( الذي جعل لكم الأرض فراشا ) . .
وهو تعبير يشي باليسر في حياة البشر على هذه الأرض ، وفي إعدادها لهم لتكون لهم سكنا مريحا وملجأ واقيا كالفراش . . والناس ينسون هذا الفراش الذي مهده الله لهم لطول ما ألفوه . ينسون هذا التوافق الذي جعله الله في الأرض ليمهد لهم وسائل العيش ، وما سخره لهم فيها من وسائل الراحة والمتاع . ولولا هذا التوافق ما قامت حياتهم على هذا الكوكب في مثل هذا اليسر والطمأنينة . ولو فقد عنصر واحد من عناصر الحياة في هذا الكوكب ما قام هؤلاء الأناسي في غير البيئة التي تكفل لهم الحياة . ولو نقص عنصر واحد من عناصر الهواء عن قدره المرسوم لشق على الناس أن يلتقطوا أنفاسهم حتى لو قدرت لهم الحياة !
فيها متانة البناء وتنسيق البناء . والسماء ذات علاقة وثيقة بحياة الناس في الأرض ، وبسهولة هذه الحياة . وهي بحرارتها وضوئها وجاذبية اجرامها وتناسقها وسائر النسب بين الأرض وبينها ، تمهد لقيام الحياة على الأرض وتعين عليها . فلا عجب أن تذكر في معرض تذكير الناس بقدرة الخالق ، وفضل الرازق ، واستحقاق المعبود للعبادة من العبيد المخاليق .
( وأنزل من السماء ماء ، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) . .
وذكر إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به ، ما يفتأ يتردد في مواضع شتى من القرآن في معرض التذكير بقدرة الله ، والتذكير بنعمته كذلك . . والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعا . فمنه تنشأ الحياة بكل أشكالها ودرجاتها ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) . . سواء أنبت الزرع مباشرة حين يختلط بالأرض ، أو كون الأنهار والبحيرات العذبة ، أو انساح في طبقات الأرض فتألفت منه المياه الجوفية ، التي تتفجر عيونا أو تحفر آبارا ، أو تجذب بالآلات إلى السطح مرة أخرى .
وقصة الماء في الأرض ، ودوره في حياة الناس ، وتوقف الحياة عليه في كل صورها وأشكالها . . كل هذا أمر لا يقبل المماحكة ، فتكفي الإشارة إليه ، والتذكير به ، في معرض الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهاب .
وفي ذلك النداء تبرز كليتان من كليات التصور الإسلامي : وحدة الخالق لكل الخلائق ( الذي خلقكم والذين من قبلكم ) . . ووحدة الكون وتناسق وحداته وصداقته للحياة وللإنسان( الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء . وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) . . فهذا الكون أرضه مفروشة لهذا الإنسان ، وسماؤه مبنية بنظام ، معينة بالماء الذي تخرج به الثمرات رزقا للناس . . والفضل في هذا كله للخالق الواحد :
( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) . .
تعلمون أنه خلقكم والذين من قبلكم . وتعلمون أنه جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء . وأنه لم يكن له شريك يساعد ، ولا ند يعارض . فالشرك به بعد هذا العلم تصرف لا يليق !
والأنداد التي يشدد القرآن في النهي عنها لتخلص عقيدة التوحيد نقية واضحة ، قد لا تكون آلهة تعبد مع الله على النحو الساذج الذي كان يزاوله المشركون . فقد تكون الأنداد في صور أخرى خفية . قد تكون في تعليق الرجاء بغير الله في أي صورة ، وفي الخوف من غير الله في أي صورة . وفي الاعتقاد بنفع أو ضر في غير الله في أي صورة . . عن ابن عباس قال : " الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل . وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان وحياتي . ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص . وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ! وقول الرجل : لولا الله وفلان . . هذا كله به شرك " . . . وفي الحديث أن رجلا قال لرسول الله [ ص ] ما شاء الله وشئت . قال : " أجعلتني لله ندا ؟ " !
