في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

33

( فتقبلها ربها بقبول حسن ، وأنبتها نباتا حسنا ) . .

جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم ، وهذا التجرد الكامل في النذر . . وإعدادا لها أن تستقبل نفخة الروح ، وكلمة الله ، وأن تلد عيسى - عليه السلام - على غير مثال من ولادة البشر .

( وكفلها زكريا ) . .

أي جعل كفالتها له ، وجعله أمينا عليها . . وكان زكريا رئيس الهيكل اليهودي . من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل .

ونشأت مباركة مجدودة . يهيىء لها الله من رزقه فيضا من فيوضاته :

( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا . قال : يا مريم أنى لك هذا ؟ قالت : هو من عند الله . إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) . .

ولا نخوض نحن في صفة هذا الرزق كما خاضت الروايات الكثيرة . فيكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل ما يسمى رزقا . حتى ليعجب كافلها - وهو نبي - من فيض الرزق . فيسألها : كيف ومن أين هذا كله ؟ فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله ، وتفويض الأمر إليه كله :

و من عند الله . إن الله يرزق من يشاء بغير حساب . .

وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه ، واحتفاظه بالسر الذي بينه وبينه . والتواضع في الحديث عن هذا السر ، لا التنفج به والمباهاة ! كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا . هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

قوله تعالى : { فتقبلها ربها بقبول حسن } أي قبل الله مريم من حنة مكان المحرر ، وتقبل بمعنى قبل ورضي ، والقبول مصدر قبل يقبل قبولاً ، مثل الولوغ والوزوع ، ولم يأت غير هذه الثلاثة ، وقيل : معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها .

قوله تعالى : { وأنبتها نباتاً حسناً } معناه : وأنبتها فنبتت نباتاً حسناً ، وقيل : هذا مصدر على غير الصدر أي المصدر ، وكذلك قوله ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) ومثله سائغ ، كقولك تكلمت كلاماً ، وقال جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) أي سلك بها طريق السعداء ( وأنبتها نباتاً حسناً ) يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان ، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في العام .

قوله تعالى : { وكفلها زكريا } . قال أهل الأخبار :أخذت حنة مريم حين ولدتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون ، وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم ، فقال لهم زكريا : أنا أحقكم بها ، عندي خالتها ، فقالت له الأحبار : لا نفعل ذلك فإنها لو تركت لأحق الناس لتركت لأمها التي ولدتها ، لكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه ، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلاً إلى نهر جار . قال السدي : هو نهر الأردن ، فألقوا أقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء فصعد فهو أولى بها وقيل : كان على كل قلم اسم واحد منهم . وقيل : كانوا يكتبون التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء فارتد قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت في النهر ، قاله محمد بن إسحاق وجماعة ، وقيل جرى قلم زكريا مصعداً إلى أعلى الماء ، وجرت أقلامهم بجري الماء ، وقال السدى وجماعة : بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين ، وجرت أقلامهم في جرية الماء ، فسهمهم وقرعهم زكريا ، وكان رأس الأحبار ونبيهم ، فذلك قوله تعالى : ( وكفلها زكريا ) . قرأ حمزة وعاصم والكسائي " كفلها " بتشديد الفاء ، فيكون زكريا في محل النصب ، أي ضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة ، وقرأ الآخرون بالتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع ، أي ضمها زكريا إلى نفسه وقام بأمرها ، وهو زكريا بن أذن بن مسلم ، بن صدوق ، من أولاد سليمان ، بن داود عليهما السلام ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم " زكريا " مقصوراً والآخرون يمدونه ، فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتاً واسترضع لها ، وقال محمد بن إسحاق : ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محراباً في المسجد وجعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بالسلم ، مثل باب الكعبة ، لا يصعد إليها غيره ، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم .

قوله تعالى : { كلما دخل عليها زكريا المحراب } . وأراد بالمحراب الغرفة ، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها ، وكذلك هو من المسجد ، ويقال للمسجد أيضاً محراب ، قال المبرد : لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرجة ، وقال الربيع ابن أنس : كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب فإذا دخل عليها فتحها .

قوله تعالى : { وجد عندها رزقاً }أي فاكهة في غير حينها ، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف .

قوله تعالى : { قال يا مريم أنى لك هذا } قال أبو عبيدة : معناه من أين لك هذا ؟ وأنكر بعضهم عليه وقال : معناه من أي جهة لك هذا ؟ لأن " آنى " للسؤال عن الجهة " وأين " لسؤال عن المكان .

قوله تعالى : { قالت هو من عند الله } أي من قطف الجنة ، وقال أبو الحسن : إن مريم من حين ولدت لم تلقم ثدياً قط ، كان يأتيها رزقها من الجنة فيقول لها زكريا : أنى لك هذا ؟ فتقول : هو من عند الله ، تكلمت وهي صغيرة .

قوله تعالى : { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } . وقال محمد بن إسحاق : ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها حتى ضعف زكريا عن حملها فخرج على بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل تعلمون والله لقد كبرت سني ، وضعفت عن حمل مريم بنت عمران ، فأيكم يكفلها بعدي ؟ قالوا : والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى ، فتدافعوها بينهم ثم لم يجدوا من حملها بداً فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له : يوسف بن يعقوب ، وكان ابن عم مريم فحملها فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه ، فقالت له : يا يوسف أحسن بالله الظن فإن الله سيرزقنا ، فجعل يوسف يزرق بمكانها منه فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها ، فإذا أدخله عليها في الكنيسة أنماه الله ، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به يوسف ، فيقول : ( يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) .

قال أهل الأخبار : فلما رأى ذلك زكريا قال : إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ، ويهب لي ولداً في غير حينه على الكبر ، فطمع في الولد ، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

ولما أخبر بدعائها{[16466]} أخبر بإجابتها فيه فقال : { فتقبلها } فجاء بصيغة التفعل مطابقة لقولها { فتقبل } ، ففيه إشعار بتدرج{[16467]} وتطور وتكثر ، كأنه يشعر بأنها مزيد لها في كل طور تتطور{[16468]} إليه ، من حيث لم يكن فاقبل مني {[16469]}فلم تكن{[16470]} إجابته { فقبلها{[16471]} } ، فيكون إعطاء واحداً منقطعاً عن التواصل والتتابع ، فلا تزال بركة {[16472]}تحريرها متجدداً{[16473]} لها في نفسها وعائداً{[16474]} بركته على أمها حتى تترقى إلى العلو المحمدي فتكون في أزواجه ومن يتصل به - انتهى .

وجاء بالوصف المشعر بالإحسان مضافاً إليها إبلاغاً في المعنى فقال : { ربها } قال الحرالي : وظهر سر{[16475]} الإجابة في قوله سبحانه وتعالى : { بقبول حسن } حيث لم يكن{[16476]} " بتقبل{[16477]} " - جرياً على الأول .

ولما أنبأ{[16478]} القبول{[16479]} عن معنى ما{[16480]} أوليته باطناً أنبأ الإنبات عما أوليته ظاهراً في جسمانيتها ، وفي{[16481]} ذكر الفعل من " أفعل " في قوله : { وأنبتها } والاسم من " فعل " في قوله : { نباتاً حسناً } إعلام بكمال الأمرين من إمدادها في النمو الذي هو غيب عن العيون وكمالها في ذاتية النبات الذي هو ظاهر للعين ، فكمل في الإنباء والوقوع حسن التأثير وحسن الأثر{[16482]} ، فأعرب عن إنباتها{[16483]} ونباتها{[16484]} معنى حسناً - انتهى . فوقع الجواب لأنها عناية من الله سبحانه وتعالى بها على ما وقع سؤالها فيه ، فلقد ضل وافترى من قذفها وبهتها ، وكفر وإلا من ادعى في ولدها من الإطراء ما{[16485]} ادعى .

وقال الحرالي : وقد أنبأ{[16486]} سبحانه وتعالى في هذه السورة الخاصة{[16487]} بقصة مريم عليها الصلاة والسلام من تقبلها وإنباتها وحسن سيرتها بما نفى اللبس في أمرها وأمر ولدها ، لأن المخصوص بمنزل{[16488]} هذه السورة ما{[16489]} هو في بيان رفع اللبس الذي ضل به النصارى ، فيذكر في كل سورة ما هو الأليق والأولى بمخصوص{[16490]} منزلها ، فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في سورة ما يستوفيه في سورة أخرى لاختلاف مخصوص منزلها ، كذلك الحال في القصص المتكررة في القرآن من قصص الأنبياء وما ذكر فيه{[16491]} لمقصد الترغيب والتثبيت والتحذير وغير ذلك من وجوه التنبيه - انتهى ، وفيه تصرف .

