ثم يجيء حكم المطلقة قبل الدخول . وهي حالة جديدة غير حالات الطلاق بالمدخول بهن التي استوفاها من قبل . وهي حالة كثيرة الوقوع . فيبين ما على الزوجين فيها وما لهما :
( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة . ومتعوهن - على الموسع قدره وعلى المقتر قدره - متاعا بالمعروف حقا على المحسنين . وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم . إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح . وأن تعفوا أقرب للتقوى . ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير )
والحالة الأولى : هي حالة المطلقة قبل الدخول ، ولم يكن قد فرض لها مهر معلوم . والمهر فريضة ، فالواجب في هذه الحالة على الزوج المطلق أن يمتعها . أي أن يمنحها عطية حسبما يستطيع . ولهذا العمل قيمته النفسية بجانب كونه نوعا من التعويض . . إن انفصام هذه العقدة من قبل ابتدائها ينشىء جفوة ممضة في نفس المرأة ، ويجعل الفراق طعنة عداء وخصومة . ولكن التمتيع يذهب بهذا الجو المكفهر ، وينسم فيه نسمات من الود والمعذرة ؛ ويخلع على الطلاق جو الأسف والأسى . فهي محاولة فاشلة إذن وليست ضربة مسددة ! ولهذا يوصي أن يكون المتاع بالمعروف استبقاء للمودة الإنسانية ، واحتفاظا بالذكرى الكريمة . وفي الوقت نفسه لا يكلف الزوج ما لا يطيق ، فعلى الغني بقدر غناه ، وعلى الفقير في حدود ما يستطيع :
( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) . .
ويلوح بالمعروف والإحسان فيندي بهما جفاف القلوب واكفهرار الجو المحيط :
ولما تمت أحكام العدد وما يتبعها مما حق الرجال فيه أغلب أتبعها أحكام{[11047]} الأصدقة ، ولما كان الكلام قد طال في أحكام الطلاق والموت ولم يذكر الصداق وكان قد ختم{[11048]} تلك الأحكام بصفتي الغفر والحلم وكان{[11049]} الصداق معلوماً عندهم قبل الإسلام اقتضى ذلك السؤال : هل يجب للمفارقة صداق أو هو مما{[11050]} دخل تحت المغفرة والحلم فلا يجب ؟ فقيل : { لا جناح عليكم{[11051]} } أي لا تبعة من مهر ولا غيره إلا ما يأتي من المتعة ، وأصل الجناح الميل من {[11052]}الثقل { إن طلقتم النساء } أي إن طلق أحد منكم ما يملك عصمته منهن { ما لم تمسوهن } أي تجامعوهن . من المس ومن المماسة في القراءة الأخرى وهو ملاقاة الجرمين بغير حائل بينهما - قاله الحرالي { أو تفرضوا لهن فريضة } أي تسموا لهن مهراً معلوماً . أي لا جناح عليكم ما لم يقع أحد الأمرين أي مدة انتفائه ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معاً فإذا انتفيا انتفى الجناح وإن وجدا أو أحدهما وجد ، فإن وجد المسيس وجب{[11053]} المسمى أو مهر المثل . وإن وجد الفرض وجب نصفه إن خلا عن مسيس . قال الحرالي : ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر الصداق لا مع إبطاله ، ففيه صحة نكاح التفويض{[11054]} ونكاح التأخير لذكر الصداق ، فبان به أن الصداق ليس ركناً فيه وأن إبطاله مانع من بنائه ، فيكون له ثلاثة أحوال من رفع الجناح فيه عن{[11055]} المهمل الذي لم يمس فيه كأنه كان يستحق فرضاً ما فرفع{[11056]} عنه جناحه من حيث إن على الماس كلية النحلة وعلى الفارض شطر النحلة{[11057]} فرفع عنه جناح الفرض{[11058]} وجبر موضع الفرض{[11059]} بالإمتاع ، ولذلك ألزمت{[11060]} المتعة طائفة من العلماء - انتهى .