هكذا كان سلف هذه الأمة ينظر إلى الشرك الخفي والأنداد مع الله . . فلننظر نحن أين نحن من هذه الحساسية المرهفة ، وأين نحن من حقيقة التوحيد الكبيرة ! ! !
وما أحسن الأمر بالعبادة حال الاستدلال على استحقاقها بخلق الأولين والآخرين {[933]}وما بعده عقب إثبات قدرة الداعي المشيرة{[934]} إلى الترهيب من سطواته ! ولقد بدع هذا الاستدلال على التفرد بالاستحقاق عقب أحوال من قرر أنهم في غاية الجمود بأمور مشاهدة يصل إليها كل عاقل بأول وهلة من دحو الأرض وما بعده مما به قوام بقائهم من السكن والرزق في سياق منبّه على النعمة{[935]} محذر من سلبها{[936]} دال على الإله{[937]} بعد الدلالة بالأنفس من حيث إن كل أحد يعرف{[938]} ضرورة{[939]} أنه وُجد بعد أن لم يكن ، فلا بد له من موجد غير الناس ، لما يشاهد من أن حال الكل كحاله بالدلالة بالآفاق من حيث إنها متغيرة ، فهي مفتقرة إلى مغير هو الذي أحدثها ليس بمتغير ، لأنه ليس بجسم ولا جسماني في سياق مذكر بالنعم الجسام الموجبة لمحبة المنعم وترك المنازعة وحصول الانقياد فقال : { الذي جعل } قال الحرالي : من الجعل وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير { لكم الأرض } أي المحل الجامع لنبات كل نابت ظاهر أو باطن ، فالظاهر كالموالد وكل{[940]} ما الماء أصله ، والباطن كالأعمال والأخلاق وكل ما أصله ما الماء آيته كالهدى والعلم ونحو ذلك ؛ ولتحقق دلالة اسمها على هذا المعنى جاء وصفها بذلك من لفظ اسمها فقيل : أرض أريضة ، للكريمة المنبتة ، وأصل معناها ما سفل في مقابلة معنى السماء الذي هو ما علا على سفل الأرض كأنها{[941]} لوح قلمه الذي يظهر فيها كتابه - انتهى{[942]} .
فراشاً } وهي بساط سقفه السماء وهي مستقر الحيوان من الأحياء والأموات ، وأصله كما قال الحرالي : بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك{[943]} ، { والسماء بناء } أي خيمة تحيط بصلاح موضع السكن وهو لعمري بناء جليل القدر ، محكم الأمر ، بهي المنظر ، عظيم المَخْبَر .
{[944]}ورتبت هذه النعم الدالة على الخالق الداعية إلى شكره أحكم ترتيب ، قدم{[945]} الإنسان لأنه أعرف بنفسه والنعمة عليه أدعى إلى الشكر ، وثنى{[946]} بمن قبله لأنه أعرف بنوعه ، وثلث بالأرض لأنها مسكنه الذي لا بد له منه ، وربع بالسماء لأنها سقفه ، وخمس بالماء لأنه كالأثر والمنفعة الخارجة منها وما يخرج بسببه من الرزق كالنسل المتولد بينهما فقال : { وأنزل } قال الحرالي : من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من علو إلى سفل - انتهى . { من السماء } أي بإثارتها{[947]} الرياح المثيرة للسحاب الحامل للماء { ماء } أي جسماً لطيفاً يبرد غلة{[948]} العطش ، به حياة كل نام . قال الحرالي : وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق{[949]} { فأخرج } من الإخراج{[950]} وهو إظهار من حجاب ، وفي سوقه بالفاء تحقيق للتسبيب في الماء - انتهى . {[951]}
وأتي بجمع القلة في الثمر ونكر الرزق مع المشاهدة لأنهما بالغان في الكثرة إلى حد لا يحصى تحقيراً لهما في جنب قدرته إجلالاً له فقال : { به من الثمرات رزقاً } وإخراج الأشياء في حجاب الأسباب أوفق بالتكليف بالإيمان بالغيب ، لأنه كما قيل : لولا الأسباب لما ارتاب المرتاب ، والثمر كما قال الحرالي : مطعومات النجم والشجر وهي عليها ، وعُبر بِمن لأن ليس كل الثمرات رزقاً لما يكون عليه وفيه من العصف والقشر والنوى ، وليس أيضاً من كل الثمرات{[952]} رزق فمنه ما هو للمداواة{[953]} ومنه سموم وغير ذلك . وفي قوله : { لكم } إشعار بأن في الرزق تكملة لذواتهم ومصيراً إلى أن يعود بالجزاء{[954]} منهم .