ولما كان الصغير لا بد له فيما جرت{[16492]} به العادة{[16493]} من كبير يتولى أمره قال : { وكفلها } قال الحرالي : من الكفل وهو {[16494]}حياطة{[16495]} الشيء من جميع جهاته حتى يصير عليه كالفلك الدائر { زكريا } وفي قراءة التشديد إنباء بأن الله سبحانه وتعالى هو في الحقيقة كفيلها{[16496]} بما هو تقبلها{[16497]} ، وفيه استخلاص لزكريا{[16498]} من حيث جعله {[16499]}يد وكالة{[16500]} له فيها - انتهى .

ولما كان من شأن الكفيل القيام بما يعجز عنه المكفول بين سبحانه وتعالى أن{[16501]} تلك الكفالة إنما كانت جرياً على العوائد وأنه تبين أن تقبل الله لها أغناها{[16502]} عن{[16503]} سواه فقال في جواب من لعله يقول : ما فعل في كفالتها ؟ : { كلما } أي كان كلما { دخل عليها زكريا المحراب } أي موضع العبادة . وقال الحرالي : هو صدر البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه وقوة وجهد حرب { وجد عندها رزقاً } وذلك كما وجد عند خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه قطف{[16504]} العنب - كما سيأتي في آخر المائدة ، ومثل ذلك كثير في هذه الأمة ، وفي هذه العبارة أي من أولها إلاحة لمعنى حسن كفالته وأنه كان يتفقدها عند تقدير حاجتها إلى الطعام بما تفيده{[16505]} كلمة { كلما } من التكرار ، فيجد الكفيل الحق قد عاجلها{[16506]} برزق من غيب{[16507]} بما هو سبحانه وتعالى المتولي لإنباتها ليكون نباتها من غيب رزقه فتصلح لنفخ روحه ومستودع كلمته ، ولا يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم الذي أعاذها{[16508]} الله سبحانه وتعالى منه بكثرة الاختلاط في موجودات{[16509]} الأرزاق ، فكان من حفظها أن تولى{[16510]} الله سبحانه وتعالى أرزاقها من غيب إلا ما يطيبه من باد ، وليكون حسن نباتها من أحسن رزق الله سبحانه وتعالى كما يقال : من غذي بطعام قوم غذي بقلوبهم {[16511]}ومن غذي بقلوبهم{[16512]} آل إلى منقلبهم{[16513]} ، وكانت هي مثل ما كفلها كافلها ظاهراً كفلته باطناً حين أبدى الله سبحانه وتعالى له من أمره ما لم يكن قبل بداً له ، {[16514]}فكان لمريم عليها الصلاة والسلام توطئة في رزقها لما يكون كماله في حملها فيكون رزقها بالكلمة ابتداء{[16515]} ليكون حملها بالكلمة ، فعند ذلك طلب زكريا عليه السلام نحو ما عاين لها من أن يرزقه الولد في غير إبّانه{[16516]} كما رزق مريم الرزق في غير أوانه ، وفي تعيين محلها بالمحراب ما يليح معنى ما ذكر من رجوليتها باطناً من حيث {[16517]}إن محل النساء أن يتأخرن فأبدى{[16518]} الله سبحانه وتعالى في محلها{[16519]} ذكر المحراب إشارة بكمالها ، والمحراب صدر البيت المتخذ للعبادة ، وفي لزومها لمحرابها في وقت تناول الرزق إعلام بأن الحبيس{[16520]} والمعتكف بيته محرابه ومحرابه{[16521]} بيته ، بخلاف {[16522]}من له{[16523]} متسع في الأرض ومحل من غير بيت الله ، إنما المساجد بيوت أهل الله المنقطعين إليه ، فهو محلهم في صلاتهم ومحلهم في تناول أرزاقهم ، ففيه إشعار بحضورها ، وحضور أهل العكوف حضور سواء في صلاتهم وطعامهم ، ولذلك أنمى حال العبد عند ربه بما هو عليه في حال تناول طعامه وشرابه ، فأهل الله سواء محياهم ومماتهم وأكلهم وصلاتهم ، من غفل عند طعامه قلبه لم يستطع أن يحضر في صلاته قلبه ، ومن حضر عند طعامه قلبه لم يغب في صلاته قلبه ، وفي ذكر الرزق شائعاً إشعار بأنها أنواع من أرزاق من حيث إنه لو اختص يخص به ما هو أخص من هذا الاسم - انتهى .