ولما كان التقدير : وطلقوهن إن أردتم وراعوا فيهن ما أوجبت من الحقوق لكم وعليكم عطف عليه قوله : { ومتعوهن } أي جبراً{[11061]} لما وقع من الكسر بالطلاق على حسب حال المطلقين ، والمطلقة{[11062]} من غير مس ولا فرض تستحقه{[11063]} للمتعة بالإجماع - نقله الأصبهاني{[11064]} . و { على الموسع } منهم{[11065]} أي الذي له في حاله{[11066]} سعة . وقال الحرالي : هو{[11067]} من الإيساع وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من{[11068]} الكفاية { قدره } من القدر وهو الحد المحدود في الشيء حساً أو معنى { وعلى المقتر } أي الذي في حاله{[11069]} ضيق . قال الحرالي : هو{[11070]} من الإقتار وهو النقص من القدر الكافي - انتهى{[11071]} { قدره } أي ما يقدر عليه ويطيقه ، وقراءة فتح الدال كقراءة إسكانها فإنهما{[11072]} لغتان {[11073]}أو أن الفتح مشير إلى التفضل{[11074]} بتحمل شيء ما فوق القدرة { متاعاً } أي تمتيعاً { بالمعروف } وهو ما ليس فيه في الشرع نكارة { حقاً على المحسنين * } أي الذين صار الإحسان لهم وصفاً لازماً ، والإحسان غاية رتب الدين كأنه{[11075]} كما قال الحرالي إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي - انتهى . فالكلام على هذا النظام إلهاب وتهييج لا قيد ، وإنما كانت إحساناً لأن ملاك القصد فيها كما قال الحرالي ما تطيب{[11076]} به نفس المرأة ويبقى باطنها وباطن أهلها سلماً أو ذا مودة{ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً{[11077]} }[ الطلاق : 1 ] انتهى . ولا شك في أن هذا إحسان .
قوله تعالى : ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ) .
تتضمن هذه الآية جملة أحكام فقهية تتعلق بالمطلقات وما لهن من حق الفريضة ( المهر ) والمتعة . ويتحدد ذلك كله في ضوء الحال التي عليها المرأة من الطلاق قبل المسيس أو بعده ، ومن فرض المهر لها أو عدمه .
ويمكن القول إن المطلقات في هذا الشأن أربع :
الأولى : مطلقة مدخول بها ومفروض لها المهر ، فهذه لها المهر كله بغير خلاف ، وليس للزوج المطلق أن يسترد من مهرها المسمى شيئا حتى وإن كان الدخول لأدنى فترة من الزمن .
الثانية : مطلقة غير مفروض لها المهر ، ولا مدخول بها ، فإن لها المتعة وهي تعويض المرأة بشيء من المال تعطاه بحسب الحال من اليسار أو الإعسار الذي عليه الرجل .
الثالثة : مطلقة مفروض لها المهر ، لكنها غير مدخول بها ، فإن لها نصف ما سمّي لها من صداق . وذلك جاء قوله في الآية : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) .
الرابعة : مطلقة مدخول بها لكنها غير مفروض لها المهر ، فإن لها مهر مثلما كاملا ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : ( فما استمتعم به منهن فآتوهن أجورهن ) . حتى إن الأئمة الثلاثة أبا حنيفة ومالك ابن حنبل ذهبوا إلى وجوب الصداق لها كاملا بمجردة الخلوة وإن لم يقع مسيس ( جماع ) .