وقد{[955]} وصف الرب في هذه الآية بموصولين ذكر صلة{[956]} الثاني بلفظ الجعل ، لأن حال القوام مرتب على حال الخلق ومصيّر منه ، فلا يشك ذو عقل في استحقاق الانقياد لمن تولى خلقه وأقام تركيبه ؛ ولا يشك ذو حس إذا تيقظ من نوم أو غفلة فوجد بساطاً قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه وعولج له طعام وشراب قدم له أن نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها ولتقلد نعمته وإكباره ؛ فلتنزيل هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان ويدخل العلم بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان كانت هذه الدعوة دعوة عربية{[957]} جارية على مقتضى أحوال العرب ، لأن العرب لا تعدو بأنفسها العلم الضروري وليس من شأنها تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني{[958]} العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى الأمارات والأدلة{[959]} ، فعوملت بما جبلت عليه فتنزل لها لتكون نقلتها من فطرة إلى فطرة ومن علم وجداني إلى علم وجداني عليّ لتحفظ عليها رتبة الإعراب والبيان بأن لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها ، لأن كل علم مكتسب يتكلف التسبب له بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس وأوائل هجوم{[960]} العقل تتعارض عليه الأدلة ويعتاده الريب ، فحفظت هذه الدعوة العربية عن التكلف وأجريت على ما أحكمه صدر السورة في قوله تعالى : { لا ريب فيه } .
واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي{[961]} به حاله في كونه ، فيعلم بالاعتبار والتناسب الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات أن الماء بزر{[962]} كون{[963]} الإنسان كما أن الماء أصل رزقه ، ولذلك قال عليه السلام لمن سأله ممن هو فلم يرد أن يعين له نفسه : " نحن من ماء " ويعلم كذلك أيضاً أن للأرض والسماء مدخلاً في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون رزقه ، وفي ذكر الأرض معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها ، ولذلك قال عليه السلام : " من اغتصب شبراً من أرض طوقه من سبع أرضين " وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها وكمالها ؛ وقدم الأرض لأن نظر النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلى ما علا عليها . ثم قال : ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر وإنما توقفوا في الرسالة ولذلك وصل ذكر الرسالة بالتهديد - انتهى .
ولما{[964]} أمر بعبادته و{[965]}ذكرهم سبحانه بما يعلمون{[966]} أنه فاعله وحده حسن النهي عن أن يشرك به ما لا أثر له في شيء من{[967]} ذلك بفاء التسبب{[968]} {[969]}عن الأمرين كليهما فقال معبراً بالجلالة على ما هو الأليق بالتوبيخ على تألّه الغير{[970]} { فلا تجعلوا لله }{[971]} أي ما إحاطته بصفات{[972]} الكمال . {[973]}ويجوز أن{[974]} {[975]}يكون مسبباً عن التقوى المترجاة فتكون لا نافية والفعل منصوب{[976]}{ أنداداً }{[977]} أي على حسب زعمكم أنها تفعل ما تريدون{[978]} . قال الحرالي : جمع ند{[979]} وهو المقاوم في صفة القيام والدوام ، وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير من حال إلى حال أدنى منها ترين الغفلة على القلوب ، حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ملك أو ذي إمرة أو من أي ذي يد عليا كان ، ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم رجاؤهم وخوفهم وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم فاشتد داعي رجائهم لهم وسائق خوفهم منهم فتذللوا لهم وخضعوا ، فصاروا بذلك عبدة{[980]} الطاغوت وجعلوهم لله أنداداً - انتهى . وما أحسن قوله في تأنيبهم وتنبيههم على ما أزروا بأنفسهم { وأنتم تعلمون } أي{[981]} والحال{[982]} أنكم{[983]} ذوو{[984]} علم{[985]} على ما تزعمون{[986]} فإنه يلوّح إلى أن من أشرك به مع قيام هذه الأدلة لم يكن ممن يصح منه العلم فكان في عداد البهائم . و{[987]}فيه كما{[988]} قال الحرالي : إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء {[989]}وفي الأرض ومن الماء ، فمن جعل لله نداً مما حوته السماء{[990]} والأرض واستمد من الماء فقد خالف العلم الضروري الذي به{[991]} تقلد التذلل للربوبية في نفسه فإن يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم - انتهى .