{[16524]}ولما كان كأنه قيل : فما كان يقول لها إذا رأى ذلك ؟ قيل : كان كلما{[16525]} وجد ذلك ، أو : لما تكرر وجدانه لذلك{[16526]} { قال يا مريم أنّى } أي من أين { لك هذا } قال الحرالي : كلمة أنى تشعر باستغرابه وجود{[16527]} ذلك الرزق من وجوه مختلفة : من جهة الزمان أنه ليس زمانه ، ومن جهة المكان أنه ليس مكانه ، ومن جهة الكيف ووصوله إليها أنه ليس حاله ، وفي ذكر الضمير في قوله : { قالت هو{[16528]} من عند الله{[16529]} } إيذان بنظرها إلى مجموع حقيقة ذلك الرزق لا إلى أعيانه ، فهو إنباء عن رؤية قلب ، لا عن نظر عين لأن هو كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد{[16530]} مضمره ، ولما لم يكن {[16531]}من معهود ما أظهرته{[16532]} حكمته سبحانه مما يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت { من عند الله } ذي الجلال والإكرام ، لأن ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده ، وما كان مستغرباً{[16533]} فيما هو من عنده فهو من لدنه ، فهي{[16534]} ثلاث رتب : رتبة لدنية{[16535]} ، ورتبة عندية ، ورتبة حكمية عادية ؛ فكان هذا وسط الثلاث - كما قال تعالى : آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً{[16536]} }[ الكهف : 65 ] حيث كان مستغرباً{[16537]} عند أهل الخصوص كما قال :{ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً{[16538]} }[ الكهف : 71 ] والإمر العجب ، ولعلو رتبته عن الرتبة العادية جرى النبأ{[16539]} عنه مضافاً إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء كلها من حيث لم يكن { من عند ربي } لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها أو ما كان من نحوها كما قال

{ هذا من فضل ربي{[16540]} }[ النمل : 40 ] لما كان من عادته المكنة{[16541]} على الملوك ، وكان ممكناً فيما أحاط به موجود{[16542]} الأركان الأربعة - انتهى .

ولما أخبرت بخرقه{[16543]} سبحانه وتعالى لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة تنبيهاً على أن ذلك ليس في قدرة ملوك الدنيا : { إن الله } أي الذي له الإحاطة الكلية . {[16544]}قال الحرالي : في تجديد{[16545]} الاسم العظيم في النبأ{[16546]} إشعار باتساع النبأ{[16547]} وإيذان وإلاحة بأن{[16548]} ذلك يكون لك{[16549]} ولمن شاء الله كما هو لي بما شاء الله ، من حيث لم يكن أنه فيكون مليحاً لاختصاص ما بها ، ويؤيده عموم قولها : { يرزق من يشاء } وقولها : { بغير حساب * } يشعر بأنه عطاء متصل ، فلا يتحدد ولا يتعدد ، فهو رزق{[16550]} لا متعقب عليه ، لأن كل محسوب في الإبداء محاسب عليه في الإعادة ، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى{[16551]} برفع الحساب عنهم{[16552]} في المعاد{[16553]} وكفالة بالشكر عنه ، لأن أعظم الشكر لرزق الله سبحانه وتعالى معرفة العبد بأنه من الله تعالى ، إنما يشكر رزق الله من أخذه من الله سبحانه وتعالى - انتهى .


