ثم يصور ساعات الحرج القاسية في حياة الرسل ، قبيل اللحظة الحاسمة التي يتحقق فيها وعد الله ، وتمضي فيها سنته التي لا تتخلف ولا تحيد :
( حتى إذا استيأس الرسل ، وظنوا أنهم قد كذبوا ، جاءهم نصرنا ، فنجي من نشاء ، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) .
إنها صورة رهيبة ، ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل ، وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود . وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل ، وتكر الأعوام والباطل في قوته ، وكثرة أهله ، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة .
إنها ساعات حرجة ، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر . والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض . فتهجس في خواطرهم الهواجس . . تراهم كذبوا ؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا ؟
وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر . وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؟ . . . ) ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ ، ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس ، والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة ، وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات ، وما يحس به من ألم لا يطاق .
في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب ، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل ، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة . . في هذه اللحظة يجيء النصر كاملا حاسما فاصلا :
( جاءهم نصرنا ، فنجي من نشاء ، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) . .
تلك سنة الله في الدعوات . لا بد من الشدائد ، ولا بد من الكروب ، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة . ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس . يجيء النصر من عند الله ، فينجو الذين يستحقون النجاة ، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين ، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون . ويحل بأس الله بالمجرمين ، مدمرا ماحقا لا يقفون له ، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير .
ذلك كي لا يكون النصر رخيصا فتكون الدعوات هزلا . فلو كان النصر رخيصا لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئا . أو تكلفه القليل . ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثا ولا لعبا . فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج ، ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء . والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة ، لذلك يشفقون أن يدعوها ، فإذا ادعوها عجزوا عن حملها وطرحوها ، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون ؛ الذين لا يتخلون عن دعوة الله ، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة !
إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل ؛ إما أن تربح ربحا معينا محددا في هذه الأرض ، وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحا وأيسر حصيلة ! والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية - والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعةوالاتباع في أي زمان أو مكان - يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة ، ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل ! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود ! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله ، باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات ! . . ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف ، وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثير التكاليف أيضا . وأنه من ثم لا تنضم إليها - في أول الأمر - الجماهير المستضعفة ، إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله ، التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة ، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا . وأن عدد هذه الصفوة يكون دائما قليلا جدا .
ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق ، بعد جهاد يطول أو يقصر . وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجا .
ولما كان المعنى معلوماً من هذا السياق تقديره : فدعا الرجال{[43174]} المرسلون{[43175]} إلى الله واجتهدوا في إنذار قومهم{[43176]} لخلاصهم من الشقاء ، وتوعدهم عن{[43177]} الله بأنواع العقوبات إن لم يتبعوهم ، وطال عليهم الأمر وتراخى النصر وهم يكذبونهم في تلك الإيعادات{[43178]} ويبكتونهم ويستهزئون بهم ، واستمر ذلك من حالهم وحالهم ، قال مشيراً إلى ذلك : { حتى إذا استيئس الرسل } أي يئسوا من النصر يأساً عظيماً كأنهم أوجدوه أو طلبوه واستجلبوه من أنفسهم { وظنوا أنهم قد كذبوا } أي فعلوا فعل{[43179]} اليائس العظيم اليأس{[43180]} الذي ظن أنه قد أخلف وعده من الإقبال على التحذير والتبشير والجواب - لمن استهزأ بهم وقال : ما يحبس ما وعدتمونا{[43181]} به - بإن ذلك أمره إلى الله ، {[43182]} إن شاء{[43183]} أنجزه ، وإن شاء أخره ، ليس علينا من أمره شيء ؛ ويجوز أن يراد أنهم لمن استبطؤوا النصر وضجروا مما يقاسون من أذى الأعداء ، واستبطاء{[43184]} الأولياء { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه } كما يقول الآئس { متى نصر الله } مع علمهم بأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء ، عبر عن حالهم ذلك بما هنا - نقل الزمخشري في الكشاف والرازي في اللوامع معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، هذا{[43185]} على قراءة التخفيف ، وأما على قراءة التشديد فالتقدير : وظنوا أنهم قد كذبهم أتباعهم حتى لقد أنكرت عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف ، روى البخاري في التفسير وغيره عن عروة بن الزبير أنه سألها عن القراءة : أهي بالتشديد أم بالتخفيف ؟ فقالت : إنها بالتشديد ، قال قلت : فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن ، قالت : أجل{[43186]} ، لعمري لقد استيقنوا بذلك ! فقلت لها : وظنوا أنهم قد كذبوا أي بالتخفيف - قالت : معاذ الله ! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ، قلت : فما هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين{[43187]} آمنوا بربهم وصدقوهم ، فطال{[43188]} عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر ، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك . { جاءهم نصرنا } لهم بخذلان أعدائهم { فنجي{[43189]} من نشاء } منهم ومن{[43190]} أعدائهم { ولا يرد بأسنا } أي عذابنا لما له من العظمة { عن القوم } أي وإن كانوا في غاية القوة { المجرمين * } الذين حتمنا دوامهم{[43191]} على القطيعة كما قلنا { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم{[43192]} } وحققنا بمن ذكرنا مصارعهم من الأمم ، وكل ذلك إعلام{[43193]} بأن{[43194]} سنته جرت بأنه يطيل الامتحان ، ويمد زمان الابتلاء والاعتبار ، حثاً للأتباع على الصبر وزجراً للمكذبين عن التمادي في الاستهزاء .