وفي تعقيبها لما قبلها غاية التبكيت{[992]} على من ترك هذا{[993]} القادر على كل شيء وعبد ما لا يقدر على شيء .
وهذه الآية من المحكم الذي اتفقت عليه الشرائع واجتمعت عليه الكتب ، وهو عمود الخشوع ، وعليه مدار الذل والخضوع . قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة : وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به في صدق وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه وبراءته منها والتجائه إلى ربه استسلاماً ، وجهده في خدمته إكباراً واستناده{[994]} إليه اتكالاً ، وسكونه له طمأنينة
{ يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية{[995]} }[ الفجر : 27 ، 28 ] ، ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه لقراءة{[996]} هذا الحرف والعمل به بحسب براءته من التعرض لنظيره المتشابه ، لأن اتباع المتشابه زيغ لقصور العقل والفهم عن نيله ، ووجوب الاقتصار على الإيمان به من غير موازنة بين ما خاطب الله به عباده للتعرف وبين ما جعله للعبد للاعتبار ، سبحانه من لم يجعل سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته .
وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى :
{ اقرأ باسم ربك{[997]} }[ العلق : 1 ] الآيات ، وما قدم في الترتيب في قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } إلى ما ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب التي هي المعرفة
{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون{[998]} }[ الذاريات : 56 ] فليكن أول ما تدعوهم إليهم عبادة الله فإذا عرفوا الله ، ومن{[999]} ذكر عبادة النفس التي هي الإجمال في الصبر وحسن الجزاء
{ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم{[1000]} }[ الكهف : 28 ]
{ ويدرؤون{[1001]} بالحسنة السيئة{[1002]} }[ الرعد : 22 ]
{ الذين هم في صلاتهم خاشعون{[1003]} }[ المؤمنون : 2 ] لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه إلى سائر أحوال العبد التي يتحقق بها في حال الوجهة إلى الرب ، وما تقدم من حرفي الحلال والحرام لإصلاح الدنيا ، وحرفي الأمر والنهي لإصلاح العقبى معاملة كتابه ، والعمل بهذا الحرف اغتباط بالرق وعياذ{[1004]} من العتق{[1005]} ، فلذلك هو أول الاختصاص ومبدأ الاصطفاء وإفراد موالاة الله وحده من غير شرك{[1006]} في نفس ولا غير ، ولذلك بدىء بتنزيله النبي العبد صلى الله عليه وسلم ، وهو ثمرة ما قبله وأساس ما بعده ، وهو للعبد أحوال محققة لا يشركه فيها ذو رثاء ولا نفاق ، ويشركه في الأربعة المتقدمة - يعني النهي والأمر والحلال والحرام ، لأنها أعمال ظاهرة فيتحلى بها المنافق ، وليس يمكنه مع نفاقه التحلي بالمعرفة ، ولا بالخشوع ولا بالخضوع ، ولا بالشوق للقاء ولا بالحزن في الإبطاء ، ولا بالرضا بالقضاء ، ولا بالحب الجاذب{[1007]} للبقاء في طريق الفناء ، ولا بشيء مما شمله آيات المحكم المنزلة في القرآن وأحاديثه الواردة للبيان ، وإنما يتصف بهذا الحرف عباد الرحمن
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً{[1008]} }[ الفرقان : 63 ] الذين ليس للشيطان عليهم سلطان
{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان{[1009]} }[ الحجر : 42 ، والإسراء : 65 ] .
