال : { من قبلكم } أي من اليهود والنصارى { ومن الذين أشركوا } أي من الأميين { أذى كثيراً } أي{[20092]} من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو{[20093]} غيرها { وإن تصبروا } أي تتخلقوا{[20094]} بالصبر على ذلك وغيره { وتتقوا } أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتماداً على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف { فإن ذلك } أي الأمر{[20095]} العالي الرتبة { من عزم الأمور * } أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها ، ولا يتردد فيه ، ولا يعوق عنه عائق ، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلاً عليه من قوله :قد بدت البغضاء من أفواههم }[ آل عمران : 118 ] إلى أن ختم بقوله :{ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً }[ آل عمران : 120 ] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور .


[20076]:من ظ ومد، وفي الأصل: شعار.
[20077]:في ظ: يطمع ـ كذا.
[20078]:سقط من ظ.
[20079]:زيد بعده في الأصل: إد ـ كذا، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[20080]:زيد من ظ: وأنفسكم.
[20081]:في ظ: يقصر.
[20082]:في ظ: ذكر، وزيد بعده فيه: هذه الآية.
[20083]:في ظ: يومنا.
[20084]:في ظ: أمثالها.
[20085]:في ظ: الشمون.
[20086]:من ظ ومد، وفي الأصل: الدارين.
[20087]:من ظ ومد، وفي الأصل: الدارين.
[20088]:في ظ: الأخبار.
[20089]:من ظ ومد، وفي الأصل: رهب.
[20090]:في ظ ومد: شعائر.
[20091]:في مد: نر ـ كذا.
[20092]:سقط من ظ.
[20093]:من مد، وفي الأصل وظ "و".
[20094]:من ظ ومد، وفي الأصل: يتخلقوا.
[20095]:سقط من ظ.