وفي قصة يوسف ألوان من الشدائد . في الجب وفي بيت العزيز وفي السجن . وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس . . ثم كانت العاقبة خيرا للذين اتقوا - كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب - وقصة يوسف نموذج من قصص المرسلين . فيها عبرة لمن يعقل ، وفيها تصديق ما جاءت به الكتب المنزلة من قبل ، على غير صلة بين محمد وهذه الكتب . فما كان يمكن أن يكون ما جاء به حديثا مفترى . فالأكاذيب لا يصدق بعضها بعضا ولا تحقق هداية ، ولا يستروح فيها القلب المؤمن الروح والرحمة :
( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ما كان حديثا يفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه ، وتفصيل كل شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) . .
وهكذا يتوافق المطلع والختام في السورة ، كما توافق المطلع والختام في القصة . وتجيء التعقيبات في أول القصة وآخرها ، وبين ثناياها ، متناسقة مع موضوع القصة ، وطريقة أدائها ، وعباراتها كذلك . فتحقق الهدف الديني كاملا ، وتحقق السمات الفنية كاملة ، مع صدق الرواية ، ومطابقة الواقع في الموضوع .
وقد بدأت القصة وانتهت في سورة واحدة ، لأن طبيعتها تستلزم هذا اللون من الأداء . فهي رؤيا تتحقق رويدا رويدا ، ويوما بعد يوم ، ومرحلة بعد مرحلة . فلا تتم العبرة بها - كما لا يتم التنسيق الفني فيها - إلا بأن يتابع السياق خطوات القصة ومراحلها حتى نهايتها . وإفراد حلقة واحدة منها في موضع لا يحقق شيئا من هذا كله كما يحققه إفراد بعض الحلقات في قصص الرسل الآخرين . كحلقة قصة سليمان مع بلقيس . أو حلقة قصة مولد مريم . أو حلقة قصة مولد عيسى . أو حلقة قصة نوح والطوفان . . . الخ فهذه الحلقات تفي بالغرض منها كاملا في مواضعها . أما قصة يوسف فتقتضي أن تتلى كلها متوالية حلقاتها ومشاهدها ، من بدئها إلى نهايتها وصدق الله العظيم :
( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن . وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) .
ولما ذكر سبحانه هذه القصص كما كانت ، وحث على الاعتبار بها{[43244]} بقوله : { أفلم يسيروا } وأشار إلى أنه بذلك أجرى سنته وإن طال المدى ، أتبعه الجزم بأن في أحاديثهم أعظم عبرة ، فقال حثاً على تأملها والاستبصار بها : { لقد كان } أي{[43245]} {[43246]} كوناً هو في غاية المكنة{[43247]} { في قصصهم } أي الخبر العظيم الذي تلي عليك تتبعاً{[43248]} لأخبار الرسل الذين طال بهم البلاء حتى استيأسوا من نوح إلى يوسف ومن بعده - على{[43249]} جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام { عبرة } أي عظة عظيمة وذكرى شريفة { لأولي الألباب } أي لأهل العقول الخالصة من{[43250]} شوائب الكدر يعبرون بها إلى ما يسعدهم بعلم{[43251]} أن من قدر على ما قص من أمر يوسف عليه السلام وغيره قادر على أن يعز محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعلي كلمته وينصره على من عاداه كائناً من{[43252]} كان كما فعل بيوسف وغيره - إلى غيرذلك مما ترشد إليه قصصهم من الحكم وتعود{[43253]} إليه من نفائس العبر ؛ والقصص : الخبر بما يتلو بعضه بعضاً ، من قص الأثر{[43254]} ، والألباب : العقول ، لأن العقل أنفس ما في الإنسان وأشرف .
ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية{[43255]} القرآن لما بينه من حقائق أحوالهم وخفايا أمورهم ودقائق أخبارهم على هذه الأساليب الباهرة والتفاصيل الظاهرة والمناهيج المعجزة القاهرة ، نبه{[43256]} على ذلك بتقدير سؤال فقال : { ما كان } أي هذا القرآن العربي المشتمل على قصصهم وغيره { حديثاً يفترى } كما قال المعاندون - على ما أشير إليه بقوله : { أم يقولون افتراه{[43257]} } ، والافتراء : القطع بالمعنى على خلاف ما هو به في الإخبار عنه ، من : فريت الأديم{[43258]} { ولكن } كان { تصديق الذي } كان من الكتب وغيرها { بين يديه } أي قبله الذي هو كاف في الشهادة بصدقه وحقيته في نفسه { و } زاد{[43259]} على ذلك بكونه { تفصيل كل شيء } أي يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا والآخرة ؛ والتفصيل : تفريق الجملة بإعطاء كل قسم حقه { وهدى ورحمة } وبياناً وإكراماً . ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء لا يتعلق بشيء منه ، قال : { لقوم يؤمنون } أي يقع الإيمان منهم وإن كان بمعنى : يمكن إيمانهم ، فهو عام ، وما جمع هذه الخلال فهو أبين البيان ، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أنه{[43260]} الكتاب المبين ، وانطبق ما تبع هذه القصص - من الشهادة بحقية القرآن ، وأن الرسل ليسوا ملائكة ولا معهم ملائكة{[43261]} للتصديق يظهرون للناس ، وأنهم لم يسألوا على الإبلاغ أجراً - على سبب ما تبعته هذه القصص ، وهو مضمون قوله تعالى :
{ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك }[ هود : 12 ] الآية من قولهم
{ لولا ألقي عليه كنز أو جاء معه ملك }[ هود : 12 ] وقولهم : إنه{[43262]} افتراه ، على ترتيب ذلك ، مع اعتناق هذا الآخر لأول التي تليه{[43263]} ، فسبحان من أنزله معجزاً باهراً ، وقاضياً بالحق لا يزال ظاهراً ، وكيف لا وهو العليم الحكيم -{[43264]} والله سبحانه وتعالى أعلم{[43265]} .
فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أنه الكتاب المبين ، وانطبق ما تبع هذه القصص - من الشهادة بحقية القرآن ، وأن الرسل ليسوا ملائكة ولا معهم ملائكة للتصديق يظهرون للناس ، وأنهم لم يسألوا على الإبلاغ أجراً - على سبب ما تبعته هذه القصص ، وهو مضمون قوله تعالى :
{ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك }[ هود : 12 ] الآية من قولهم
{ لولا ألقي عليه كنز أو جاء معه ملك }[ هود : 12 ] وقولهم : إنه افتراه ، على ترتيب ذلك ، مع اعتناق هذا الآخر لأول التي تليه ، فسبحان من أنزله معجزاً باهراً ، وقاضياً بالحق لا يزال ظاهراً ، وكيف لا وهو العليم الحكيم - والله سبحانه وتعالى أعلم .
قوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } هذه الآية خير ختام وتعقيب تفضي إليهما هذه السورة الجليلة ، وهي آية مميزة في روعة مبناها وعجيب ألفاظها المصطفاة ، فضلا عما يتزاحم فيها من معان عظام مبدوءة بالإخبار ، ثم بالنفي ، ثم بالاستدراك ، ثم العطف .
وذلك كله في إحكام مترابط منسجم موصول يضم خلاله أكرم المعاني والعبر . وذلك في آية واحدة قصيرة لا يتلوها قارئ متدبر حتى تبادره حلاوة الألفاظ والمعاني ، ويسري في شغافه وخياله جمال الأسلوب المحبوب ، وسحر الإيقاع النافذ إلى عميق النفس . وهذه الخصيصة في روعة الختام والتعقيب إنما تتجلى في القرآن الكريم وحده من بين سائر الكلم ! أما تأويل الآية فهو أنه كان في أخبار النبيين والمرسلين وأممهم ، وكذلك ما حوته قصة يوسف من حقائق وأنباء تذهل –في ذلك كله { عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ } أي ذكرى وموعظة لأولى النهي والأفهام من الناس .
إن ما حواه القرآن من أخبار الأولين وقصصهم وما لقيه النبيون والمرسلون من صنوف البلاء والتعذيب من أممهم الفاسق أكثرها لهم خير تذكير وعظة للمتدبرين أولي الأبصار .
وفي جملة ذلك كله قصة يوسف وما حوته من وقائع وأحداث تثير الحيرة والدهش وتستنفر الألم والأسى وتعتصر القلوب لتفيض مضاضة وحزنا ! ويأتي في مقدمة هذه الوقائع المذهلة مثلبة الحسد البغيض الذي يستولي على المرء شر استيلاء ليسول له قتل أخيه ، لا في الدين فحسب بل في الذين والنسب . لا جرم أن الحسد يسري في دم ابن آدم سريان الماء في عروق الأرض ، وأنه يطغى على القلب والأعصاب والجهاز النفسي كله في الغالب فينجح بصاحبه لفعل الفظائع من المنكرات إلا أن يتذكر المرء مخافة الله في قلبه فيرعوى ليفيء إلى الصواب كلما ذكر الله في نفسه فاتقاه وازدجر .
قوله : { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى } ما كان هذا القرآن حديثا مختلقا اختلاقا كما زعم الجاهدون السفهاء { وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } { تصديق } ، منصوب ؛ لأنه خبر كان . وتقديره : ولكن كان ذلك تصديق الذي بين يديه{[2307]} ؛ أي كان هذا القرآن تصديقا لما قبله من التوراة والإنجيل وسائر كتب الله . فالقرآن مصدق لما في الكتب المنزلة من السماء ؛ فهو يصدق الصحيح منها ، وينفي ما وقع فيها من تغيير وتبديل { وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ } آيات القرآن جاءت لتفصل ما يحتاج إليه الناس من أحكام الحلال والحرام بما في ذلك من بيان للواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات . وكذلك الإخبار عن أسماء الله وصفاته وما يليق بجنابه وما لا يليق مما هو عنه منزه . وكذلك أنباء الأولين من الغابرين والدارسين مما فيه موعظة وذكرى للمتدبرين المتقين { وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } { وَهُدًى وَرَحْمَةً } ، منصوبان على العطف على قوله : { تصديق } ؛ أي إن القرآن نور تستضيء به البشرية لتهتدي في طريقها وحياتها فلا تضل أو تتعثر ، وهو كذلك بما تضمنه من أحكام وشرائع ومبادئ وقيم ؛ رحمة مهداة من الله للناس كيما يسعدوا بع في حياتهم هذه ، ويوم القيامة يكونون من الآمنين الناجين في مقعد صدق وعليين . جعلنا الله في زمرة السعداء الآمنين الناجين في الدنيا والآخرة .