ولما كان حرف المحكم مستحق العبد في حق الرب في فطرته التي فطر عليها كان ثابتاً في كل ملة وفي كل شرعة فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب المشتمل على الأحرف الأربعة ، لتبدلها وتناسخها وتناسبها في الشرع والملل واختلافها على مذاهب الأئمة في الملة الجامعة ، مع اتفاق الملل في الحرف المحكم فهو أمها وقيامها الثابت حال تبدلها وهو حرف الهدى الذي يهدي به الله من يشاء ، وقرأته العملة به هم المهتدون أهل السنة والجماعة ، كما أن المتبعين لحرف المتشابه هم المتفرقون في الملل وهم أهل البدع والأهواء المشتغلون بما لا يعنيهم ، وبهذا الحرف المتشابه يضل الله من يشاء ؛ فحرف المحكم للاجتماع والهدى ، وحرف المتشابه للافتراق والضلال
{ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل }[ الأحزاب : 4 ] .
ثم قال : اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة هو حظ العامة من الأمة العاملين لربهم على الجزاء المقارضين له على المضاعفة ، وقراءة هذا الحرف{[1010]} تماماً هو حظ{[1011]} المتحققين بالعبودية المتعبدين بالأحوال الصادقة المشفقين من وهم المعاملة ، لشعورهم أن العبد لسيده مصرّف فيما شاء وكيف شاء ، ليس له في نفسه حق ولا حكم ، ولا حجة له على سيده فيما أقامه فيه{[1012]} من صورة سعادة أو شقاوة
{ في أيّ صورة ما شاء ركبك{[1013]} }[ الانفطار : 8 ]
{ على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون{[1014]} }[ الواقعة : 63 ] .
والذي تحصل{[1015]} به قراءة هذا الحرف إما من جهة القلب فالمعرفة بعبودية الخلق للحق رقّ خلق ورزق وتصريف فيما شاء مما بينه وبين ربه ومما بينه وبين نفسه ومما بينه وبين أمثاله من سائر العباد ، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده ، ولا يتقي إلا ما وقاه سيده ، ولا يكشف {[1016]}السوء عنه{[1017]} إلا هو ، فيسلم له مقاليد أمره في ظاهره وباطنه ، وذلك هو الدين عند الله الذي لا يقبل سواه
{ إن الدين عند الله الإسلام{[1018]} }[ آل عمران : 19 ] و
{ من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه{[1019]} }[ آل عمران : 85 ] وهو دين النبي العبد ، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار العقل وخلوص اللب هي الملة الحنيفية ملة النبي الخليل - هذا من جهة القلب ؛ وإما من جهة حال النفس فجميع أحوال العبد القن المعرق في الملك : إنما أنا عبد آكل مثل ما يأكل العبد ؛ وجماع ذلك وأصله الذل انكساراً و{[1020]}الذل عطفاً والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق والتحقق بالضعة دونهم على وصف النفس ، بذلك ينتهي حسن التخلق{[1021]} مع الخلق وصدق التعبد للحق ؛ وإما من جهة العمل فتصرف الجوارح وإسلامها{[1022]} لله قولاً وفعلاً وبذلاً ، ومسالمة{[1023]} الخلق لساناً ويداً ، وهو تمام الإسلام{[1024]} وثبته ، لا يكتب{[1025]} أحدكم في المسلمين حتى سلم{[1026]} الناس من لسانه ويده ، ويخص الهيئة من ذلك ما هو أولى بهيئات العبيد كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة من الإطراق في القيام ووضع اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري خبره من أمر سيده وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبيد ، كذلك كان صلى الله عليه وسلم يجلس لطعامه ليستوي حال تعبده في أمر دنياه وأخراه ويقول : " إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد " ويؤثر جميع ما هو هيئة العبيد في تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله{[1027]} }[ آل عمران : 31 ] فبهذه الأمور من تحقق العبودية للقلب وذل النفس وانكسار الجوارح تحصل قراءة حرف المحكم والله الولي الحميد - انتهى .