[16466]:ن ظ ومد، وفي الأصل: ببنايها.
[16467]:في ظ: يندرج.
[16468]:ن ظ ومد، وفي الأصل: يتطور.
[16469]:ي ظ: فتكون.
[16470]:ي ظ: فتكون.
[16471]:ي ظ: فتقبلها ـ كذا.
[16472]:ن مد، وفي الأصل: تجدير متجددا، وفي ظ: تحديرها متجردا.
[16473]:ن مد، وفي الأصل: تجدير متجددا، وفي ظ: تحديرها متجردا.
[16474]:ي ظ: عائدا ـ كذا بالذال المعجمة.
[16475]:ن ظ ومد، وفي الأصل: سد.
[16476]:ي ظ: لم تكن.
[16477]:ي الأصل ومد: يتقبل، وفي ظ: نتقبل.
[16478]:يد في الأصل: عن، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[16479]:ي ظ: عما.
[16480]:في ظ: عما.
[16481]:ي مد: من.
[16482]:ي ظ: الأكثر.
[16483]:في ظ: إنبائها.
[16484]:يد في مد: عن.
[16485]:ن ظ ومد، وفي الأصل: أما.
[16486]:ي ظ: انبانا.
[16487]:ي ظ: بالخاصة.
[16488]:ي ظ: بمنزلة.
[16489]:ي ظ: بما.
[16490]:ي ظ: بخصوص.
[16491]:يد في الأصل: من، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[16492]:في ظ: العادة به.
[16493]:ي ظ: العادة به.
[16494]:ن ظ، وفي الأصل ومد: في.
[16495]:ي ظ: مباطة، وفي مد: خياطة.
[16496]:قط من ظ.
[16497]:قط من ظ.
[16498]:ن ظ ومد، وفي الأصل: كزكريا.
[16499]:ن ظ ومد، وفي الأصل: بدو كأنه.
[16500]:ن ظ ومد، وفي الأصل: بدو كأنه.
[16501]:قط من ظ.
[16502]:ن مد، وفي الأصل: أغناه.
[16503]:يد بعده في ظ: من.
[16504]:في الأصول: القطف.
[16505]:ن ظ، وفي الأصل: يقيده، وفي مد: يفيده.
[16506]:في ظ: عاش.
[16507]:ن ظ ومد، وفي الأصل: في عنب.
[16508]:ن ظ ومد، وفي الأصل: إعاذنا.
[16509]:ي ظ: موجبات.
[16510]:ي ظ: قول.
[16511]:قط من ظ.
[16512]:قط من ظ.
[16513]:من ظ ومد، وفي الأصل: متلبهم
[16514]:سقط من مد.
[16515]:قط من مد.
[16516]:ن ظ ومد، أي حينه، وفي الأصل: إبانة ـ كذا.
[16517]:ن ظ ومد، وفي الأصل: إنه محل الثنا أن ما حرب ما به في.
[16518]:قط من ظ.
[16519]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الحبس.
[16520]:ي ظ: ما به.
[16521]:ن ظ ومد، وفي الأصل: سر.
[16522]:زيد في الأصل: لم يف.
[16523]:ن ظ ومد، وفي الأصل: فحص.
[16524]:يد قبله في الأصل: ولما ذكر، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[16525]:ن ظ ومد، وفي الأصل: كلها.
[16526]:ن مد، وفي الأصل وظ: كلذلك.
[16527]:ن ظ ومد، وفي الأصل: وجوه.
[16528]:أخر في ظ ومد عن كلمة "قالت" الآتية.
[16529]:تأخر في ظ ومد عن كلمة "قالت" الآتية.
[16530]:ي ظ: اتخذ.
[16531]:لعبارة المحجوزة زيدت من ظ ومد.
[16532]:ي ظ ومد: عن.
[16533]:ي ظ: متغربا.
[16534]:ي ظ: فهو.
[16535]:ن ظ ومد، وفي الأصل: لدينه.
[16536]:ورة 18 آية 65.
[16537]:ن مد، وفي الأصل وظ: مستعربا.
[16538]:ورة 18 آية 71.
[16539]:ن ظ، وفي الأصل: إلينا، وفي مد: البناء.
[16540]:ورة 27 آية 40.
[16541]:ي ظ: الممكنة.
[16542]:ي ظ: من جود
[16543]:من ظ ومد، وفي الأصل: بخرقة.
[16544]:يدت الواو في ظ.
[16545]:ي ظ: حديث.
[16546]:من مد، وفي الأصل: البنا، وفي ظ: الدنيا.
[16547]:من مد، وفي الأصل وظ: البنا.
[16548]:ي ظ: فإن.
[16549]:ن ظ ومد، وفي الأصل: ذلك.
[16550]:سقط من ظ.
[16551]:من ظ ومد، وفي الأصل: بشوى.
[16552]:ي ظ: لا لمعاد.
[16553]:ي ظ: لا لمعاد.