وعقب على الاستكبار والمشاقة ، بصفحة الهلاك والدمار لمن كان قبلهم ، ممن كذبوا مثلهم ، واستكبروا استكبارهم ، وشاقوا مشاقتهم . ومشهدهم وهم يستغيثون فلا يغاثون ، وقد تخلى عنهم الاستكبار وأدركتهم الذلة ، وتخلوا عن الشقاق ولجأوا إلى الاستعطاف . ولكن بعد فوات الأوان :
( كم أهلكنا من قبلهم من قرن ، فنادوا ، ولات حين مناص ) !
فلعلهم حين يتملون هذه الصفحة أن يطامنوا من كبريائهم ؛ وأن يرجعوا عن شقاقهم . وأن يتمثلوا أنفسهم في موقف أولئك القرون . ينادون ويستغيثون . وفي الوقت أمامهم فسحة ، قبل أن ينادوا ويستغيثوا ، ولات حين مناص . ولا موضع حينذاك للغوث ولا للخلاص !
{ كم أهلكنا من قبلهم من قرن } وعيد لهم على كفرهم به استكبارا وشقاقا . { فنادوا } استغاثة أو توبة أو استغفار . { ولات حين مناص } أي ليس الحين حين مناص ، ولا هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب ، وثم خصت بلزوم الأحيان وحذف أحد المعمولين ، وقيل هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم ، وقيل للفعل والنصب بإضماره أي ولا أرى حين مناص ، وقرئ بالرفع على أنه اسم لا أو مبتدأ محذوف الخبر أي ليس حين مناص حاصلا لهم ، أو لا حين مناص كائن لهم وبالكسر كقوله :
طلبوا صلحنا ولات أوان *** فأجبنا أن لات حين بقاء
إما لأن لات تجر الأحيان كما أن لولا تجر الضمائر في قوله : لولاك هذا العام لم أحجج .
أو لأن أوان شبه بإذ لأنه مقطوع عن الإضافة إذ أصله أوان صلح ، ثم حمل عليه { مناص } تنزيلا لما أضيف إليه الظرف منزلته لما بينهما من الاتحاد ، إذ أصله يحن مناصهم ثم بني الحين لإضافته إلى غير متمكن { ولات } بالكسر كجير ، وتقف الكوفية عليها بالهاء كالأسماء والبصرية بالتاء كالأفعال . وقيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الإمام ولا يرد عليه أن خط المصحف خارج عن القياس إذ مثله لم يعهد فيه ، والأصل اعتباره إلا فيما خصه الدليل ولقوله :
ولات حين مناص : وليس الوقت وقت فرار وخلاص .
المناص : التأخر والفوت ، ويطلق على التقدم ، فهو من الأضداد .
3- { كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص } .
كثيرا ما أهلكنا المكذبين من الأمم ، كقوم نوح عاد وثمود والذين من بعدهم ، وحين رأوا العذاب صاحوا بالإيمان والتوبة بعد فوات الأوان ، وليس الحين حين مناص ، وليس الوقت صالحا للإيمان ، أو الفرار من العذاب ، أو الدخول في الإيمان .
وكلمة : مناص . من الأضداد ، تطلق على التقهقر والفرار ، كما تطلق على التقدم .
وعن الكلبي أنه قال : كانوا إذا تقاتلوا فاضطروا ، قال بعضهم لبعض : مناص . أي : عليكم بالفرار ، فلما أتاهم العذاب قالوا : مناص . فقال تعالى : { ولات حين مناص } .
أي : إنهم آمنوا بعد فوات الأوان ، حين رأوا العذاب .
قال تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا . . . } [ غافر : 85 ] .
وقريب منه رفض إيمان فرعون حين عاين الموت ورأى الغرق بأمّ ناصيته .
قوله تعالى : { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } يعني : من الأمم الخالية ، { فنادوا } استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة ، { ولات حين مناص } أي ليس حين نزول العذاب بهم حين فرار ، و( ( المناص ) ) مصدر ناص ينوص ، وهو الفرار والتأخير ، يقال : ناص ينوص إذا تأخر ، وناص ينوص إذا تقدم ، و ( ( لات ) ) بمعنى ليس بلغة أهل اليمن . وقال النحويون هي ( ( لا ) ) زيدت فيها التاء ، كقولهم : رب وربت وثم وثمت ، وأصلها هاء وصلت بلا ، فقالوا : ( ( لاة ) ) كما قالوا : ثمة ، فجعلوها في الوصل تاء ، والوقف عليها بالتاء عند الزجاج ، وعند الكسائي بالهاء : لاه ، ذهب جماعة إلى أن التاء زيدت في ( ( حين ) ) ، والوقف على ( ( ولا ) ) ، ثم يبتدئ : ( ( تحين ) ) ، وهو اختيار أبي عبيدة ، وقال : كذلك وجدت في مصحف عثمان ، وهذا كقول أبي وجرة السعدي : العاطفون تحين ما من عاطف *** والمطعمون زمان ما من مطعم
وفي حديث ابن عمر ، وسأله رجل عن عثمان ، فذكر مناقبه ثم قال : اذهب بها تلان إلى أصحابك ، يريد : الآن . قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب ، قال بعضهم لبعض : مناص ، أي : اهربوا وخذوا حذركم ، فلما أنزل بهم العذاب ببدر قالوا : مناص ، فأنزل الله تعالى : { ولات حين مناص }أي ليس الحين حين هذا القول .
قوله : { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } : { كمْ } للتكثير ، أي : كثيرا أهلكنا من الأمم الكافرة الضالة من قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم { فَنَادَوْا وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } لما نزل بهم العذاب وأحاط بهم العقاب المحتوم فعاينوه معاينة استغاثوا بربهم ولجوا بالتوبة والاستغفار وطلب العون والاستنقاذ { وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } { وَلاَتَ } ، حرف بمعنى ليس وله اسم وخبر مثل ليس . وتقديره : ولان الحين حين مناص . ولا يكون اسمه وخبره إلا الحين . ولا يجوز إظهار اسمه ؛ أي ليس الوقت حينئذ وقت فرار فقد فات زمن التوبة والاستغفار والآن أوانُ الحساب والجزاء .