ومادة " كذب " تدور على ما لا حقيقة له ، وأكثر تصاريفها{[43195]} واضح في ذلك ، ويستعمل في غير الإنسان ، قالوا : كذب البرق والحلم والرجاء والطمع والظن ، وكذبت{[43196]} العين : خانها حسها{[43197]} ، وكذب الرأي : تبين الأمر بخلاف ما هو به ، وكذبته نفسه : منته{[43198]} غير الحق ، والكذوب : النفس ، لذلك ، وأكذبت{[43199]} الناقة وكذبت - إذا ضربها الفحل فتشول{[43200]} أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلاً ، لأنها أخلفت ظن حملها ، وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها ، ويقال لمن يصاح به وهو ساكن يرى أنه نائم : قد أكذب ، أي{[43201]} عد ذلك الصياح عدماً ، والمكذوبة من النساء : الضعيفة ، لأنه لما اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدماً ، والمكذوبة{[43202]} على القلب : المرأة الصالحة - كأنها لعزة{[43203]} الصلاح في النساء جعلت عدماً ، وكذب الوحشي - إذا جرى ثم وقف ينظر ما وراءه ، كأنه لم يصدق بالذي أنفره ، ومنه كذب عن كذا - إذا أحجم عنه بعد أن أراده ، أو{[43204]} لأنه كذب ما{[43205]} ظنه عند الحملة من قتل{[43206]} الأقران ، وكذبك{[43207]} الحج{[43208]} أي أمكنك وكذبك الصيد مثله ، وهو يؤول إلى{[43209]} الحث لأن{[43210]} المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر النفس عنه ، فيكاد أن لا يوجد ، وكذا الصيد{[43211]} لشدة فراره{[43212]} وسرعة نفاره وعزة استقراره يكاد أن لا يتمكن منه فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له ، فقد تبين حينئذ وجه كون " كذب " بمعنى الإغراء ولاح{[43213]} أن قوله{[43214]} " ثلاثة أسفار كذبن{[43215]} عليكم : الحج والعمرة والجهاد " معناه{[43216]} أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من أرادها منها{[43217]} ، مع أنه - لقوة داعيته لكثرة ما يرى فيها من{[43218]} الترغيب بالأجر - يكون كالظافر بها ، ويؤيده{[43219]} ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش : الحج مرفوع{[43220]} ومعناه نصب ، لأنه يريد أن يأمره بالحج كما يقال : أمكنك الصيد ، يريد{[43221]} : ارمه ، وقال أبو علي الفارسي{[43222]} في الحجة{[43223]} في قول عنترة :
كذب{[43224]} العتيق وماء شن{[43225]} بارد *** إن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي{[43226]}
وإن شئت قلت :إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء{[43227]} والبعث على{[43228]} طلبه وإيجاده{[43229]} صار كأنه قال بقوله لها : عليك العتيق ، أي الزميه{[43230]} ، ولا يريد نفيه ولكن إضرابها{[43231]} عما عداه ، فيكون العتيق في المعنى مفعولاً به وإن كان لفظه مرفوعاً ، مثل " سلام عليكم " ونحوه مما يراد به الدعاء واللفظ على الرفع ، وحكى محمد بن السري رحمه الله عن بعض أهل اللغة في " كذب العتيق " أن{[43232]} مضر تنصب به وأن اليمن ترفع به ، وقد تقدم وجه ذلك - انتهى . وأقرب من ذلك جداً وأسهل{[43233]} تناولاً وأخذاً أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون{[43234]} الحجاب ما كان لازماً للصدق فإذا كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره ، فمعنى " ثلاثة أسفار كذبن عليكم أمكنتكم{[43235]} من أنفسها ، الحج كل سنة بزوال مانع الكفار عنه ، والعمرة كل السنة{[43236]} بزوال{[43237]} المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل ، والجهاد كل السنة{[43238]} أيضاً لإباحته في الأشهر الحرم وغيرها ، وتخريج{[43239]} مثل : كذبتك الظهائر ، وغيره على هذا بين الظهور لا وقفة{[43240]} فيه ولكون الكاذب يبادر إلى المعاذير{[43241]} ويحاول التخلص كان التعبير بهذا{[43242]} من باب الإغراء ، أي انتهز الفرصة وبادر تعسر{[43243]} هذا الإمكان .
قوله : { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ } أي يئسوا من إيمان الكافرين لفرط عنادهم وشدة جحودهم وعتوهم وبعد ما حاق بهم –بالرسل- الضيق والبلاء { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } { كذبوا } بالتشديد ؛ أي أيقن الرسل أن المشركين المعاندين قد جحدوهم وكذبوا ما جاروهم به من رسالة ودين . وبالتخفيف يكون المعنى : أم الذين أرسل إليهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا أو أخلقوا ، وبعبارة أخرى : ظن قومهم أن رسلهم قد كذبوهم ، عندئذ يجيئهم نصر الله .
وفي تعزيز هذا التأويل روي البخاري عن عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله عز وجل : { حتى إذا استيأس الرسل } قال : قلت : أكذبوا أم كذبوا ؟ قالت عائشة : كذبوا –بالتشديد- قلت : فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن . قالت : أجل ! لعمري ! لقد استيقنوا بذلك . فقلت لها : { وظنوا أنهم قد كذبوا } قالت : معاذ الله . لم تكن الرسل تظن ذلك بربها . قلت فما هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء واستأجر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك .
قوله : { جَاءهُمْ نَصْرُنَا } إذا يئس الرسل من إيمان قومهم بهم وظن وقومهم المشركون أن الرسل قد كذبوهم –بالتخفيف- في أنهم ينصرون عليهم ؛ حينئذ يجيء الرسل والمؤمنين نصر الله .
قوله : { فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء } { فنجي } ، بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء وهو فعل ماض مبين للمفعول . { من } ، في محل رفع نائب فاعل ؛ أي نجي الله رسله والذين آمنوا معهم وأهلك بعذابه المكذبين المستنكفين . قوله : { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } إذا وقع من الله فإنه لا راد لهذا العذاب عنهم{[2306]} .