والله سبحانه أجدر أن يعبده الناس كافة ولا يعصوه في شيء لما أسبغه على الخلائق والبشر من نعماء ومنن ، فهو سبحانه قد ( جعل لكم الأرض فراشا ( أي مهدها ، ويسرها الممهد الذي يصلح للافتراش .
وكذلك قد جعل الله السماء للناس بناء كأنما هي مظلة ، وهي مظلة ممتدة وكبيرة وغير محدودة قد صيرها الله على هذه الصورة الهائلة من البناء المرفوع الذي تتكاثف فيه الخلائق والأجرام في غاية من التوازن الدقيق والإحكام المنظم المضبوط .
بناء سماوي رفيع لا تدرك منه الأبصار والعقول إلا قليلا مما تحقق بأسباب شتى من النظر والرصد والعلم ، وما في السماء من حقائق ومخبوءات لهو كثير لا يقف الإنسان إلا على جزء يسير منه كلما امتد به الزمان وتعاظمت له أسباب البحث والاكتشاف يقول سبحانه في ذلك : ( الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ( والفعل جعل يأخذ مفعولين وهو يعني صير من الصيرورة ويأتي على معان أخرى ترد في موضعها .
وقوله : ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ( السماء اسم مذكر ومؤنث وجمعه سماوات وأسمية ، وهو يطلق على كل ما علاك فأظلك ويقال لسقف البيت سماء ، وكذلك فإن السماء تسمى المطر فيقال : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم ، وأصل السماء من السمو وهو الارتقاء والعلو ، نقول سموت وسميت أي علوت وعليت ، ونقول فلان لا يسامى وقد علا من ساماه .
فقد أنزل الله المطر من السماء العالية المرتفعة بعد أن كان ( المطر ) حبات من الماء المنتشر المحمول عبر درات الهواء حتى إذا علا ذلك وتسامى فوق الأرض لامس أجواء باردة فتقاطر الماء من خلاله ليؤوب الى الأرض منهمرا تستقي منه الخلائق من بشر وزروع وأنعام ، ثم تنبت به الأرض من خيراتها وثمراتها بما يقتات به الناس ويرتزقون أو ما يستمتعون به ويستطيبون .
وحول هذه العملية الربانية العجيبة في إنزال المطر بدءا بتصريف الرياح الموقرة بحبات الماء المتبخر ، وانتهاء بالنزول الهاطل المنهمر يقول سبحانه : ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله ، فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمسلمين فانظر إلى ءاثر رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير ( .
قوله : ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ( الأنداد ، مفردها ند وهو يرادف النديد الذي يستعمل للمبالغة ، والأنداد بمعنى الأكفاء والنظراء والأمثال .
فالند أو النديد معناه الكفء أو النظير أو المثيل ، وقيل : الأنداد تعني الأضداد ، وأصل الكلمة من الفعل ند ندودا أو ندادا ، نقول ند البعير أي نفر وذهب على وجهه شاردا ، وفي قراءة بعضهم لقوله تعالى : ( يوم التناد ( أي يوم الشرود والهرب في جموح ، ومنه التنديد من الفعل ندد أي أظهر العيب في تشهير وافتضاح والله سبحانه يحذر الناس أن يتخذوا من دونه شركاء عدلاء يجعلون لهم من الحظ في الخوف والتقديس والانقياد مثلما يجعلونه لله سبحانه ، وذلك هو الإشراك المستشبع الذي تدنو دونه كل خطيئة أو محظور ، على أن الإشراك ضروب شتى تورد الإنسان المشرك موارد الكفران الذي يفضي إلى غضب الله والنار . كأن يتجه الإنسان بحسه وهواه صوب آلهة مصطنعة لا تملك شيئا من ضر أو نفع ، ولا تملك أن تغير من مقادير الله أدنى تغيير ، ولكنه الوهم الفاسد المريب الذي يمس طبائع جانفة مريضة فيزين لها أن تتثبت بهذه الآلهة المختلفة الموهومة .