وقوله : ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ) أي لا حرج عليكم في طلاق نسائكم ما لم تمسوهن أي تجامعوهن . وما ، هنا شرطية ، أي إن لم تمسوهن أو تماسوهن ، وقيل : مصدرية ظرفية ، أي مدة عدم مسيسكم ، وقيل : اسم موصول ومعناه اللواتي ، فيكون المعنى : لا حرج ولا إثم عليكم إن طلّقتم النساء اللواتي لم تمسّوهن ( تجامعوهن ) ولم تسمّوا لهن صداقا ، وعليكم في هذه الحالة أن تعطوهن متاعا أو متعة ، وقد قدّرها بعضهم بالخادم يستأجره الرجل ، وقيل : أدنى المتعة ما كانت ثلاثة أثواب وأوسطها ما كان خمارا وجلبابا وثوبا ، وقيل غير ذلك . والمقصود بالمتعة أن يكون فيها التطيب لنفس المرأة المطلقة غير الممسوسة والتي لم يذكر لها صداق ، وأن يكون فيها كذلك التعويض عما أصابها من صدمة الفراق بما تستعين به على العيش بحسب الوضع الذي عليه الرجل ، وذلك هو المعنى لقوله تعالى : ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) والموسع هو ذو اليسار والسعة . وقدره أي وسعه . والمقتر هو المقلّ أو قليل المال . فكل منهما يؤتي المطلّقة غير المفروض لها الصداق وغير الممسوسة متاعا بحسب حاله من اليسار أو الإعسار كما ذكرنا آنفا .
أما المتعة من حيث الحكم الشرعي فهي موضع خلاف . فقد هب فريق من أهل العلم وفيهم عبد الله بن عمر ، وعلي بن أبي طالب ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم إلى أنها واجبة استنادا إلى ظاهر قوله تعالى : ( ومتعوهن ) وهو أمر يفيد الوجوب .
وذهب آخرون من العلماء إلى أن الأمر هنا للندب لا للوجوب استنادا إلى قوله : ( حقا على المحسنين ) ولم يقل على الجميع . والراجح عندي القول الأول ؛ لما بينّا من استناد إلى مقتضى الأمر في الآية .
وأما المراد بالنساء في قوله : ( ومتعوهن ) فقد قيل : إنهن المطلّقات قبل الدخول وقبل فرض الصداق لها ، فالمتعة لهن في هذه الحالة واجبة ، أما في حق غيرهن فهي مندوبة . وهو ما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر والحسن البصري والشافعي وأحمد والحنفية .
وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن المتعة مندوب إليها في كل مطلقة سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول ، باستثناء المطلقة غير الممسوسة والتي فرض لها الصداق ، فإن لها نصفه ولا متعة لها ، وأما المطلقة غير المدخول بها والتي لم يفرض لها صداق ، فإنها لا شيء لها غير المتعة وهو ما أجمع عليه العلماء .
وقوله : ( متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) ( متاعا ) مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره متّعوهن . والمعروف أي ما تعورف عليه وكان وسطا وهو الأمر يوافق ما عليه الشرع من دعوة للاقتصاد .
وقوله : ( حقا ) صفة للمفعول المطلق ( متاعا ) وهو ما استدل به العلماء على وجوب المتعة . نقول : حققت عليه الأمر أو أحققته أي أوجبته عليه إيجابا .
وثمة مسألة . وهي إذا مات الرجل قبل أن يفرض لزوجته صداقا أو يدخل بها . فهي بذلك متوفى عنها زوجها دون مسيس أو مهر مسمّى . فقد ذهب العلماء من أصحاب الرسول ( ص ) إلى أن هذه المرأة لها مهر المثل وعليها العدة ولها الميراث . وهو ما ذهب إليه أحمد وإسحاق والثوري . والدليل على ذلك عندهم ما ذكره الترمذي عن ابن مسعود : أنه سئل عن رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات . فقال ابن مسعود : لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث ، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله ( ص ) في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت ، ففرح بها ابن مسعود .
وذهب آخرون من أصحاب رسول الله ( ص ) منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر إلى أنه إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات ، فإن لها الميراث وعليها العدّة ولا صداق لها . وهو ما ذهب إليه الشافعي أيضا ، على أن مدار الاستدلال في هذه المسألة ينبغي أن يكون موقوفا على صحة خبر بروع وعلى تثبيته ، فهو إن صح فلا مساغ عندئذ إلا الأخذ بالقياس كالذي ذهب إليه الآخرون .