ومن ضروب الإشراك أن تخشع القلوب للأصنام في انقياد مضلل فاسد ، كالذي كان عليه الناس في الأزمنة الغابرة ، إذ كانوا يخرون للأصنام ساجدين وهي أصنام يصطنعونها من الحجر أو المدر أو التمر على شواكل مختلفة من هيئة الإنسان أو الطير أو الحيوان ، وفي طليعة ذلك اللات والعزى ومناة ثم هبل وأسماء غير ذلك مما يفتعل أولئك في سفاهة وعمه ، ومن ضروب الشرك كذلك أن ينصاع الإنسان في شعوره ووجدانه وفي تفكيره وجوارحه لأمر الحكام والساسة الذين يقضون بالباطل وبغير ما أنزل الله ، فهم بذلك يضادون الله ويستنكفون عما أنزل من كتاب ودين ، وأمثال هؤلاء الحكام والساسة إنما يقفون في غاية الضلال والجريمة التي تتجسد في الافتتات على سلطان الله والاعتداء على جلاله وجنابه العظيمين وذلك بانتحال الخصائص الأساسية الكبرى كالمعبودية أو الملكوت أو التشريع وهي خصائص كبريات لا تتسنى لأحد من الخليقة كائنا من كان ، وما انتحالها أو جزء منها إلا التعدي الصارخ المستكبر على الله في عليائه .
وعلى ذلك فإن اللحاق بمثل هؤلاء الحكام والساسة الذين يضادون الله لهو ضرب مستبين من ضروب الشرك الذيب تنشغل القلوب والأهواء لتسير في غير صراط الله ، والذي يتثبت الطبع من خلاله بهؤلاء الفساق ليتلهى في خضم الرغائب والشهوات فيسدر مع السادرين إلى حيث السقوط في الأذلين .
ومن أحسن ما روي عن حبر هذه الأمة وإمام المفسرين عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) في هذا الصدد وهو أن الأنداد تعني الشرك وهو أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ، وقول الرجل : لولا الله وفلان .
وقد ورد في الحديث : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شاء الله وشئت فقال له النبي : " أجعلتني لله ندا ؟ ! " .
قوله : ( وأنتم تعلمون ( الواو للحال ، والضمير في محل رفع مبتدأ والميم للجمع ، ( تعلمون( جملة فعلية في محل رفع خبر ، والجملة الاسمية المبتدأ والخبر في محل نصب حال .
وهذا الجزء من الآية خطاب للكافرين والمنافقين الذين يتخذون أندادا من دون الله ، مع أنهم يعلمون في قرارة صدورهم وفي العميق من نفوسهم أنهم ليسوا على شيء إلا الضلال والباطل ، وأنهم ناكبون عن الطريق المستقيمة ، عن صراط الله الذي لا يخالطه أمت أو اعوجاج ، وأنهم يعلمون أن هذا النبي صادق في تبليغه عن ربه وأن شريعة الإسلام لهي الحق المبين .
إن هذا الجزء من الآية خطاب جدير به أن ينفذ إلى قلوب المشركين وأذهانهم أولئك الذين يتخذون مع الله آلهة أخرى وهو في نفاذه إليها يقرعها في مواجهة مكشوفة لا تعرف الموارية أو الميل كما يعلم هؤلاء الكذناكبون أنهم متعصبون وأنهم مفترون عسى أن تتململ فيهم بقية من وازع أو فطرة . {[25]}